نهايتان لقصة واحدة

بقلم: حنان بيروتي

-" يستحسن إجراء تنظير جراحي "
قالها وهو يتأمل وجهي، نظراته أثارت داخلي أحاسيس متناقضة، طلب مني أن أتمدد على سرير الفحص، مسح بطني بمادة لزجة والصق به جهازا يشبه سماعة الهاتف، واخذ يراقب شاشة مثبته أمامه.." عظيم!..عظيم! هتف بعد أن كلفني بالسير على جهاز المشي، قلت له وانا الهث:
- مم أشكو؟!
- عملية لا بد من إجرائها اليوم!!
(أجابني بلهجة حازمة)
- لكني لا أتألم؟!!
أشار إلى تقارير مثبتة على مكتبه:" ولماذا جئنا بك إلى هنا؟!"
" حقا لماذا أنا هنا؟!.
.. كنت في جولتي التي اعتدتها منذ ثلاث سنوات، ابحث عن عمل، اجلس مع طالبي العمل على حافة الرصيف.. ننتظر تحت أشعة الشمس الحارقة أية فرصة أو أحدا يطلب عاملا.. لحظة اقتربت سيارة فارهة وأشار سائقها إلي، لم يتراكض العمال كعادتهم اقتربت منها وببساطة ركبت في المقعد الخلفي المريح الذي أوصلني إلى هذا المكان، لكنه لا يشبه عيادة أو مستشفى هو أشبه بمركز علمي للأبحاث قيل لي انه ينبغي التعرض للفحوصات الطبية التي تثبت مطابقتي للشروط الصحية للعمل هنا.. والراتب مجز!
وماذا يهمني وشهادة الآداب مغبرة في جرار مهمل (بياع كلام!) اسمع، نعيي بسخرية فيما ألوك ما اعرفه من الآداب العربية، أمي ترقبني بعيونها الضيقة المحملة بقلق الأمهات، تحاول قراءة وجهي، تقلب ما يقع بين يديها من كتب وبرامج وأحزاب يسارية بخوف وحذر، مع أنها لا تتقن القراءة، تحاول منعي بكل السبل عن السير في أي مظاهرة، ترجوني ألا أشارك وصوت بكائها المختنق يزداد ارتفاعا وتشنجا...
قلت لها وانا اعتذر عن دموعها:
-" أن ما أقوم به هو تخطيط الشعارات واللافتات، لم ارث عن أبي غير خط متناسق استثمره في مواسم الانتخابات البلدية ومجلس النواب وأثناء الاحتجاجات الشعبية، والأخيرة لا يعول عليها لأنها لا تحدث الا في القليل النادر!"
أتذكر...
" الشوارع تضج بالأجساد والأصوات الغاضبة، احدهم يشعل إطار سيارة وآخر يرفع رغيف خبز وبعضهم يستهويه الفوضى فيكسر كل ما تطال يداه، وانا منكب على تخطيط اللافتات فيما يرشح العرق من رقبتي ويسيل على ظهري المتصلب، وأتذكر أمي.. فألوذ بنفسي وأتمنى تلك اللحظة أن اسكن حقبية سفر!!.
أعود لوجه الطبيب يخاطبني برفق مفاجىء:
- ما رأيك أن توقع تنازلا عن أعضائك في حالة الوفاة – لا قدر الله!
يعتريني صوت مذهول!
- أما عن التكاليف – لا تهتم.. سنتكفل بها!
خوف يزحف إلي...
-" هل ثمة مستشفيات مجانية في هذا الزمن؟!"
الحمالة التي أتمدد فوقها تتحرك للامام، وأنا ارقب السقف واللمبات المثبتة بضوئها الخافت.. هل أنا في كابوس؟! يجب أن أعلن احتجاجي لكن سدادة تخرس فوهة بركاني..
ارضخ وأنا أتمتم ببلادة- (لعله خير!)
ارفع وجهي للممرض الذي يدفعني.
-." لا افهم حتى سبب إجراء عملية!!"
كأني أحادث جدارا يدفعني بقوة اكبر دون أن يرف له جفن، طبيب التخدير يبتسم لي، يفرغ مخدرة في إبرة بحلقة بلاستيكية مثبتة في ظاهر كفي، طعم لاذع في حلقي.. قلق يتصاعد.. دوائر تضيق حتى تصبح غمامة شفافة.. صوت يخترقني قبل غيابي الأبدي.. " أخيرا دبرتم قلبا سليما للمستر..!!" نهاية أكثر واقعية: أتخبط في فراغ موحش من عدم ناء.. الخدر أطياف تدغدغ جسدي.. يتوالد إحساس في أعضائي ببطء.. اشلاء أصوات تصلني..".. ما يزال حيا قيد التخدير!! استشعر ألما حارقا في صدري، المح قلبي المستأصل في وعاء زجاجي محاطا بسائل شفاف
- "PERF-ECT "!!
يهتف طبيبي وهو ينزع قفازيه الملطخين بالدماء..
" كيف بقيت على قيد الحياة‍‍‍!؟"
تعيدني السيارة للرصيف، طالبو العمل على حالهم، أوشك أن اخبرهم عما حدث.. باني حي.. لكني انتبه إلى صدورهم التي تبرز عليها آثار غرزات.. في موقع قلب تماما!! حنان بيروتي ـ الأردن