نهاية نظام... وليس مجرد نهاية بائسة لرئيس

بقلم: خيرالله خيرالله

كان المشهد حزينا ومثيرا للشفقة في الوقت نفسه. كان مؤشرا الى نهاية نظام وليس مجرد نهاية بائسة لرئيس عربي آخر.

ما يتبادر الى الذهن لدى متابعة وقائع الجلسة الاولى من محاكمة الرئيس حسني مبارك ونجليه علاء وجمال تعليق تردده هذه الايام شخصية سياسية يمنية. تقول الشخصية التي تتمتع بذكاء حاد:"رحم الله امرءا عرف قدر عمره" وذلك تحويرا للقول العربي المأثور:"رحم الله امرءا عرف قدر نفسه فوقف عنده".

من الواضح ان حسني مبارك ينتمي الى اولئك الرؤساء الذين لم يعرفوا قدر عمرهم، فكانت تلك النهاية الحزينة التي لا تليق به وبافراد عائلته، كما لا تليق بمصر وعظمة مصر وثورة مصر التي كان يفترض ان تتصرف في مرحلة ما بعد مبارك بعيدا عن الانتقام والتشفي. اوصل حسني مبارك مصر التي حكمها طوال ثلاثين عاما الى ما وصلت اليه، فكانت النتيجة ان تحول ضحية من ضحايا نظام لم يعرف كيف يطور نفسه بمقدار ما انه غرق في وهم ان مصر دولة مهمة. نعم، مصر دولة مهمّة. لا يختلف اثنان على ذلك. لكنّ الكلام عن اهمية مصر يبقى مجرد كلام نظرا الى انّ مصر لم تهتمّ باوضاعها الداخلية منذ فترة طويلة. كان المحيطون بمبارك يعتقدون ان لمصر دورا اقليميا، بل عالميا، وكانّ الكلام عن هذا الدور يبدو كافيا ليتصرف هؤلاء وكأنّ الدور موجود فعلا غير مدركين ان مصر فقدت حتى اي تأثير او نفوذ في السودان، حديقتها الخلفية، منذ ما يزيد على عقدين!

اين كان سقوط حسني مبارك؟ من يتطلع الى معظم الاشخاص الذين كانوا يحيطون به يكتشف ان الرجل لم يكن يعرف الكثير عن الناس وحتى ما يدور داخل مصر نفسها والمنطقة التي تقع فيها.

كان كلّ همه محصورا في التعاطي مع متزلفين كانوا يقولون له ما يحب ان يسمعه من نوع السيد صفوت الشريف الذي يعتقد ان ظهور مبارك من دون شعرة بيضاء في رأسه اهم بكثير مما سيقوله "الريّس" في هذه المناسبة الوطنية او تلك. ومن يستعرض اسماء معظم الصحافيين العرب الذين كان يستقبلهم حسني مبارك في السنوات العشرين الاخيرة، يجد انه كان لا يحب سوى الاغبياء او صغار المنافقين.

احتكر حسني مبارك، بفضل المحيطين به تجميع الاعلاميين البائسين الذين كانوا يسيئون الى مصر. لم يدرك اهمية الاعلام الذكي المؤثر يوما. وعلى الرغم من كل الملايين التي كانت تذهب الى المؤسسات الحكومية من تلفزيون وصحف ومجلات، كانت مصر في عهد حسني مبارك اسيرة جريدة القارئ الواحد التي لا همّ لها سوى اشعار الرئيس المصري صباح كلّ يوم بالارتياح وان كل شيء على احسن ما يرام في البلد وان مصر "تقود" عملية السلام في المنطقة وانها حاضرة في كل المحافل وعلى شتى الصعد.

منْ يتذكر عملية اعادة تركيب تلك الصورة في صحيفة "الاهرام"؟ ظهر الرئيس مبارك، في الصورة الملعوب بها، يسير امام باراك اوباما والملك عبدالله الثاني والسيد محمود عبّاس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في حين كان في الصورة الحقيقية، متخلفا عنهم بسبب بطء حركته وثقلها؟ لم تجد "الاهرام" وقتذاك ما تغطي به الفضيحة سوى اعلان المسؤولين عنها ان مصر هي الجهة التي "تقود" عملية السلام. من يصدق مثل هذا الكلام يسهل عليه الانتهاء في قفص الاتهام مع نجليه.

مرّة اخرى، تقلّص الدور المصري على الصعيد الاقليمي في اليوم الذي لم يعد للقاهرة تأثير في الخرطوم. متى لا يعود لمصر نفوذ في السودان، من سيصدق ان لديها نفوذا لدى الفلسطينيين او حتى في غزة نفسها التي كانت حتى العام 1967 تحت الحكم المصري. تحوّلت غزة ابتداء من العام 2007 "امارة اسلامية" على الطريقة الطالبانية (نسبة الى طالبان) يتحكم بها المحور الايراني- السوري وتوابعه في غياب اي ردّ فعل مصري يحسب له حساب. حصل ذلك، على الرغم من ان الاجهزة المصرية كانت تمتلك افضل المعلومات عن حقيقة الوضع في غزة. انها معلومات لم تكن تجد من يستفيد منها، حتى لا نقول من يستوعبها، في القاهرة.

كان يمكن لمصر ان تتغيّر نحو الافضل لو عرف حسني مبارك انه رجل مريض تقدّم به العمر وانه لا يصح ان ينقل امراضه الى مصر نظرا الى ان عائلته صارت مرتبطة بمصالح كبيرة عليها الدفاع عنها... او ان زوجته السيدة سوزان كانت تردد "مش عاوزة اكون جيهان سادات اخرى"! ولذلك، كان مطلوبا ايجاد طريقة يخلف بها جمال حسني مبارك والده... اي ان يخلف مبارك مبارك. كان الثمن باهظا!

لم يحسن حسني مبارك الانسحاب من المسرح السياسي في الوقت المناسب. تماما مثلما لم يدرك حافظ الاسد انه لا يستطيع توريث ابنه الرئاسة في سوريا. لم يدر في خلد الاسد الابّ ان الاجهزة الامنية لا تبني دولة. اما حسني مبارك، فلم يدرك حتّى ما يدور داخل المؤسسة العسكرية التي لم تستطع الايفاء بتعهد تضمن له بموجبه كرامته بمجرد قبوله التنازل عن الرئاسة. يظل السؤال الاساسي في ضوء ما تشهده مصر هذه الايّام: الى اي حدّ اخترق الاخوان المسلمون المؤسسة العسكرية؟

نعم، "رحم الله امرءا عرف قدر عمره". ولكن يبقى ان محاكمة حسني مبارك تعكس ازمة عميقة في مصر. ذلك ان المحاكمة، بكل بشاعتها، لن تحل اي مشكلة لدى الشقيقة الكبرى. انها ازمة نظام قبل اي شيء آخر. نظام فاشل قائم منذ العام 1952 . كان جمال عبدالناصر يهرب الى خارج الى ان جاءت هزيمة 1967 فانتهى معها. اما انور السادات فقد هرب الى السلام مع اسرائيل الى ان وجد من يغتاله من بين الاسلاميين المتطرفين الذين رعاهم. الآن، بعد الذي حلّ بحسني مبارك، جاء دور طرح السؤال المحوري: اي نظام سيخلف نظام 1952 في مصر؟ ليس حسني مبارك وحده المريض. كشف مرضه كم مصر مريضة بنظامها وغير نظامها وحتى بمجتمعها الذي لا يعرف ماذا يريد... هل مصر مضطرة الى محاكمة حسني مبارك وهو في سريره من اجل ان تطوي صفحة من تاريخها الحديث، ام ان المطلوب اكثر من اي وقت مواجهة حقيقة من نوع آخر مرتبطة بالقدرة على الاعلان ان النظام الذي نشأ نتيجة انقلاب العام 1952 انتهى وان هناك قوى تسعى الى وضع الاسس لنظام جديد ليس بالضرورة افضل من الذي سبقه.

خيرالله خيرالله