هادي.. يضحك أخيراً

بإختصار.. لنعد الى البداية.. وتأملوا بهدوء:

استدعى الاخوان المسلمون جماعة انصار الله من صعدة الى وسط العاصمة في بداية 2011م لإشراكهم في "ثورة" سياسية على حليفهم الاستراتيجي الرئيس علي عبدالله صالح بقصد تنويع القوى الرافضة لنظامه، وارسال دلالات معنوية الى العالم أنه حاكم لم يعد مقبولاً من شعبه.

أدى صمود صالح الخرافي بعد جريمة 18 مارس 2011 التي أقدم عليها الإخوان لإسقاط النظام أخلاقياً وخلق تضامن شعبي مع الساحاتين ومطالبهم الى انشقاق رفيقه القوي الجنرال علي محسن الأحمر مع بعض القوات العسكرية التي كانت تحت سيطرته وتأسيس نواة الجيش الحر داخل اليمن كما حدث في بعض بلدان الربيع العربي، أعقبها محاولات مستمية لاسقاط المحافظات بأيدي الثوريين فسقطت صعدة في يد الرفاق الحوثيين وصفق الاخوان فرحاً لذلك السقوط المؤسف، ورغم كل شيء لم يستطع الاخوان انهاء علاقة صنعاء ببقية المحافظات.

استنزف تنظيم الاخوان مليشياته لمواجهة القوات المسلحة النظامية المؤيدة للرئيس صالح والتي كانت تمثل نسبة تسعين بالمئة من قوام الجيش بطريقة حرب العصابات وإدخالها في حروب ومعارك متقطعة مع القبائل الاخوانية مثل الذي حدث في الصمع بأرحب وتعز. واستبقى علي محسن قواته المنشقة للسيطرة على صنعاء متى ما حانت له الفرصة لذلك.

إعتقد الاخوان أنهم سيُسقطون صالح سريعاً ولكنهم فشلوا في كل محاولاتهم، وقد أدرك الرئيس السابق ضرورة اللجوء لملك السعودية ودول الخليج العربي للضغط على قوى المعارضة الثورية للقبول بمبادرة سياسية تنهي الأزمة اليمنية وتتوج برحيله عن السلطة عبر الانتخابات المبكرة، وقد أسقطت المبادرة الخليجية فعلياً وهم الشرعية الثورية التي تمناها الاخوان، بما في ذلك مناورات الرئيس صالح العبقرية التي استدرجت مشايخ قبيلة حاشد الى معركة قاسية مع بعض وحدات الجيش المؤيدة له مما أعطى تأكيداً على محاولة القبيلة التمرد على الدولة وأن الاحتجاجات الشعبية لم تكن سوى حشود سياسية وقبلية لا تعبر عن حاجات الشعب الكاملة.

كان أهم عامل لبقاء صالح هو نظامه السياسي الذي أتاح الديمقراطية الشاملة ومنها الانتخابات المبكرة التي لم تكن متوفرة في انظمة مصر وليبيا وسوريا وتونس. وبمجرد قبوله بمبدأ الرحيل عن السلطة عبر الصندوق تعرضت شرعية الاخوان الثورية للاهتزاز والضغط المحلي والاقليمي بتغليب الاتفاق على ما عداه من التصرفات غير محسومة النتائج.

تحول الاخوان وحلفائهم من الاعتصام الطويل أمام بوابة جامعة صنعاء الجنوبية الى التفكير جدياً في تصفية صالح جسدياً بل تعدى الأمر الى القيام بمجزرة مؤلمة لرجال النظام اليمني كافة، خرج منها الرئيس جريحاً ومحترقاً. وهنا برز النائب عبدربه منصور هادي كخليفة مؤقت لحين عودة رئيسه من العلاج في مشافي المملكة العربية السعودية، معززا قدرته لدى القوى الخارجية بإدارته حرباً ناجحة على تنظيم القاعدة في أبين وفك حصار الارهابيين على معسكرات الجيش بقيادة اللواء محمد عبدالله الصوملي.

كان هادي حليفاً خفياً للجنرال المنشق علي محسن الذي استهوته صدارة المشهد السياسي والثوري بتلاوة البيانات المتشددة. وحين عرف المعارضون أن اسقاط صالح لن يتم حسمه ثورياً أو جسدياً بعد نجاته من التفجير الارهابي في جامع النهدين الرئاسي، وجدوا في هادي ضالتهم بإعتباره جسراً لعبورهم الى السيطرة أو الحكم من خلاله.. ويومها حزم "نائب صالح" أمره بدهاء فاق كل ألعاب ومخططات وسموم أفاعي صالح. ففي الوقت الذي اعتبره الفرقاء السياسيون موفقاً لخلافاتهم، عمد الى الاصرار على اعتباره مرشحاً وحيداً كشرط واضح في المبادرة الخليجية يتم انتخابه من قبل الشعب.

خلال عام الصراع بين الاخوان والنظام كان الحوثيون يستثمرون كل شيء بهدوء وينتشرون في كل محافظات اليمن بسرعة وقوة، فقد أدركوا أنهم الهدف التالي بعد صالح في حال سيطر الاخوان وخصوصاً الجنرال علي محسن على مفاصل القيادة العسكرية تحت أي مسمى أو باستغلال ضعف الرئيس الجديد. ولهذا رفضوا بنود المبادرة الخليجية وامتنعوا عن انتخاب هادي لمنصب الرئاسة. إلا أنهم عادوا للمشاركة في اللجنة الفنية للحوار الوطني ومن ثم كفريق أصيل في مؤتمر الحوار الشامل وبإعتبارهم الممثلين الحصريين لقضية صعدة احدى قضايا الحوار التسع، كما كان لهم وزير حليف ومناصر لهم في حكومة الوفاق الوطني ما لبث أن سحبوه عبر والده بعد اتمام مهمته بإقناع الحكومة تبني اعتذار مخجل لكل الحروب التي قام بها الجيش ضدهم على مدى ست معارك ضارية. ومن الجدير الاشارة الى وزير الدفاع الحالي اللواء محمد ناصر أحمد الذي لم يجد غضاضة في التصويت لصالح قرار الاعتذار الحكومي رغم أنه الوزير الذي قاد كل الحروب الستة على أنصار الحوثي في صعدة.

أتاح الوجود السياسي الجديد لأنصار الله، وهو الغلاف السياسي لتنظيم الحوثيين المسلح، الى انتشار فكرهم وتثبيت اقدامهم كفاعل مؤثر في مؤسسة الحوار الوطني حتى النهاية وفاجئوا الجميع برفض التوقيع على نتائجه مما اتاح لهم التنصل عن واجباتهم واستحقاقاتهم الوطنية التي شملتها وثيقة الضمانات والمخرجات الصادرة عن مؤتمر الحوار.

تصدّر الاخوان قيادة الحكومة اليمنية الجديدة عبر رئيس وزرائها المعروف بولائه للشيخ الثري حميد الاحمر، وتعرضوا لفشل ذريع وحقيقي على المستويين الاداري والخدمي واستأثروا لأنفسهم بالمواقع الحساسة في جهاز الدولة وامعنوا بغباء في اقصاء شركائهم السياسيين داخل اللقاء المشترك، بل ووجهوا عليهم حملات اعلامية (جارحة) لمجرد الإختلاف معهم في وجهات النظر.

توقف الإخوان بعد سيطرتهم على الحكومة في تأجيج الشارع بالمسيرات الثورية، وبقي الحوثيون بصورة رمزية في ساحات الاعتصام الرئيسة داخل بعض المدن واستمروا في تسيير مسيراتهم الصارخة صباح كل جمعة، فأصبحوا الورثة الشرعيين لما يمكن تسميته بـ"الثورة الشعبية الشبابية السلمية" خصوصاً وانهم لم يوقعوا مطلقاً على أي اتفاقات سياسية أو مبادرات أو نتائج للحوار، ولم يشاركوا ايضاً في انتخاب الرئيس هادي.

استمر الاخوان في سيطرتهم على الرئيس اليمني الجديد لدرجة الزامه عدم إرسال برقيات التهاني لحكام الدول الذين يعادونها كجماعة سياسية باتت تحكم في عدد من البلدان العربية مثل مصر وليبيا وتونس. وفي تلك المرحلة نأى انصار الله بأنفسهم عن خوض أي معارك مسلحة مع الاخوان، واستثمروا الخطاب المعادي للرئيس السابق الذي تبناه إعلام رفاقهم الاخوانيين في كل شاردة وواردة، الى أن انفجرت أولى معاركهم في محافظتي الجوف ومأرب، بالتزامن مع التحول العربي والخليجي المناهض لحكم جماعة الإخوان في مصر.

خشية هادي من خيانة الاخوان له وقتله، اتضحت في عدد من الأفعال الارهابية التي مارسوها بقصد الابتزاز الواضح وكان أعنفها حادثة العرضي التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء، فراح يقصي اقرباء صالح من كافة المواقع المهمة والحساسة في الدولة ويستبدلهم بأشخاص مقربين منه لتعزيز سيطرته الهادئة على مفاصل الدولة، دون أن تجد هذه التوليفة العائلية الجديدة للرئيس الجديد أي اعتراض من الاخوان مادامت تعمل على اقصاء اقارب صالح من الامن والجيش والمخابرات.

تحَالف الرئيس الانتقالي مع الحوثيين بتسامحه وحياديته الرخوة إزاء هجومهم المستمر على معاقل الاخوان وحلفائهم من السلفيين في دماج وصولاً الى كل المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء مثل أرحب وهمدان وبني مطر وحرف سفيان وأخيرا في عمران بإسقاط آخر معقل لقوات الجيش الحر الذي انشق عن صالح، وبالتالي فإن ذلك ينهي تمنع الجنرال علي محسن من ادخال قواته العسكرية الثورية ضمن اطار الهيكلة المؤسسية للجيش لضمان ابقاءها تحت قيادته.

تلاحقت الاحداث والصراعات واستطاع هادي اقناع الاخوان بأن علي عبدالله صالح هو الداعم اللوجستي لخصومهم الحوثيين كي يبعد عن نفسه شبهة تحالفه معهم.

استمر الاخوان في اتهام فزاعة صالح بكل التعملق الحوثي الذي يحققونه على الأرض، وذهب هادي نحو العصى الدولية بإستخدام كل ما امكن لإخضاع المتمنعين من سياساته المريبة في التعامل مع الثوابت الوطنية كالوحدة والجمهورية، فأرغم كل القوى السياسية على اقرار مبدأ الاقاليم والنظام الاتحادي، واستطاع توحيد الجنوب اليمني تحت قيادته عبر مليشيا الحراك الجنوبي المسلح. مع اشتداد الصراعات المذهبية في الشمال الذي انقسم الى اربعة اقاليم دون أن يجد هذا النحو من التوجه أي ادانة رافضة له ولمآلاته التشطيرية مستقبلاُ.

بالنظر الى الجنوب اليمني وصل عدد المليشيا غير النظامية التابعة للرئيس هادي المعروفة بإسم اللجان الشعبية الى 18 ألف شخص متمرسين في حروب العصابات والارهاب، كما استطاع هادي سحب 11 لواء عسكري الى الجنوب، وابتدع حرباً (وهمية) على تنظيم القاعدة الذين كانوا يسيطرون على عدد من المدن الجنوبية وتم طردهم بإستخدام معدات وآليات الحرس الجمهوري السابق الى مناطق شمالية مثل مأرب والبيضاء ورداع، مع الحرص على ابقاء تلك المعدات والاليات المتطورة التي لم يكن يستطع سحبها من قوات الاحتياط ومعسكر النهدين ذي الترسانات التسليحية الجبارة الا بإبتداع حرب لم يُعرف نهايتها مع عناصر تنظيم القاعدة.

انفجرت الاوضاع المؤسفة في صنعاء في 11 يونيو الفائت بإحراق الاطارات وبدت ملامح تكون ثورة شعبية غاضبة لاستمرار انقطاع الوقود عن العاصمة، فاستغل هادي الفرصة لتأجيج الرأي العام الخارجي على صالح فقرر نهب معدات قناة اليمن اليوم المملوكة لرئيسه السابق، ومحاصرة مسجده ومنع الصلاة فيه. وكالعادة انطلقت مطابخ الاخوان الاعلامية لممارسة تضلليها المعتاد وبث شائعاتها المكشوفة عن خفايا صراع هادي وصالح، وقد كان ذلك تضليلاً رئاسياً لعناصر الاخوان بصرف انظارهم عن قوة الحوثي المتعاظمة وهي تطحنهم ببأس لا يلين في كل المواقع المتصادمة ببعضهم.

عقب معركة عمران يبدو الرئيس هادي سعيداً فقد تمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول: ادانة الحوثي دولياً بممارسة العنف وتهييج المجتمع الدولي والاقليمي والخليجي ضده ومحاصرته محلياً بإستنزاف وتشتيت جهوزية مليشياته واكسابه آلاف الثارات مع العائلات والقبائل التي يموت افرادها بسبب حروبه على الاخوان. والثاني: القضاء على آخر قوة عسكرية لم تكن ضمن سيطرته وكانت تهدد وجوده ونظامه كرئيس انتهت شرعيته ولم يعد لها ما يدعمها سوى سطوة الامم المتحدة التي ادخلت اليمن تحت اطار البند السابع في اليوم الذي انتهت فيه ولايته رسمياً قبل خمسة أشهر من الان، آخرها قرارات ابعاد عدد من القادة العسكريين المتعاطفين مع الجنرال علي محسن بما يضمن انهاء أي تهديد عسكري يمكن أن يوجه الإخوان لهادي رداً على تخاذله في نـُصرة اللواء حميد القشيبي.

السؤال العميق والكبير هذه الأيام يدور حول نوايا هادي تجاه اليمن. البعض يعتقد أنه سيترك الشمال لأهله ويذهب بغنائمه الى الجنوب فيحكمهم ويتخلص من تعقيدات صراعاتهم وثارات أفاعي صالح المميتة. وآخرون يرون أنه يتخبط في قراراته بما سيؤدي باليمن الى الفشل والهلاك. في اعتقادي أنه ضحك على الجميع بكل خطوة قادها نحو تدمير قوى الماضي التي حلمت أنها ستعود للحكم من بوابته أو بواسطته. وقد استطاع انهاء وجود ونفوذ الشيخ الاحمر نهائيا في منطقته أو على المستويين الرسمي والشعبي بإستخدام بطش الحوثيين المنتقم من أولاد الأحمر الذين مارسوا ابشع المعارك بحقهم في السابق الى الدرجة التي اباحوا فيها دم كل من كان ينتمي للحوثية قبل عام 2011. كما تمكن هادي من ضرب كل قوة بأخرى والاستمرار في جعل نفسه المرجع المفترض لكل المتوجعين من الهزائم أو الذين تسعدهم انتصاراتهم كالحوثيين وقد حاصرهم بدعم خارجي مؤكد يترتب عليه الغاء تحالفه معهم خلال الفترة القادمة والبدء في ضربهم بذات القسوة التي واجههم بها الرئيس السابق إن استمرءوا المغامرات القاتلة والزحف الذي يخرج عن حدود المعلوم والمرسوم.

يبدو أيضاً أن هادي سيجعل رئيسه السابق الرجل الأخير في قائمة ضحاياه الذين ينهي وجودهم بيد خصومهم وليس بيده.. وهذا ما يفسر تبني مواقع اليكترونية مشبوهة التحريض على قتل الرئيس صالح، وفي حال لم يتم ذلك سيكون على هادي التخلص من كل ما يشغله من جهة اللاعبين الثانويين، والتفرغ لخوض معركته السياسية لوراثة حزب "الزعيم" وتركته الشعبية. وقتذاك سيقهقه هادي طويلاً وأخيراً.