'نووية' إيران و'مانوية' العرب!

بقلم: جواد البشيتي

لست مع إيران، ولا مع نظام الحكم فيها، الذي تتحد فيه الثيوقراطية والشيعية والفارسية، ولو ضرب جذوره عميقا في إرادة ووعي ووجدان غالبية الشعب أو الأمة، ونجح في تزويج الديمقراطية العاقر بالثيوقراطية، أو سلطة رجال الدين، تزويجا غير شرعي.
ولست مع نفوذها المتزايد، والذي خواصه من خواص نظام الحكم فيها، في العراق بين الشيعة من عربه، ولا مع تطرفها في "العداء اللفظي"، أو الإيديولوجي، لإسرائيل، والذي لم يُترجَم، حتى الآن، وربما لن يُترجَم أبدا، بعداء مفيد للشعب الفلسطيني وقضيته القومية.
ولست مع سعيها الظاهر والمستتر للإفادة من المصائب التي حلت، وتحل، بالأمة العربية، فإيران الثيوقراطية الشيعية الفارسية إنما هي نجم لن يلمع إلا في سماء عربية، تضافر على إظلامها الأعداء الداخليين والخارجيين للأمة العربية في سعيها إلى التحرر الديمقراطي والقومي والحضاري.
لست معها في كل ذلك، وفي غير ذلك أيضا، ولكنني معها، وينبغي لكل عربي أن يكون معها، في "تحدِّيها النووي"، ولولا إسرائيل والولايات المتحدة، مع ما تظهرانه وتضمرانه من عداء للعرب وحقوقهم القومية والديمقراطية والحضارية، لوقفتُ ضد إيران في سعيها المزعوم للتحول إلى قوة نووية إقليمية.
قد يقال في هذا الموقف إنه ليس بالحصيف سياسيا؛ لأنه يقوم على مبدأ ليس دائما بالسليم، وهو مبدأ "عدو عدوي صديقي". ولكن هل ترك لنا ضعفنا ويأسنا مبدأ غير هذا المبدأ نعوِّل عليه، ونستبشر به؟!
إننا أمة نجحت حيث فشلت كل الأمم التي من وزنها وأهميتها. لقد نجحت في إضعاف ذاتها بذاتها، وفي نقل كل ما تملك من سلاح إلى أيدي أعدائها، وفي خوض كل الحروب والمعارك التي فيها هزيمتها، وفي ابتناء مزيد ومزيد من أحصن من نمط حصان طروادة الشهير، فينفذ منها الأعداء إلى قلبها، وفي التلهي عن كل صراع جديد مفيد بكل صراع عرفه ماضيها، فمقتل الحسن والحسين، على سبيل المثال، ليس فعلا ماضيا، وإنما فعل مضارع يدل على الحال أو الاستقبال!
ونجحت في أشياء أخرى، هي جميعا من النوع الذي لا يسر صديق ولا يغيظ عدى. حتى امتلاكها لنزر من القوة لم يأتِ إلا بفضل توازن دولي، أو صراع خصوم!
في البدء، قالوا إنهم يقفون ضد المفاعل النووي الإيراني في بوشهر؛ لأنه على مقربة من أراضيهم ومياههم، فالمخاطر النووية يمكن أن تنفذ منه إليهم إذا ما تأثر بهزة أرضية أو زلزال، فإيران بلد الهزات والزلازل. ولكن ما أن تناهى إلى أسماعهم أن الولايات المتحدة تفكِّر جديا في أمر توجيه ضربة عسكرية، قد تستخدم فيها أسلحة نووية، إلى إيران، حتى شرعوا يفكِّرون في سوء العاقبة، ويُظهرون ميلا إلى تسوية النزاع النووي بالتي هي أحسن.
وما أن اعترضت الولايات المتحدة وكشَّرت عن أنيابها حتى شرعنا نعد العدة الإعلامية والسياسية.. للمشاركة في حرب ليس لنا فيها ناقة أو جمل، مصوِّرين إيران النووية على أنها القوة التي ستقود، بدءا من جنوب العراق، الشيعة العرب ضد السنة العرب، فإذا وقفنا مع الولايات المتحدة (وإسرائيل) ضد البرنامج النووي الإيراني فهذا إنما يعني، ويجب أن يعني، أننا ندافع عن أنفسنا في "حرب طائفة ضد طائفة"!
لقد اخترعوا هذا العداء، ولقد ساعدتهم في اختراعه السياسة الفارسية الشيعية لإيران، فهم أرادوا، في موقفهم هذا والمفروض عليهم فرضا، أن يغرسوا الخوف من الخطر الشيعي في قلوب العرب السنة من شعوبهم، كما غرست إدارة الرئيس بوش في قلوب مواطنيها الخوف من "الإرهاب الإسلامي".
كافحوا النفوذ الإيراني في جنوب العراق، ولكن ليس بالأسلوب الذي اتبعته إيران في اكتساب هذا النفوذ، أي ليس بالطائفية الكريهة التي تمعن تمزيقا في الجسد القومي العربي. كافحوا عجزكم النووي، ولكن ليس بالوقوف مع القنبلة النووية الإسرائيلية الأكيدة ضد القنبلة النووية الإيرانية المحتملة. دعوا إيران تمتلك ما عجزتم عن امتلاكه، ودعوا الولايات المتحدة تخوض حروبها بنفسها، فإلى متى نمتنع عن خوض حروبنا لنخوض حروبها التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، والتي نحن فيها الناقة والجمل؟!
جواد البشيتي