نور الشريف.. أبيض واسود

القاهرة
نور الشريف يدخل مرحلة جديدة في حياته الفنية

يتواصل نور الشريف كفنان مع الناس بسرعة هائلة مهما كانت الوسيلة في السينما أو المسرح أو التليفزيون.
والجديد أن نور الشريف يخوض تجربة خاصة بعد أن تعاقد مع قناة دريم كمذيع لتقديم برنامج عن السينما بعنوان مع نور الشريف، ومدة التعاقد 30 حلقة وسجل فكرة البرنامج باسمه في الشهر العقاري لحفظ حقه في الابتكار.
البرنامج جديد في شكله واسلوب تقديمه وتنوع فقراته، ويعتمد على تقديم المعلومة الموثقة في مجال السينما، ويخرجه طارق ابوالعلا وتساعده سارة ابنة نور الشريف.
وكل حلقة في البرنامج، أشبه بذاكرة حية مدققة عن تاريخ السينما المصرية·ورغم ان البرنامج يجمع بين التسلية والمتعة والترفيه وتوصيل المعلومة، إلا أن نور الشريف يعترف في حوارنا معه بان البرنامج اعاد صياغة افكاره ومعلوماته عن السينما المصرية وضرب الامثلة على ذلك بأن الفنان نجيب الريحاني تعرض لمحاولات للقتل لانه انتج اوبريت العشرة الطيبة، ضد الاستعمار التركي الذي لا يقل وحشية عن الاستعمار الانجليزي، وان الفنانة عزيزة امير كانت تتكفل بالممثل في الاقامة والاكل حسب العقد الموقع بينها وبينه وغيرها من المواقف الطريفة والغريبة. نسأله ما الخلفيات التي سبقت تقديمك البرنامج؟ يجيب منذ سنوات طويلة تلقيت عروضا كثيرة من القنوات الفضائية لتقديم برامج عن السينما المصرية، وكنت مشغولا دائما باعمالي الفنية، ومنذ فترة قصيرة تلقيت عروضا من قناة دريم لتقديم برنامج على شاشة القناة، والظروف ساعدتني هذه المرة على التفكير في العرض، خاصة وان دريم أصبحت تتمتع بشعبية وجماهيرية واسعة، ويوضح الشريف أن هذه الفكرة عمرها عشر سنوات وأنه كان يتمنى انتاجها لحساب شركته لكنه كان يصطدم دائما بمشكلة حقوق الافلام التي اعتمد عليها في الحلقات باعتبارها ملكا لاصحابها، هذا بالإضافة إلى صعوبة في الحصول على هذه الافلام.
وبناء عليه كانت النتيجة الطبيعية الاقتناع بان هذه الفكرة لابد تقديمها لحساب احدى القنوات التليفزيونية لتكون لديها القدرة على شراء عدد كبير من الافلام.
ويوضح نور انه حاول الابتعاد تماما عن الاسلوب التقليدي في التقديم، وهو لذلك عمد إلى كتابة الحلقات بصيغة السيناريو بحيث يمكن اضافة اي معلومة جديدة فيما بعد الى هذه الحلقات، بإعادة مونتاجها ثم عرضها من جديد.
ويضيف الشريف ان هذا العمل يعتبر حلقة بحثية أكثر من كونه برنامجا تليفزيونيا.

ما المفارقات والمفاجآت التي توصلت اليها اثناء التحضير، ولم تكن تعرفها؟ ان التعليم النظري في قاعات البحث والكتب والمراجع، لا يخلق فنانا موهوبا، فلابد من الممارسة العملية، واقصد المشاهدة والتعود على تحليل وتفسير المشاهد السينمائية الغريبة أو الجديدة، والاهم من هذا وذاك دراسة وقراءة السير الذاتية للفنانين والمبدعين. هل هناك امثلة من صفحات التاريخ السينمائي تؤكد هذا؟ في احدى الحلقات المخصصة للموسيقار محمد عبد الوهاب شاهدت أفلامه، وكانت تستوقفني ظاهرة مشتركة في هذه الافلام، خاصة اثناء غناء عبد الوهاب، وكنت اضع بعض علامات الاستفهام في الهوامش، وسألت لماذا يصور المخرج محمد كريم الاغاني داخل ديكور شقة، فيظهر دائما بانوه ثابت لديكور باب مغلق أو مكتبة، ووجدت الاجابة عندما قرأت مذكرات الموسيقار محمد عبد الوهاب وعرفت ان المخرج محمد كريم كان يفعل هذا لأن اختراع البلاي باك لم يكن موجودا في ذلك الوقت، وكانت الفرقة الموسيقية تعزف الموسيقى الحية خلف هذا الباب، والبلاي باك هو الموسيقى المسجلة حيث يقوم المطرب بتحريك شفتيه فقط عليها وكأنه ينطق الكلام، وقد قرأت عشرات السير الذاتية للفنانين·لكن الامر اختلف كثيرا معي اثناء التحضير وجعلني أتعمق اكثر في البحث وقرأت 200 كتاب ومرجع مع استخدام الانترنت وشاهدت 700 فيلم، وكل فيلم كنت اشاهده ثلاث مرات واعود الى الكتب والمراجع لمعرفة المناخ السائد والظروف المحيطة بظهور الفيلم، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية.

السينما المصرية في أفلامها القديمة أرّخت للواقع المصري بشكل لافت للنظر· ما هي اهم النتائج التي توصلت اليها من حصيلة مشاهداتك لافلام تلك الفترة؟ نتيجة مهمة جدا وهي ان 90 في المئة من الفن السينمائي لا يعبر عن الواقع، وربما اصطبغت فترة الستينات بتوجيهات من الدولة – آنذاك- والافلام خلال هذه المرحلة كانت اكثر تعبيرا والتصاقا بالواقع، باستثناء الافلام الدعائية الفجة، وبخلاف هذه الفترة تتبقى بعض الافلام المعبرة عن الواقع المرتبطة بعدد من المبدعين الذين كانوا يتمتعون بالوعي السياسي أمثال كمال سليم وصلاح ابوسيف ويوسف شاهين.
أما بقية الافلام التي قدمتها السينما المصرية فيغلب عليها الطابع الترفيهي، والرغبة في توصيل العبرة الاخلاقية للمشاهد·ومن المشاهدات التي افزعتني المحاولات المتعمدة والمقصودة لترويج الفقر في هذه الافلام.
وهذا الامر سيتوقف عنده المشاهد عندما اقوم بتفسيره، ففي معظم الافلام القديمة سنجد تكريسا لفكرة ان الفقير افضل من الغني، وان الفلوس اذا جاءت لهذا الفقير فإنها تفسد حياته واخلاقه· ظهر هذا المفهوم حتى في الافلام الكوميدية، مثل افلام فؤاد الجزايرلي وغيره، وتوقفت كثيرا امام هذه الظاهرة المشتركة في معظم الافلام القديمة وبالبحث المستمر اكتشفت ان هذه الفكرة الخبيثة كان يروج لها النظام الرأسمالي، باعتبارها تتوافق مع افكاره ومبادئه، فهذا النظام يرى ان الفقير يجب ان يظل فقيرا، وفي هذه الحالة سيظل الغني غنيا ايضا، على اساس أن الفقر نعمة والفلوس نقمة والفقير بفقره سيدخل الجنة ولا مانع بالطبع من ان تتضمن الرسالة التي تقدمها هذه الافلام الاساءة الى الاغنياء، واظهار اولادهم كنماذج تتصف بالانحلال الاخلاقي.

هذا يعني ان السينما المصرية في حاجة الى اعادة قراءة اوراقها وتاريخها من جديد؟ هذا الامر مسَّني شخصيا فقد فوجئت في احد البرامج بأحد النقاد يقول عني معلومات خاطئة تماما، ولم يكلف نفسه ان يسألني، وهذا الامر حدث لي وانا على قيد الحياة، فما بالنا بالذين يتوفاهم الله· وفكرت في ان اتصل بهذا الناقد لاصحح له معلوماته، لكنني خشيت عليه من عواقب هذا التصرف·ومع ذلك لا حجة لأحد لان تاريخ السينما المصرية مسجل في ارشيف على شكل اخبار وموضوعات وحكايات مصورة في عدد من الجرائد والمجلات.
ويقول الشريف أنه أثناء بحثه في هذا الارشيف وقع نظري على خطاب ارسله الفنان نجيب الريحاني الى بريد القراء بصحيفة الاهرام عندما كان طالبا يتحدث فيه عن حبه وعشقه للسينما والمسرح وهذا النوع من المجهود يحتاج الى نفوس مخلصة ومحبة للسينما واتمنى ان يضم الارشيف القومي للسينما مشروعا لتجميع تاريخ السينما المصرية وان ترصد له ميزانية كبيرة لاعادة تصحيحه وتنقيحه. ماذا لو انك صادفت اكثر من معلومة متناقضة ترتبط بحادث أو موقف واحد؟ صادفت هذا الموقف في بعض الحلقات والتصرف الموضوعي يتطلب استعراض كل المعلومات للمشاهد وان تترك لعقله البحث الى ان يتوصل الى المعلومة الصحيحة، وهذا افضل من حجب المعلومات، وهذه المواقف كنت اصادفها عندما افاجأ بعدم وجود افلام معينة يتطلب الامر مشاهدتها ومناقشة بعض المشاهد فيها واكتشفت ان نيجاتيفات هذه الافلام غير موجود. من استوقفك من الفنانين والنجوم اثناء التحضير للبرنامج؟ الفنانة والممثلة والمنتجة عزيزة امير، التي تستحق تمثالا من الذهب فقد كانت امرأة قوية وتفعل ما كان يفعله بعض الرجال، فعندما انتجت فيلمي زينب الصامت والمتكلم وشاهدهما طلعت باشا حرب رائدا لاقتصاد ومؤسس ستديو مصر، قال لها أنت اقوى من كل رجال مصر!! لانك فكرت في انتاج فيلم لم يفكر فيه احد على الاطلاق·ولأنها كانت تعشق السينما، كانت تقوم بنفسها بعمل اشياء كثيرة، كانت ممثلة ومنتجة ومخرجة، وتقوم بعمل المونتاج والموسيقى التصويرية لافلامها وترعى الممثل الذي يتعاقد للعمل معها، وفي احدى المرات اختلفت مع وداد عرفي المخرج التركي واتفقت مع استيفان روستي الفنان العبقري بدلا منه بعقد موثق اكتشف من خلاله انها تتعهد بتوفير المسكن للفنان وثلاث وجبات للغذاء. فكرة تقديم برنامج بهذا الشكل المستعرض تتطلب منك تقديم مئات الحلقات وربما أكثر؟
لست حزينا فقط على تاريخ السينما المصرية الغني والثري جدا، لكنني اكتشفت اثناء الرحلة البحثية الطويلة ان مساحة حزني امتدت الى عدد من الفنانين الذين اثروا التاريخ السينمائي المصري ولم ينالوا التكريم بالقدر الكافي حتى الآن ومن هنا جاءتني فكرة اخرى اثناء التحضير، وهي اعادة انصاف هؤلاء الفنانين الذين نسيتهم بعض الاقلام واعطي مثالا ربما ينتبه اليه المشاهد أو القارئ وصاحبه يستحق كل التقدير وهو الفنان العملاق سراج منير.
وباعتباري ممثلا ومخرجا يشغلني دائما الاهتمام ببراعة الممثل في التعبير عن الانفعالات بأبسط أداء، وهذا الفنان لديه القدرة على تلوين الشخصيات بلا حدود واذكر على سبيل المثال دوره في فيلم امير الانتقام فلم أر ممثلا يجسد الشر بهذه القدرة، مع كل احترامي وتقديري للعملاق محمود مرسي الذي قدم الشخصية ذاتها في فيلم أمير الدهاء عن نفس الفكرة· وقد وجدت لزاما عليّ، ان اسعى إلى تكريم هؤلاء الفنانين.
وهناك أيضا بديع خيري العبقري المتعدد المواهب صاحب الفضل الكبير على الفنان نجيب الريحاني، والحلقة التي تناقش عبقريته لم تعرض بعد.
وايضا نجيب الريحاني خاصة المشهد الذي تم تصويره في بيت يوسف وهبي في فيلم غزل البنات·وفي هذا المشهد لابد ان تستوقفنا مدرستان في الاداء، الاولى مدرسة يوسف وهبي والثانية نجيب الريحاني وقدرته على التنوع في الاداء ما بين قمة الكوميديا الى اقصى نقطة في الاداء التراجيدي. هل يتطلب الأمر تخصيص حلقات عن مناقشة مشاهد في بعض الأفلام، مثل المشهد الأخير من فيلم الأرض عندما كان الفنان العملاق محمود المليجي يتشبث بأرضه رغم الظلم الواقع عليه؟ لا أريد ان انسى أية تفصيلة جاءت في تاريخ السينما المصرية الذي هو اشبه بالمحيط الواسع الذي لا نعرف له نهاية، ولا انكر انني سأقوم بتخصيص حلقات لتقديم هذه المشاهد في الفترة القادمة.
وكنت اعتز بانني وميرفت أمين قدمنا أفضل مشاهد الطلاق في السينما المصرية من خلال فيلم سواق الاتوبيس· قدمه عاطف الطيب برقة شديدة تدعو المشاهد الى البكاء على سنوات الحب والعشرة التي جمعت هذين الزوجين.
لكن أثناء مشاهدتي اكتشفت مخرجا عبقريا سبقنا بـ50 عاما في تقديم مشهد الطلاق، الذي يحمل معاني كثيرة·وهو المخرج كمال سليم في فيلم العزيمة ولانني لم أكن قد شاهدت فيلم العزيمة بتأن شديد· وعندما اتيحت لي الفرصة اكتشفت كنوزا فنية في هذا الفيلم فمشهد الطلاق فيه يعكس وعي المخرج كمال سليم، كفنان سابق عصره، ويفهم ما يريد تقديمه بالضبط. الفنانين والفنانات قاموا بتسجيل احاديث اذاعية وتليفزيونية، تضمنت اخبارا ومفارقات كثيرة، فهل فكرت في الاستعانة بها؟ بالتأكيد، وهذا الأمر سيظهر في الحلقات القادمة، على سبيل المثال ستكون هناك حلقة عن ليلى مراد، وكاميليا· والتاريخ ظلم هاتين الفنانتين·ليلى مراد انتجت فيلما واحدا عن القضية الفلسطينية ومساندتها، وكان سببا في معاناتها لأزمة مالية، وكاميليا كانت تقوم بجمع التبرعات للجيش المصري·والكارثة الاكبر محاولة اغتيال نجيب الريحاني ثلاث مرات، لانه انتج أوبريت العشرة الطيبة الذي ينتقد فيه الاحتلال العثماني.وظل فترة طويلة بلا عمل. هل نستطيع القول ان برنامجك بقدر ما افاد المشاهد وقدم له التسلية والمعلومة، اعاد صياغة كثير من المعلومات السينمائية عند نور الشريف نفسه؟ بكل تأكيد، فقد تعلمت دروسا كثيرة من هذا البرنامج تفيدني كممثل ومخرج·ولفت نظري ابداع الفنيين الذين افنوا اعمارهم في السينما المصرية.
ولاحظت ان نقطة ضعف السينما المصرية منذ بدايتها وحتى الآن، هي المكياج واصبح الأمر ملحا ويتطلب ضرورة ارسال بعثات الى الخارج لتعلم تطورات هذا الفن الخطير ايضا تعلمت ان اتفادى الوقوع في بعض أخطاء غيري. يغيب عن برنامجك التطرق الى السينما التسجيلية والسينما العربية؟
عندي أسباب، فيما يتعلق بالسينما التسجيلية فقد طلبت ان اتعرض لها في حلقات مستقلة أو الاستعانة من الآن بمن يستطيع الحديث عنها· ومتابعة هذه السينما متعة خاصة، ومصر تمتلك كنوزا منها·اما فيما يتعلق بالسينما العربية، فانه يتعذر التعرض لها بسبب صعوبة الحصول على الأفلام· وان كنت بدأت اتابع الافلام العربية منذ السبعينات، من خلال حضوري للمهرجانات، خاصة السينما الفلسطينية·ولا استطيع ان اطلب من القناة شراء هذه الأفلام. ما الصعوبات التي تواجهك أثناء تنفيذ البرنامج؟ الوقت المطلوب للبحث، وتشكيل مجموعة هائلة تستطيع البحث والتدقيق في كل صغيرة وكبيرة في تاريخ السينما المصرية· اما المشكلة الكبرى التي ربما ستواجهني في المستقبل القريب، فهي صعوبة بل تعذر الحصول على الأفلام، بسبب قيام الشركات الكبرى باحتكارها.