نوّار العبيدي يرثي بغداد في ديوانه الجديد

بقلم: أحمد فضل شبلول
في رثائها رثاء لأنفسنا

رثاء المدن ليس ظاهرة جديدة على جرحنا العربي، فقد رثينا من قبل مدنا كثيرة، وبالأخص المدن الأندلسية: غرناطة، وقرطبة، وأشبيلية، وغيرها، ومازلنا نبكي هذه المدن ونرثيها، ففي رثائها رثاء لأنفسنا.
ومن يقرأ القصيدة / الديوان "بغداد قالت" للشاعر الجزائري المبدع نوَّار عبيدي، يكتشف في رثائه لبغداد، رثاء لنا، ولأمتنا العربية.
كم مرة رثينا بغداد؟
كم مرة بكيناها؟
كم مرة وقف الشعراء ينشدون قصائدهم في بغداد؟
ولماذا بغداد ـ وطن المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون .. الخ؟
وطن الخلافة الإسلامية، والخلافة الشعرية، والخلافة اللغوية؟
إن الرمز الشعري، والدلالة الفنية، يتسعان كثيرا .. كثيرا .. عندما تذكر "بغداد".
فبغداد ليست مجرد مدينة، نرثيها، إنها مجد وحضارة، ولغة وإشارة، ووطن ومنارة خالدة على مر الزمان.
ومن الجزائر بلد الأكثر من مليون شهيد، يقف نوَّار عبيدي، شاعرا باكيا، بحرقة ومرارة، ما وصل إليه حالنا قبل سقوط بغداد، وأثنائه، وبعده.
فهل سقطت بغداد فعلا، أم سقط الجبناء والعملاء والمرتزقة والخونة؟
لقد بكى شعراء كثيرون بغداد، ولكن عندما يأتي البكاء من الجزائر، يكون طعمه ألذع من أي بكاء، فالجزائر قدمت أكثر من مليون شهيد، لتنال حريتها، واستقلالها، وأمنها، وعروبتها، وتبدأ في تجديد دمائها ولغتها ونفسها عروبيا. وبالتالي يكون الشاعر الجزائري الذي اكتوى بنيران الاستعمار أكثر من غيره، أقدر على فهم الأحوال والطقوس النفسية للمدن الكبرى، وللتضحيات الكبيرة التي تبذلها الشعوب لتنال حريتها واستقلالها وعروبتها.
إن نوَّار عبيدي ابن الثورة الجزائرية الكبرى، وحفيد الشاعر العربي المناضل مفدي زكريا الذي تغنى بالعروبة، وبالوطن العربي الكبير، وبوحدة المغرب العربي، يقدم لنا شهادته الشعرية في أوضاع وأحوال "ست الحسن والجمال" بغداد ـ مدينة السلام ـ التي لم تذق سلاما ـ أو تنعم بسلام ـ منذ التاسع من أبريل عام 2003.
وفي قصيدته المتفردة في هذا الديوان الجديد، يذكرنا نوَّار عبيدي بقصيدة "هوامش على دفتر النكسة" لنزار قباني، التي نشرها في ديوان صغير مستقل، عقب وقوع هزيمة 1967، التي زلزلت كيان الشعب العربي، والشعر العربي، ونحن أمام زلزال شعري جديد اسمه "بغداد" كان من توابعه قصيدة "بغداد قالت" التي حملت كل أشجان الشعر والشعراء، وكل نفثات الجماهير العربية الغاضبة من المحيط إلى الخليج، وكل توترات الموسيقى، وانفعالات الكلمة، وفتوحات الحرف، ومرايا الجراح.
أترككم ـ أصدقائي ـ مع "بغداد" الحبيبة التي قالت وباحت لشاعرنا نوَّار عبيدي.

بغداد قالت

امنحيني يا أرض العراق دقيقة
كي أبوس الأرض
وأصلي في مطار الشهداءِ
... والحقيقة
امنحيني فرصة
كي أنام كالصبي
في شوارعك العتيقة
وأطير عصفورا زهيا
نحو بابل
... والحديقة
امنحيني يا أرض العراق دقيقة
كي أفهم مغزى
الأساطير...
والحكايات الأسيرة
وأفكك معنى
القنابل... والأباتشي...
والهراوات الصديقة!
امنحيني يا أرض العراق حقيبة
كي أجول في شرايين بغداد
وابحث….
عن جسر تكسّر
بين دجلة والفرات
وأجمع فتات قنديل تحطم
... بالرصاصات الرفيقة
يا سمراء الغريقة في دمي
يا عيونا اكتوت دمعا
يا صهيلا في فمي
كيف أهديك زهورا
وهذا (العلج) يسبقني،
ويهدي للصبي
وردا مفخخا
بالكراهة، والشراهة
والحقد الندي
يا سمراء الغريقة في دمي
فجريني،،
وانثري - إن شئت- أشلائي
في عيونك
كي أنام لحظة بين أحفاد النبي
هذي دموعي كربلاء
هذي مآقي
هذي ضلوعي تلتوي
هذي دمائي
هذي شراييني تميد
وأحلام الصبا
وكل ما لي..
وما هو آت
يا كربلاء
يا أرض أبناء النبي
كيف بعد الذي جاء
لم تنهضي
ولم يأت الفناء؟!
يا بصرة الأبصار
يا جرح الندى
يا حبر البدايات
والنهايات
والغوايات
يا سفر الأنبياء
ماذا يقول رفاتك اليوم؟
يا للبكاء
كيف بأقدام (الغزاة) تدوسها؟
يا للسماء
كيف النجاسة تصهر ماءها العذب الزلال؟
يا ذا البلاء
يا بصرة الأبصار
لا تيأسي
في قلبك سر البقاء
...والحقيقة
امنحيني يا أرض العراق لحظة
أو دقيقة
فأنا بعد الذي كان
والذي جاء
لا أطيق العيش
ولو... ربع دقيقة
بغداد قالت:
سفر أنا يا سادتي
في الخافقين
يمتد طولا
سفر النوارس و الحمام
و العاشقين
سفر النجوم
إلى النهاية...
و البدايات الجميلة
سفر الشموس لظلها الأزلي
سفر القلوب إلى الأحبة
...لا لن تعود
يا ويل من شد الرحال إلي
بغداد قالت:
كل الذين تفلسفوا وتصوفوا
حطوا هنا
كل الذين أضاؤوا الشمس والنجم
دربوا هنا
كل الذين تفقهوا و تفيقهوا
صلوا هنا
حتى الذين تمايلت عماماتهم
سكروا هنا
أو الذين تمرغت أوصالهم عشقا
ماتوا هنا
بغداد قالت :
كل الذين خانوا أو صفقوا عبثا
سقطوا هنا
كل الذين تشتتوا ...
و تفرقت أفكارهم
و تشدقوا ...أو
تطايرت أعناقهم
و تمرغوا في السياسات الهجينة
و الدخيلة
عاشوا هنا
كل الذين،
و كل الذي،
و كل أولئك
و الذاهبون،
القادمون،
الواقفون،
الصامتون
كانوا هنا
........................
فغبارهم وأحلامهم
ووقع أقدامهم هنا
بغداد قالت:
كل أنا
يا للطحين
قسما يجلجل في السماء
لن يستطيع الغرب محو ذاكرتي
قولوا له:
إني باقية هنا
بغداد قالت:
سفر أنا يا سادتي
يمتد طولا في الزمان
لا ينتهي
سفر أنا
تعرفه البحار والبحور
كل المراكب و الشراعات نشيد
من حامو رابي إلى الخليل
وإلى الغزالي الجليل
حتى ولو شربت مدادهم المغول
أو سرق الحضارة والتماثيل العجول
بغداد قالت:
سفر أنا يا سادتي
سفر أنا يا سادتي
هل تشهدون؟...
لكن
كيف الخنازير
المنتنة البغيضة
أو القرود المحنطة الهجينة
تضحك اليوم علي
أو تقول:
صفر أنا...
صفر أنا...؟؟
يا ويلتي
هلك الزمان
فصدقوا أو...
فاستشهدوا
بغداد قالت:
كان الفراش زاهيا
يسابق ركض الصغار في الحقول
وعيونهم بلور
من هشيم كانت...
صافية تحدق في الريح
بغداد قالت:
كان القرنفل يستمد عبيره
من عمق أنملة الرضيع
من ياسمين يداه كانت
نظيفة كالأقحوان
والنخل كلما يسمو
يمتد ظله الأزلي
نشوانا
تحت أقدام الصبايا
كالحنان
بغداد قالت:
يا رب، عندما جاؤوا
حرقوا الفراشة والنخيل
قذفوا الصبايا بالقنابل والحميم
فقؤوا عيون الصبية
قلعوا أصابعه الوليد
درسوا عظامه والضلوع
رفسوا جبينه الوضاء
حبسوا أنفاسه
والنشيد
يا رب عندما جاؤوا
جرفوا المدائن
والمآذن
والكنائس
قطعوا السبيل
سرقوا النضارة والجفون
والدمع بحر
واللطم يقتلع الخدود
يا رب
يكاد يقتلنا الهويل
يكاد يقتلنا الجنون
يا أيها الضجر المولد من دمي
يا أيها الغضب الملظى في فمي
فجر دماغي
أو كياني
وانتهي...
ما عادت السلوى تفيد
ما عادت البيانات
والشعارات البليدة
والهتافات العنيدة
و المريبة
تصنع حيا أو شهيدا
يا أيها الغضب الذي
هزم الكرامة والشهيد
داس المآثر والقصيد
فجر دماغي – إن استطعت –
رصاصة
صهر دموعي جذوة
قطرا
من نحاس أو حديد
أنا لا أريد مرارة في الحلق
تخنقنا
أو ذبحة تصل الوريد إلى الوريد
كل الذي أرجوه
أن تشعل نارا في يدي
أرمي بها شبق الذي
يلوي ذراع حبيبتي
ويسوقها تحت النخيل
ويبول فوق جبينها
ويلطخ الرحم النبيل
يا غضبي
كل الذي أرجوه
أن تشعل لهبا في فمي
أحرق به وجه الذي
يبكي صراع أحبتي
دمعا تمسح بالمكاء
ثم يوقع موتنا
خلف الستائر
في الخفاء
يا غضبي
كل ذلك ما أريد
كل ذلك ما أريد
يا أيها الضجر المولد في دمي
هلا رحلت عني لحظة
لتحط هدهدا…
على العمامات المذهبة
الحرير
على اليافطات المزركشة
الموائد والنبيذ
هلا رأيت لحظة
كيف الغواني الصغيرات
تراقص في الظلام
شيخا ملوثا بالنفط
يعلوه المشيب
هلا رأيته
كيف يضحك
كالوليد
أو…
كالشريد
حين تدغدغه وتروي له الألغاز
أو حين تلمس بطنه
فتصير دمعه بترولا
وتحرقه كغاز
آه لو أعلموك
سر جنونهم
أه لو أعلموك بعرفهم
بأن النفط
ماء يلطخه السواد
يعلوه جسر ينتشي
بساق عاهرة طري
والنفط يجري تحتها
مثل واد
نحو بئر "ما لها من نفاد"
آه بها دمروا كل البلاد
يا حسرتاه على البلاد
يا أيها الضجر المولد في دمي
يا أيها الغضب الملظى
خذ – إن شئت عمري-
ولتغب
حبي لأرضي أجنحة تطير
قلبي شراع مسافر
نحو الخلود والأبد
نحو الخلود والأبد
يا وطنا تمرغ في النذالة
والحقارة
والنفاق
يا وطنا يقوده الحمقى
ويلعنه الرفاق
يا موطن النفط المعتق بالنبيذ
هي ذي أموالكم مطر
لا... لن تزول
وترابكم ذهب مصفى
أو عقيق
يا وطنا تمزق
قبل أن يصل الطريق
يا وطنا تدلى بلا حبال...
جيفة
....ولا صديق
يا موطن الخيل المدجج بالصهيل
هي ذي عروبتكم تبيد
و هذا سيف مجدكم العتيق
ينتحر على فخذ المهانة
كالشهيد
يا وطنا فقد الذكورة في الزقاق
حين فاجأه الحريق
فأضاع ثيابه
وما تحت الثياب
فتفقد أعضاءه الثكلى
وإذا بها.. تتلاشى
فوق خارطة الطريق
يا وطنا تمرغ في النذالة
والحقارة والنفاق
كل الشعوب تعلمت
أن الطريق إلى الشرف
... يضيق
وإذا أرادت مخرجا...
لا بد من دمها يراق
يا وطنا أكلت رجولته النساء
فلماذا يطحننا الطحين
لتعبث الأقدار فينا والسنين
كل الفضاءات الجميلة عندكم
بحر وصحراء وزيتون وتين
يا وطنا يتيه في السديم
عطشانا يتيه...
عريانا يتيه...
كيف نسب الغرب والمحتل القديم
وعوراتنا تترى في العراء
وسجوننا ملأى بالمهانة
... بالأنين
يا وطني الكليم
يا وطني الأليم
إني أحبك بعد ذلك كالوليد
كسر حدودك
والحديد
انهض
وفتش عن رجولتك
النشيد
ودع النعاس
فلا فرار
هذي كرامتك الكريمة
في المزاد
خذها ففي أوصالنا الجرحى بحار
من الأحلام
والحب المريد
يا وطني الكليم
هذا القصيد
ولك النشيد أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية