نوّارة لحرش.. ألوانٌ أخرى للظلال تحت شجر الكلمِاتِ

لا سماء تتسع لي

لأن الحياة ليست لعبة يمكن ضبطها على وضعية الصفر، في حالة الخسارة، وتشغيلها من جديد، فإنها لا تبدو لعبة مُرحَّبًا بها، فلا أحد يتوقع فوزًا، مهما يبلغ من مهارة، أو حرص، أو إقدام.

في ديوانها "كمكان لا يُعَوّل عليه" (منشورات دار "الوطن اليوم"، 2016)، تجرّب الشاعرة الجزائرية نوارة لحرش عبر 21 قصيدةً موزّعة على 96 صفحة، ألعابًا أخرى بديلة عن لعبة الحياة غير مأمونة العواقب، وهي ألعاب خاسرة بالضرورة، لكنها تبدو محاولات لترك أثر ما، قبل تلف كل شيء، في وجودٍ عنوانه الوحيد "العدم". تقول:

"كلعبة سريعة التلف

آهلة بالعطب

نعبرها على عجل

نغادرها على عجل

كحشرجة منذورة لتفاصيل العدم

هي الحياة"

الشاعرة تدرك منذ البداية أن أي بناء إنما هو يُبنى للهدم، وأن المقدّس لا يعصمه من الزوال استثناء، لكنها لا تتخلى لحظة عن ألعابها، أو ألاعيبها، التي تواجه بها حقيقة أن الحياة (مؤنثة كانت أو مذكّرة) "مكان لا يُعوّل عليه"، تلك الحقيقة المؤلمة، التي تُعارض ما قاله المتصوف ابن عربي "المكان الذي لا يُؤنث لا يُعول عليه".

وهي، من البداية أيضًا، لا تكاد تلتفت إلا إلى الرحيل، فهناك من ذهبوا، وهناك من سيذهبون، لكن البقاء، ولو لفترة مؤقتة، يستدعي العرفان لمن تركوا بعد رحيلهم ثمرة أو رائحة أو حُزنًا. تقول في الإهداء:

"إلى من رحلوا، وظلوا في القلب شجرة، مثمرة بالحنين والغصص".

من هنا، تعي الشاعرة نوارة لحرش أن لعبتها الأكثر قيمة، أو الأجدر بالتجربة، هي لعبة التحرر من أسر الحياة "الضيقة"، وخلق فضاءات بديلة للمعاني أرحب من كُنه الإقامة على هذه الأرض، والتمسّك بما لا يمكن التمسّك به. فسلالم الحياة، بالمعنى النمطي، ليست إلا وهمًا، ولا يقود صعودها إلا إلى هاوية. تقول:

"أتسلق عمري

عثرة عثرة،

وعند تخوم الخدوش،

أسقط متعثرة بخيبة عالية"

إنه "الضيق" الخانق، الذي لا يترك مجالًا لحراك: "كل هذا الأفق ضيق، وهذا الغيم قحل، والشتاء ضيق، والينابيع يباس، وهذي الرياح أرجوحتي، وهذي المواويل أنيني". ولا ملاذ للذات الشاعرة سوى استبطان جوهر جديد، خارج التأويل الاستهلاكي للمعنى. تقول: "في طيات المعنى، ثمة ملاذي".

وبقدر ما تسرد الشاعرة الكثير عن محاولاتها إيجاد "معنى جديد"، أو "حياة بديلة"، بقدر ما تلغي في عشرات القصائد والمقاطع أي قدرة إنسانية على فعل أمر ملموس في الحياة العادية، تلك الحياة التي "هي فقط مادة الإملاء"، والتي "لا تليقُ أيقونةً، أو خرزةً على صدر دميةٍ، مهملةٍ في تراب الذكرى".

وتقول في موضع آخر أكثر صراحة:

"كمسوّدة منذورة للحذف

كمكان لا يُعَوَّلُ عليه

هي الحياة عادة"

في الحياة المألوفة، السوداء بالضرورة، تبدو الظلال تحت الأشجار أكثر اسوداد بالتأكيد. لكن ما تفعله الشاعره نوارة لحرش، التي تراهن على طيات المعاني، هو أن تُوجد في الحياة الأخرى، البديلة، التي تصنعها صناعة، ألوانًا أخرى للظلال، تحت شجر من طراز خاص، هو شجر الكلمات. هذا هو الإنبات الوحيد المتاح، الذي قد يُخلّف شيئًا ما في الأرض الخراب. تقول، متسائلة عن مصير العصافير التي قد ترث هذا الإنبات، ولو بعد حين:

"لو مرة سقطتُ سهوًا

من شجر المعنى،

كيف للعصافير

أن تفتح قميص الرفرفة

في أمزجة السماء؟"

لأن "الحَياةَ لَيسَتْ مُلائِمَةً"، بحد تعبير الشاعرة، فإنها لا تتحدث بلغتها، ولا تنسج حريتها المنشودة بأبجدية السماء. من هنا عارضت الشاعرة عبارة ابن عربي "المكان الذي لا يُؤنث لا يُعول عليه"، غير معوّلة على أنوثة، ولا على حياة، ولا على مكان، فهي لها سماؤها الخاصة، وأبجديتها التي تشبه تمردها ونصاعتها. تقول:

"لا سماء تتسع لي

لا أرض تتهجى خطواتي

وتهيّئني أبجدية ناصعة للحضور"

الشاعرة، هنا، هي مُنشئة "الخلق المبكر"، وهي أيضًا مكتشفة "الأعطاب الباكرة" في سفينة الوجود، إذ توصلت قبل فوات الأوان إلى أن الخريف آتٍ لا محالة، وأن استيقاظ الأشجار مبكرًا لن يغيّر من حركة الزمن شيئًا. تقول:

"البَشرُ الذينَ يَسْنُدونَ الجُدرانَ

يَمْنحونَها حَناناً بارِدًا

يُربـِتونَ على كَتِفِ الشّوارِعِ

بأَرجُلٍ مُتَوَعِّكَةِ الأَمانِ.

..

البَشرُ الذين يَغمرونَ السّماءَ

بأُمْنِياتٍ مُسَهَّدَةٍ

هلْ أنا مِنهُمْ؟

هلْ هُمْ أنا؟

وأنا هُمْ؟

..

أَيُّها السُّعالُ

يا رَفيقي الحَميم

تَتَسَلّقُني كُلَّ صباحٍ

إلى يوْمٍ مُتَوَعِّكٍ

تَتَسَلّقُني كُلَّ لَيلَةٍ

إلى حُلْمٍ مُنْهَكٍ

كُفَّ عنْ إزعاجِ

ما تبقى مِنْ حَشراتِ الأوهامِ

في شرايينِ الذّاكِرِةِ..

فأنتَ جَرْحُ القَلبِ المَعطوبِ

..

تستيقظُ الأشجارُ باكرًا

منْ ربيعها

تفركُ حفيفَها بالأنين

ترتدي خدوشَها العاليةَ

ثم تأوي مُغمَضةَ الأمنيات

إلى خريفٍ لا يطرقُهُ النّعاسُ"

نوارة لحرش، شاعرة تحررت بالقصيدة، بقدر ما منحت الحياة فرصة أخيرة، كي تصافح ذاتها الحقيقية، تحت شجر المعاني والكلمات. (الأهرام - بوابة الحضارات)

شريف الشافعي ـ شاعر وكاتب من مصر

sharifjournal@hotmail.com