نيرون وكاليجولا عاشا في ايطاليا، وبرلسكوني أيضاً..!

روما - من دانييل فلين
لست قديساً!

كان يمكن ان يكون حفل اقيم بمنزل سيلفيو برلسكوني ودعيت اليه الجميلات للترفيه عن رئيس الوزراء القصة التي تلوكها الالسنة هذا الصيف.. لكن الواقعة حدثت في عام 1986.
حدث ذلك عشية العام الجديد حين اقام برلسكوني الذي كان حتى ذلك الحين مجرد قطب اعلامي واقام حفلا على شرف صديقه رئيس الوزراء بتينو كراكسي الذي اضفى قبل عام واحد الشرعية على عمل الشبكات التلفزيونية لمضيفه بالغاء احتكار الدولة للبث الوطني في خطوة وصفت بانها "مرسوم برلسكوني".
وقال برلسكوني في محادثة هاتفية سجلتها الشرطة واذيع فحواها خلال محاكمات المافيا بعد سنوات من الواقعة "دعوت فتاتين من (البرنامج التلفزيوني) درايف-ان ولكنهما لم تحضرا وكان كراكسي غاضبا...".
لذا فليس ثمة ما يدعو للاستغراب من عدم شعور كثير من الايطاليين بالدهشة أو الانزعاج حين تم الكشف عن ادعاءات بممارسة رئيس الوزراء برلسكوني (72 عاما) الجنس مع عاهرة صحبها رجل اعمال إلى احدى حفلات برلسكوني في نوفمبر/ تشرين الثاني.
وقالت ماريا جراتسيا معلمة في مدرسة ثانوية "ما من جديد في ذلك في ايطاليا. هنا في روما عاش نيرون وكاليجولا...ماذا يمكن ان يثير دهشتنا."
واثارت الفضحية حرجا لدى بعض الايطاليين. والبعض تغاضى عنها متقبلا اعتراف برلسكوني بانه ليس قديسا.
ويقول اليكس ستيل مؤلف بعض الكتب الاكثر مبيعا عن المافيا والسياسة الايطالية "ثمة أمر لصالح برلسكوني في هذه الفضيحة.. السخرية غير المحدودة تقريبا من جانب الشعب الايطالي تجاه الساسة وطبقتهم".
كما لم تضيره سيطرته على التلفزيون الايطالي إذ يمتلك ثلاثا من المحطات الاربع الخاصة في البلاد ويتحكم في المحطات الثلاث المملوكة للدولة مما ضمن تغطية محدودة للفضيحه من جانب أكثر وسائل الاعلام شعبية في البلاد.
الحقيقة ان الايطاليين اعتادوا تورط زعمائهم في الفضائح.
وفر كراكسي من ايطاليا وسط حملة ضد الفساد في عام 1994 واطيح بجوليو اندريوني الذي تولي منصب رئيس الوزراء سبع مرات من السلطة إثر نفس الحملة التي عرفت باسم "طهارة اليد" قبل ان يحاكم بشان صلاته بالمافيا وبعد محاكمة دامت سنوات برأت محكمة الاستئناف ساحته في عام 2003.
وواجه برلسكوني شخصيا 12 قضية شملت اتهامات بشهادة زور ورشوة الشرطة وتمويل حزب سياسي لكنه لم يدن ابدا وفي العديد من الحالات بسبب انقضاء اجل الدعوى عند الاستئناف.
وفيما انتقدت الصحافة الاجنبية بعنف اعجاب برلسكوني بشابات صغيرات في السن وصورته مثل الامبراطور نيرون الذي يغازل النساء بينما يحترق الاقتصاد الايطالي. غير ان برلسكوني يرى انهم لا يفهمون ايطاليا الحقيقية.
ويتفق معه بعض المراقبين المحليين.
وقال جيمس والستون الاستاذ في الجامعة الاميركية في روما "تشذ ايطاليا عن بقية اوروبا منذ فترة طويلة. ثمة عدم احترام للقانون في قطاعات كبيرة في المجتمع. ما فعله برلسكوني محط اعجاب الكثير من الايطاليين".
ويوصف التهرب من الضرائب بالرياضة الوطنية وتقدر مؤسسة يوريسيبس وهي بيت خبرة ان نحو ثلث الاقتصاد الايطالي الذي يقدر حجمه بنحو 1.5 تريليون يورو لا يسدد ضرائب. وتقدر وكالة الاحصاءات الوطنية النسبة بنحو 16 في المئة.
وثمة تشابك قوي بين السياسة وقطاع الاعمال غالبا ما يكون للاتصالات الشخصية دور حيوي في المفاوضات بشأن امور روتينية. ووضعت الشفافية الدولية ايطاليا في المركز الثاني بين الدول الاكثر فسادا في منطقة اليورو بعد اليونان.
وقادت فضحية النفقات البرلمانية في بريطانيا في العام الحالي إلى استقالات وساهمت في تواضع اداء حزب العمال الحاكم في الانتخابات الاوروبية والمحلية بينما لم يكن لتحقيق مماثل في ايطاليا قبل عامين تأثير دائم يذكر.
وكشفت أكثر الكتب مبيعا عن الفضحية باسم "الطبقة" أن البرلمان الايطالي ينفق على نفسه أكثر من عشرة امثال ما ينفقه مثيله في اسبانيا بفضل مزايا لا تحصى مثل دروس فردية لتعليم الاعضاء رياضة التنس.
وقال والستون "لا يرجع الامر لتحلي البريطانيين بمعايير اخلاقية اعلى ولكن لان احتمال معاقبتهم أكبر. ثمة عجرفة من جانب طبقة الساسة التي تحكم ايطاليا .. لا يعتقدون ان من حق الشعب محاسبتهم".
وذكر فيكتور لابونت الخبير في شؤون الحكومات في جامعة جوتنبرج في السويد أن رؤساء البلديات الذين يتورطون في قضايا فساد في ايطاليا غالبا ما يعاد انتخابهم وهو امر غير وارد في كثير من دول شمال اوروبا.
وثمة عدة عوامل اخرى لصالح برلسكوني من بينها انقسام وتشرذم المعارضة اليسارية التي يعتقد كثير من الايطاليين انها غير مؤهلة لحكم البلاد على عكس سمعة برلسكوني بانجاز العمل الموكل اليه.
بالاضافة إلى ذلك فأن أسلوب حياته المبهر لا يزال محط تطلعات الكثير من الايطاليين كما ان قوانين الطلاق الصعبة في هذا البلد الكاثوليكي عززت ثقافة شعبية اكثر تسامحا مع الخيانة الزوجية.
وقال والستون ان برلسكوني لن يواجه مشاكل الا إذا ارتفعت معدلات البطالة بشكل حاد في الاشهر المقبلة أو في حالة فشله في الوفاء بتعهداته الطموح بإعادة البناء عقب زلزال ابريل نيسان في وسط ايطاليا.
وتابع "إذا فشل في هذين الامرين فسيواجه مشاكل وسيكون الامر اسوأ بكثير من كذبه بشأن ما فعله أو لم يفعله مع فتاة في الثامنة عشرة من عمرها".