نهضة الإخوان أم نهضة مهاتير؟

لم تفلح الزفة الإعلامية التي قامت بها جماعة الإخوان المسلمين لمهاتير محمد بالقاهرة مؤخرا، في اقناع المصريين أن هناك مشروعا حقيقيا للنهضة يسعى الرئيس محمد مرسي إلى تطبيقه لإصلاح أحوال البلاد والعباد، فقد خيب السيد مهاتير رهانات خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة لاستثماره سياسيا، عندما صدمه على الهواء مباشرة وقال أن تجربة النهضة في ماليزيا قامت على أساس التعايش الوطني بين جميع أطياف الشعب، والاستفادة من الكفاءات، بصرف النظر عن الانتماءات والولاءات، وجاءت الطامة الكبرى عقب تأكيد الرجل أن الصكوك الإسلامية تدخل في باب "الربا"، وقروض صندوق النقد الدولي غير مجدية، واعتذر مهاتير عن تولي الرئاسة الشرفية لمشروع تنمية محور قناة السويس، الذي يعتبره الإخوان قاطرة النهضة الجديدة، ورفض أن يتحول إلى سلعة رائجة في بازار الإخوان.

الحقيقة أن "مشروع النهضة" الذي كان شعار الحملة الانتخابية للدكتور محمد مرسي، ثبت أنه غير موجود أصلا، وعلى رأي المصريين "طلع فنكوش"، الأمر الذي وضع الجماعة وذراعها السياسي حزب "الحرية والعدالة" في مأزق شديد، فلا هم استطاعوا تأكيد امتلاك مشروع اقتصادي يقوم على أسس علمية وقابل للتحقق، ولا تمكنوا من تقديم بديل أو نموذج من دول أخرى، وجرى التخبط في هذه المسألة، إلى أن تفتق ذهن الجماعة على محاولة توظيف شخص في قامة مهاتير وخبرته في الحكم وتجربته الناجحة في ماليزيا، لكن جاءت النتيجة بما لا تشتهي سفن الإخوان، حيث نسف كلامه جميع الاستعدادات الزائفة التي جهزها الشاطر، وأهمها أن مصر تسير في عهد جماعته على درب ماليزيا، وسافر مهاتير وبقيت الدلالات والمضامين التي حملها كلامه، تثير علامات استفهام كثيرة، حول مستقبل هذا النوع من الحكم.

الشاهد أن لدى جماعة الإخوان مشروع سياسي من الصعوبة أن تكتب له الحياة بالطريقة التي يسير عليها، حيث يقوم على السيطرة والاستحواذ والتمكين واقصاء القوى المختلفة معه، وحتى لو حقق نجاحا جزئيا في مرحلة ما، فهو نجاح مثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ومع ذلك هناك اصرار على التمسك به، وتجاهل التجارب التي حققت تقدما سياسيا ملحوظا، أو على الأقل صمدت وسط العواصف التي واجهتها، وهنا نحن أمام ثلاثة أنماط من التجارب، أحدها صاحبه الفشل بامتياز، وهو المشروع السوداني، الذي حاولت الحركة الإسلامية تطبيقه، وكانت أبرز نتائجه التضحية بجنوب السودان وظهور شبح التقسيم ليراود أقاليم أخرى، والثاني واجهته ولا تزال تحديات معقدة، وهو المشروع الإيراني، الذي وضع طهران في كفة تقف عليها معها بعض الجماعات الإسلامية، ووضعه كمثل يحتذى به الإخوان سوف يعرضهم لمشكلات داخلية وخارجية بالجملة، والثالث حقق تفوقا نوعيا، وهو المشروع التركي، الذي يتخذ دليلا على نضج حزب العدالة والتنمية وقدرته الفائقة على الجمع بين معادلات متناقضة، سياسية واقتصادية، اسلامية وغربية، وهو ما يقتدى به الإخوان في الظاهر، لكن الجماعة بعيدة عنه تماما، بحكم التباعد في الخبرات والأفكار وتطويرها ونضجها، حتى لو كانت الأرضية (الإسلامية) واحدة.

بما أن جماعة الإخوان، حريصة على التظاهر بالتميز، وتعتبر نفسها التنظيم الأساسي العالمي، لذلك نحت جانبا عن المشروعات الفاشلة أو المتعثرة، وتمسكت بمشروعها السياسي، بل رفضت تطبيق المعايير الإيجابية في التجربة التركية، وامتنعت عن المضي في طريقها، الذي يتطلب قدرا وفيرا من التوافق والمرونة والانفتاح، لكنها لم تستطع الالتزام بالمعيار ذاته في المجال الاقتصادي، وسعت إلى ايهام الناس بأن دولة الرفاهية قادمة، وعزفت على وتر المشاكل المتراكمة التي تؤرق المواطنين البسطاء، ومن أجل تخفيف المعاناة عنهم نوه خيرت الشاطر إلى قيام جماعته بدراسة نماذج النهضة في الدول المختلفة، وأن ما يتم تنفيذه الآن في مصر هو خلاصة تجارب متباينة، بينها ماليزيا، لكن حظه العاثر أوقعه في خطأ فادح بوجود مهاتير، عندما تبين أن المسافة واسعة بين هذا وذاك، وأصبح الكثير من المراقبين على يقين من أن مشروع النهضة (في شقه السياسي أو الاقتصادي.. وهكذا)، ليس له من إسمه نصيب.

في هذا السياق، سوف يصعب تحقيق انجازات ملموسة، ولن يشعر المواطنون بتحسن في مستوى معيشتهم، حسب الطموحات والتطلعات والأحلام التي تأتي في تصريحات قيادات الإخوان، وسيستمر التخبط والارتباك والعشوائية في عمل مؤسسات الدولة، لأن ما يجري تنفيذه الآن، تحت لافتة مشروع النهضة، عبارة عن قص ولصق من تجارب بعيدة ومتنافرة، دون مراعاة لفروق جوهرية، في البيئة السياسية ومكوناتها، أو الظروف الاقتصادية وحجم تعقيداتها، أو التركيبة الاجتماعية وما تنطوي عليه من فوارق طبقية، وكل ما يهم أصحاب المشروع الوهمي الإيحاء بأن هناك قافلة تسير ومعارضة "تنبح"، في حين النهضة التي وضع لبناتها مهاتير راعت الاعتبارات السابقة، وحددت أهدافها الاستراتيجية بدقة، لذلك استطاعت بموارد وامكانيات قليلة وعقول مفتوحة ووطنية ومهارات وكفاءات متعاظمة، أن تجعل ماليزيا في الصفوف المتقدمة للنمور الأسيوية، وحتى بعد رحيل مهاتير عن السلطة لم تهتز أركان الدولة، وبقيت قواعدها راسخة ومتطورة.

ما نراه في مصر تحت حكم الإخوان، بعيد كل البعد عن النهضة، لأنه ببساطة يفتقر إلى رؤية واضحة ويرمي إلى علاج الخلل بالمسكنات، ويؤدي إلى تحلل أجهزة الدولة، فلا يمكن أن تحدث نهضة في بلد وحكومتها في وادي، ومواهبها ومبدعوها في وادي آخر، وبصرف النظر عن التوافق السياسي من عدمه بين القوى المختلفة، فالمفروض أن تتكاتف الجهود للخروج من الشرنقة التي تطبق على أنفاس الجميع، وهي الوصفة التي جعلت دولة ماليزيا من الاقتصاديات المتقدمة، ووضعت مهاتير على رأس القيادات الحكيمة، وقد كشفت خبرة الأشهر الماضية أن مشكلة الإخوان تكمن في جانبين، الأول الحرص على البقاء داخل "الجيتو" بمفهومه الشامل، وعقول تقوم على الانعزال ويتصور أصحابها أنهم احتكروا الحكمة، التي لا يأتيها الباطل من أي اتجاه، الأمر الذي لا يمكن أن يصنع نهضة، حتى لو ادعى مؤيدوها أنهم استوعبوا دروس النهضة في دول مختلفة، والجانب الثاني رفض الاعتراف بالخطأ، فقد كنا نتصور أن صراحة وشهادة مهاتير ستؤدي إلى وقف مشروع الصكوك أو ايجاد بديل لقرض صندوق النقد الدولي، لكن لا حياة لمن تنادي، فالإصرار على الأخطاء منهج، وعدم الاستفادة منها أسلوب حياة، لذلك تصبح المقارنة بين نهضة الإخوان ونهضة مهاتير ضرب من ضروب الخيال.