هجاء سياسي

مع إقتراب موعد الإنتخابات النيابية تشتد وتيرة الهجاء السياسي بين الأخوة الأعداء، والأعداء الأخوة، ومن هم لا بإخوة ولا بإعداء بالنسبة لمن هم على باب الله.

ستزعق حناجر لا عد لها، ويهدر حبر كثير، وتسوّد صفحات جرائد، وتتسع جيوب أصحاب الوسائل الإعلامية، وبالأخص المرئية بالأخضر الفتان، وسنسمع ما لم نسمعه، نقرأ ما لم نقرأه، إلا أنه من المؤكد أننا سوف لن نصدق ما نقرأ، ولا نقتنع بما نسمع ونرى، وسيذهب كل منا - أقصد من إعتاد على الإدلاء بصوته- ليعطي صوته لمن إعتاد على إعطائه له، وسوف لن نتفاجأ بما ستفرزه صناديق الإنتخابات.

نعم سننتخب الفاسد والمُرتشي وغير الكفوء، والذي يضحك علينا، بزبيبة في جبينه، ومسبحة بين أصابعه، وبتصنع الورع والتقوى، سيخدعنا، مثنى وثلاث ورباع، من لا برنامج مُحدد له، سوى الإتكاء على الحسينية أو الجامع، أو الزعم بالدفاع عن هذه الأثنية أو تلك، أو هذه الطائفة أو تلك، سنعطيه صوتنا مرّة أخرى، وأخرى، وأخرى، وفي أحسن الأحوال سنبدل فاسد ومُفسد بفاسد ومُفسد مُحسن، على طريقة سيجائر بابل المُحسنة، أو البنزين المُحسن، وجاهل بمن هو أجهل، ومرتشٍ معلوم بمرتش مجهول يفتح شدقيه على سعتهما منذ الآن، وبالمحصلة سسينتخب الشيعي الشيعي، والسني السني، والكردي الكردي، وياليته ينتخب الشيعي والسني والكردي الأصلح والأنفع والأكفأ، فالأصلح والأنفع والأكفأ مهما كان إنتماؤه سيبني البلد، ومن يسمونهم بالأقليات فلهم نصيبهم في الكوته، أما العراق فلن ينتخبه أحد، لأنه لاوجود لقائمة عراقية حقيقية، مع الإعتذار لعراقية علاوي، هل هي عراقية حقاً؟!

سنذهب للإنتخابات من دونما قانون للأحزاب، فإنتخاباتنا لا تجري بين أحزاب، وإنما بين مكونات، سيحشرون الناس (خبط لزم) فيها، فالإنسان في العراق، ليس كبقية البشر، تقدمي ورجعي، ليبرالي وإشتراكي، يساري ويميني، وإنما هو شيعي وسني وكردي، حيث الشيعي لا يظلم ويستغل الشيعي، والسني لا يظلم ويستغل السني، والكردي لا يظلم ويستغل الكردي، وبالمحصلة فالمُعدم والمسحوق سيمثلة حتماً ذاك الذي "تكرّش حتى عاد بلا رقبة"، لأي مكون إنتمى، لقد أصبحوا جميعاً، المُسغب والمُتخم، الحاكم والمحكوم، وضمن كل مكوّن أصبحوا، وهذا من فضل ربي، بنعمته إخوانا.

يالها من ديمقراطية فريدة، تلك التي تعم العراق اليوم!

"صوَحِب" في أطراف الهور في تطلعه وهمومه كالجلبي وعلاوي، والراعي "غيدان" في بوادي الأنبار كالمطلق والنُجيفي، وكاكا "حمه" في سفوح هندرين كالبرزاني والطالباني، الكل شركاء في هذا الوطن، متساون في الحقوق، يتقاسمون اللقمة فيما بينهم، دونما تفاضل ولا تمييز، يتمتعون جميعاً، وعلى قدم وساق، بخيرات العراق.

ستشع تجربتنا (تجربة دولة المكونات) على العالم، وتصبح منارة، تهتدي بهديها ديمقراطيات المواطنة، والفردانية التي أثبتت فشلها وتخلفها!..

وإذا كان ولابد من وجود برنامج، فينبغي أن يكون برنامجاً للمكون، لمصلحة المكون، لمصلحة الشيعة إن كان شيعيّاً، ولمصلحة السنة إن كان سنيّاً، تماماً كما هو حاصل في التحالف الكردستاني، وينبغي عدم السماح لشق المكون الشيعي أو السني أو الكردي، ولأجل أن تطمئن المكونات، ينبغي أضعاف الدولة، ينبغي أن يظل هاجس الخوف، خوف السني من الشيعي وخوف الشيعي من السني، وخوف الكردي من العربي والحكومة المركزية قائماً، فإن خفتت حدّته أوكل للمتطرفين من كل جانب بتسعيره وتأجيجه، وغالباً ما يكون هذا الـتأجيج والتسعير على مشارف الإنتخابات أو الإستحقاقات الكبيرة.

لا تسل عن مصير وطن يتلّبس أبناؤه هاجس الخوف بعضهم من بعض، ولا عن مصير مواطني بلد الهواجس والترصد والريبة، فهو في أحسن الأحوال لن يكون إلا مصيراً مأساوياً وكارثياً.

أليس من حقنا نحن المُهمشين، نحن الذين ليس لنا بعد العراق وطن، أن نرفع صوتنا عالياً بوجه أولئك الذين يأخذوننا ويأخذون البلد إلى الهاوية؟. أليس من حقنا أن نسأل: أين العراق؟.. أين الوطن؟.. أين المواطن والمواطنة؟

أنا المواطن العراقي، سنيّاً كنت أم شيعيّاً، مُسلماً أم مسيحيّاً، كردياً أم عربياً أم تركمانيا، أريد خدمات وحرية ونمو وتطور، وصولاً لدولة الرفاهية التي يستحقها العراق، ولا توجد خدمات سنيّة أو شيعيه، مسلمة أو مسيحية. عراق الرفاهية كي يوصف بهذه الصفة، ينبغي أن تغطي رفاهيته الجميع، بلا إستثناء.

لأنه لا توجد لدينا أحزاب حقيقية شرعية، فإننا لسنا مثل غيرنا، لا تقوم أحزابنا ممثلة بهيئاتها كافة بإختيار ممثليها للبرلمان، فزعيم الكتلة هو من يقوم بهذا الإختيار، وزعيم الكتلة هو من يختار شكل وهيئة وطبيعة التنظيم الذي سيطلق عليه فيما بعد كتلة أو قائمة إنتخابية. الكتلة تأتي ثانياً، بعد الزعيم، وجود الزعيم سابق لوجود الكتلة، هو من يشكلها، ويختار أسمها، ويحدد أهدافها. لاتوجد كتلة تُكلف بإختيار زعيمها، بل يوجد زعيم يقوم هو بإختيار الكتلة. المهم وجود شخص مدعوم، ومموّل من جهة ما، داخلية أم خارجية، معلومة أم مخفيّة، يجمع حوله من يريدهم ويرغب بهم، ثم يطلق بعدئذ عليهم المُسمى الذي يرتئيه.. تتغيّر تسميات الكتل والقوائم، ولا يتغير قادتها، وأعضاء الكتل والقوائم يتنقلون من هذه الكتلة إلى تلك، ومن هذه القائمة إلى تلك، دون تقديم أي تبرير، إذ لا شيء يميز هذه الكتل والقوائم جوهرياً. يقولون أن العراق الذي قسّم إلى ثلاث مكونات، سنة وشيعة وكرد، تقسمت فيه كل كتلة إلى ثلاث أيضاً لحد الآن، فما يعرف بالتحالف الوطني، اضحى كتلة المواطن، والأحرار، ودولة القانون، والتحالف الكردستاني أضحى ثلاث أيضاً، الديمقراطي، والإتحاد، والتغيير، والكتلة العراقية، أضحت ثلاث، متحدون، والعراقية الوطنية، والحوار، وكل من هذه الكتل التسعة ستتقدم إلى الإنتخابات منفردة، وقد أعلنت مفوضية الإنتخابات تقديم طلب مشاركة في الإنتخابات لثمانين كتلة لغاية كتابة هذا الموضوع، والحبل على الجرار.

في ديوانية فلان، ومكتب فلان، تتشكل الكتل، والقوائم، يُكتب بيانها الإنتخابي، ويُعلن في وسائل الإعلام، لا جدوى من البحث عن الفروقات، فكل البيانات الإنتخابية مُتشابهة، كأنها نسخ فوتوكوبي مأخوذه بعضها من بعض، مع بعض الإختلافات الثانوية، التي لا تحدد منهجاً ولا منظوراً، فالذين يجتمعون قبيل الإنتخابات لتشكيل كتلهم أو قوائمهم الإنتخابية لا فلسفة لهم في الحكم، ولا رؤية استراتيجية لديهم، وهذان الشيئان (فلسفة الحكم والرؤية الاستراتيجية) هما زاد رجال الدولة والسياسة، وعدتهم وعتادهم، والعاطلون عنهما ليسوا سوى طلاب كراسي ومنافع، لا رجال دولة وسياسة.