هاني نقشبندي: المرأة السعودية تعبد الأرث القديم

حوار أجرته: سلوى اللوباني
المسألة ليست قيادة السيارة فقط

مشواره العملي امتد لأكثر من ثلاثين عاما بين الصحافة والعمل الخاص وكانت الكتابة بينهما هي راحته ومتنفسه، هي الحديقة التي يتنفس منها ويعيش فيها فأصدر "إختلاس"، و"سلام"، و"ليلة واحدة في دبي".

من خلال عمله الإعلامي كتب في الشأن السياسي كما كتب في القضايا الإجتماعية وقضايا المرأة العربية والمرأة السعودية بشكل خاص التي يرى إنها لا تزال تسهم في جعل الإرث القديم صنما يعبد!

أصدر مؤخرا مجلة شهرية "ماي مول" تغطي أنشطة المراكز التجارية في السعودية والإمارات ومدن الخليج إضافة إلى الأبحاث والدراسات الميدانية المرتبطة بثقافة التسوق ومع ذلك فهو لا يخلط بين كتاباته وعمله الخاص لأنه مع القلم لا يزال صاحب مشروع كتاب فهو بصدد التحضير لروايته الرابعة، رواية سياسية ساخرة تحمل عنوانا مؤقتا "المواطن إكس المحترم".

• بعد سنوات من الكتابة عن عالم المرأة العربية وقضاياها المختلفة هل تجد أن المرأة تغيرت أو تغير وضعها في عالمنا العربي؟

ـ لا اعتقد أن وضع المرأة العربية قد اختلف كثيرا. هناك إرث قديم تراكم جيلا بعد جيل, هذا الإرث أقوى من أي حداثة. يعتقد البعض أن الإرث نفسه ما عاد موجودا وكل ما بقي منه تراكمات قديمة ممتدة. وهذا خطأ كبير. فالإرث نفسه متجدد لا متمدد فقط, إنه موجود في كل رجل شرقي. بل هو ساكن في نطفنا وجيناتنا, فيحتلنا ونطرب لإحتلاله لأنه يجعلنا السادة على المرأة مدفوعين إلى ذلك بعناوين دينية تؤيدنا بالمطلق.

• لماذا ترى بأن المشكلة في المرأة نفسها بخصوص قيادتها للسيارة في السعودية؟

ـ كنت قد قلت ذلك في مقال سابق. فالمسألة ليست قيادة السيارة فقط, بل إن المرأة السعودية نفسها تسهم في جعل الإرث القديم صنما يعبد, وأكثر من الرجل أحيانا. هي ما تزال حذرة من أي انفتاح يطالها أو يطال بنات جنسها بذريعة الوقوع في المحظور. لقد تعرضت المرأة السعودية لأكبر عملية غسل لعقل بشري في التاريخ, حتى اندفعت الى هذا الركن القصي والمغمور من الحضور في المجتمع. بل وصل الأمر إلى إقناعها لنفسها بالرضوخ لإرادة الرجل, مرتضية أن تكون ضلا لا جسد.

• شغلت خلال مشوارك الإعلامي العديد من المناصب في الصحف والمجلات مثل الشرق الأوسط، الرجل، المجلة، سيدتي، هل ترى أن أسلوب الإعلام العربي تغير؟

ـ يجب أن نفرق أولا بين الإعلام التابع للدولة والآخر المملوك للمستثمرين. بالنسبة للنوع الأول فهو في حكم غير الموجود, أو لنقل ميت منذ زمن. كما أن رسالته ليست تقديم خدمة إعلامية أو تجارية بل هو صوت الدولة الرسمي. هو ما يزال يردد نفس إيقاع ومحتوى الكلمات التي يقولها منذ خمسين عاما. انظري ما يقول عند لقاء رئيس بآخر, لا تسمعي سوى العبارة ذاتها "التقى الشقيقان وبحثا في الأوضاع المشتركة بينهما". حسنا, ماذا بحثا, وعن أي شيء ولماذا؟

أما الإعلام الخاص, فهو نصف ميت ونصف خائف وما بين الخوف والموت خيط رقيق يحاول البعض السير عليه بحذر وجرأة, وغالبا ما يسقطون.

• هل الأديب العربي قادر على أن يكتب تاريخ الشعوب بعد الثورات الشعبية في العالم العربي فقد هوجم كثيرا خلال وبعد الثورات بأنه لم يفعل شيئا مؤثرا لمساعدة مجتمعه من قبل؟

ـ هو لم يفعل شيئا قبل ولن يفعل شيئا بعد. كيف تؤملين دورا مشرفا من أدب يصمت ويخاف ويلزم الدار دون أن يسجل أدنى حضور له على الساحة. الأدباء في العالم العربي, واتكلم عن جزء كبير منهم, لا هم لهم سوى الشهرة والندوات ودعوات الغداء والعشاء والتغزل بالمسؤولين. فإن طاح هؤلاء المسوؤلون ارتفعت سكاكين الأدباء على أولياء نعمتهم. تمنيت لو رأيت أديبا واحدا من مصر أو سوريا أو ليبيا أو تونس أو اليمن يقول "نعم.. لقد كنت مع النظام السابق, وأنا ما أزال أقف بجانبه ولو سقطت رموزه فقد كان له وكان عليه". لم يحدث ذلك أبدا, بالعكس أصبحوا جميعهم أبطالا قوميين حاربوا بأقلامهم الظلم في حين أن بعضهم كرس هذا الظلم وزينه في رأس الحاكم وعقله. دعيني أقول لك شيئا واحدا عزيزتي: الأدب الحقيقي هو الذي يتحدث عندما يصمت الآخرون, ويصمت عندما يتحدث الجبناء.

• تقول "إن أفضل الأوطان قد تنجب الشوك، وأرض الشوك قد تنجب الزهور، وكم من صعاليك أنجبتهم أرض خصبة وكم من عمالقة خرجوا من أرض بور، فالسلوك الإنساني بلا هوية ولا وطن" قد يكون للإنسان العربي أرض ولكن هل ترى أنه يملك هوية؟

ـ أي مخلوق يملك هوية ولو كان حجرة صغيرة. الإنسان العربي مبدع, وخلاق وخائف في الوقت ذاته. هو يملك رؤيا ذكية لكنه خائف. هو مبدع لكنه خائف. قادر على صنع الكثير لكنه خائف. وخوفه هنا ليس من سلطة أو حاكم فقط, إذ امتد الخوف منسابا من هذه السلطة ليكسي كل ما يحيط به. فأصبح الخوف من البيت, والأصدقاء ومن خيال نفسه. لقد أصبح الخوف هوية وطنية.

• تقول ليس كل من اختلف معنا في المعتقد أو الرأي كان سيئا أو منبوذا.. ألا تعتقد بأن العنف الفكري أو العقائدي زاد عن حده لدينا؟

ـ هو لم يزد لأنه لم ينقص في يوم ما. نحن نكره من يختلف معنا في رأي بسيط فكيف بمن يخالفنا المعتقد؟ أحيانا أشعر أن الإنسان يحب أن يتحرش بالآخرين ويختلف معهم ويصطدم بهم. وأسهل طريقة لتحقيق غاية عدوانية كهذه هو أن تختلف مع من يخالفك الرأي أو المعتقد. لأنك لن تقاتل وحدك بل ستصبح قائد فرقة من المخبولين أيضا.

• أصدرت مؤخرا مجلة My mall ماي مول، هل يستطيع المثقف أن يغطس في عالم الأسواق؟ لماذا لم تختر أن تصدر مطبوعة ثقافية؟

ـ لماذا نستغرب أن يكون المرء تاجرا وكاتبا في الوقت ذاته؟ هل علي أن أكون فقيرا ماديا لأبدع أدبيا؟ أنا رجل قضى نصف حياته العملية في الصحافة ونصفها في العمل الخاص. الكتابة بينهما كانت هي راحتي ومتنفسي. من أجل ذلك جمعت بين خبرة الصحافة وعشقها مع خبرتي في العمل الخاص من أجل مشروعي الجديد, دون أن يأتي بنياني على حساب الحديقة التي أتنفس منها وأعيش فيها. أنا لست صاحب مشروع ثقافي لأصدر مجلة ثقافية. أنا في مجلة "ماي مول" صاحب مشروع تجاري, لكني مع القلم صاحب مشروع كتاب.

• ما الفرق الآن بين تجربتك في مجلة "سيدتي" وتجربتك في مجلة "ماي مول"؟

ـ عشق الكتابة موجود لدي قبل "سيدتي" بسنوات طويلة. فأول كتاب أصدرته تحت عنوان "يهود تحت المجهر" وأنا ما أزال في سنتي الأولى الجامعية. ثم أتى الكتاب الثاني "فلسفة السعادة" بعد عامين من الأول. هكذا تجدين أن تجربتي مع الكتب أعمق منها مع المجلات التجارية. أنا لا أخلط بين كتاباتي وعملي الخاص. هذا له شأن وهدف وذاك بالمثل.

• تمت ترجمة روايتك الأولى "إختلاس" إلى اللغة الأندونيسية بعد ترجمتها الى الروسية والإسبانية، لماذا الأندونيسية؟ هل هناك اهتمام من قبل المجتمع الأندونيسي بالمجتمع السعودي؟

ـ والله ان خبر ترجمتها للأندونيسية أسعدني أكثر من أي ترجمة أخرى. لأنه أثبت لي أن هناك حاجة كبيرة من العالم كله لمعرفة المجتمع السعودي من الداخل. تصوري أن أهل اندونيسيا هم أكثر الشعوب حبا وشغفا وتواصلا مع الأراضي المقدسة في مكة والمدينة. مع هذا هم شغوفون بمعرفة ما هو أبعد من حدود المقدس في السعودية. لقد كان خبرا جميلا وأتمنى أن يجد الكتاب قبولا جيدا هناك.

• لديك فترة غنية وثرية في حياتك بدءا من عملك في صيد القروش الى ترحالك لمدة ما يقارب 25 عاما من مكان الى آخر، متى ستكتب عنها أو جزء منها في رواية؟

تجربتي الأولى كصائد قرش ستأتي في عمل روائي لا أعرف متى سيصدر. لكني أقول إن معظم ما أكتبه من روايات أو كتب أو حتى مقالات إن هي إلا جزء من حياتي بتقلباتها وفوضويتها وعبثها. لعلي أستطيع أن أجد ما يكفي من الوقت لأكتب بشكل أفضل عن تجربتي الأولى على الأقل.. وأعني بها صيد القرش.

• ما موضوع روايتك القادمة؟

رواية سياسية ساخرة. اسمها المقترح حتى الآن هو "المواطن اكس المحترم". لكن الإسم قد يتغير والمهم أن لا يتغير المضمون ففي رأسي جملة أفكار آمل أن تبقى مكانها حتى تهبط بسلام على الورق.