نهاية العلم في العراق

السير نحو المجهول

بغداد – اضطر آلاف الأكاديميون العراقيون الى مغادرة بلادهم في السنوات الأخيرة، بينما أعداد مماثلة تفكر جدياً بالرحيل، ضمن نزيف أدمغة واسع يشهده العراق بلغ ذروة خطرة في الأشهر الأخيرة، وقبيل انطلاق العام الدراسي الجديد.
من هؤلاء الدكتور فراس هاشم، الذي يقول إنه قرر الخروج من البلاد "لحين استتباب الأمن"، فلم يعد هناك من مجال للبقاء بالنسبة إليه. فقد تلقى ذلك الأكاديمي تهديداً بالقتل ما لم يترك منصبه في جامعة بغداد، أما أسباب التهديد فهي تبقى مجهولة بالنسبة له على الأقل، ومعلومة ربما للجهات التي أخذت على عاتقها "تطهير" العراق من كوادره التعليمية.
والواقع أنّ أكثر من عشرة آلاف أستاذ جامعي عراقي غادروا البلاد، وفقاً لإحصائيات كشفها مصدر مسؤول في وزارة التعليم العراقي.
وأوضح المصدر، رافضاً الإشارة إلى اسمه، أنّ هذا العدد يشكل رقماً مخيفاً، خاصة وأنّ الظاهرة مستمرة.
ويضيف المصدر "اليوم نحن نواجه حالة إقفار علمي، سد النقص ليس سهلاً، خاصة وأنّ الأساتذة المغادرين هم من أصحاب الخبرات والتجربة الطويلة، هناك حالة تعمد خطيرة في استهداف الأساتذة الجامعيين، اضطررنا إلى إغلاق أقسام عملية وخاصة في مرحلة الدراسات العليا بسبب نقص الكادر التدريسي"، حسب توضيحه.
أيام قلائل وتبدأ دورة عام دراسي جديد في العراق، عام يبدو أنه سيكون الأسوأ بالنسبة للطلبة العراقيين الذين فقدوا العشرات من أساتذتهم، سواء جراء عمليات القتل أو الهجرة إلى الخارج.
وتقول الطالبة سناء محمود الهاني، الطالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، إنها لا تعرف من سيلقي عليهم المحاضرات، "ففي العام الماضي كان بعض الأساتذة يلقون محاضرات عوضاً عن غياب أساتذة آخرين، اليوم هؤلاء الأساتذة أيضاً اضطروا إلى المغادرة"، معتبرة أنّ "الكارثة أننا سنتلقى دروسنا العلمية على يد خريجين جدد، ربما لا يحملون حتى لقباً علمياً"، حسب مخاوفها.
رابطة التدريسين الجامعيين العراقية، طالبت وعبر نداء لها إلى وزير التعليم العالمي عبد ذياب العجيلي، بوضع حد لعمليات الاغتيال التي طالت وتطال أساتذة جامعيين، معتبرة أنّ هجرة الأساتذة وعمليات التصفية المنظمة التي تستهدفهم ستؤدي إلى كارثة "علمية".
وقالت الرابطة في نداء لها إنّ ثلاثة أساتذة اغتيلوا خلال الأسبوع الماضي، وهم كل من الأستاذ الدكتور كاظم حيدر الجوادي أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة بغداد، والأستاذ الدكتور محمد عبد عباس رئيس قسم الحاسبات بجامعة ديالى، والأستاذ المساعد كريم حمد رئيس قسم اللغة العربية بجامعة ديالى، هذا بالإضافة إلى استمرار عمليات الخطف التي أوردتها الرابطة في بيانها.
وتسعى الجامعات العراقية التي تستعد لاستقبال العام الدراسي الجديد، جاهدة لسد النقص الحاصل في طواقمها التدريسية، كما يقول الأستاذ إحسان محمد عمر، ويضيف "نسعى جاهدين إلى سد النقص الحاصل في الكوادر التدريسية، ليس هناك من سبيل إلى إغلاق الأقسام العملية والتدريسية في الجامعات، كما أننا لا يمكن أن نرفض طلب الأستاذ الجامعي الذي يتقدم بطلب إجازة سنوية دون راتب، من أجل السفر إلى خارج العراق".
ويضيف عمر "إننا نعيش أوضاعاً صعبة وصعبة جداً، وللأسف فإنّ الحكومة غير معنية كثيراً بالأساتذة الجامعيين، فعلى الرغم من كل عمليات الاغتيال والاختطاف التي تعرض لها الجامعيون؛ فإننا لم نشهد عملية إلقاء قبض واحدة على هذه الجماعات المجرمة، كما أننا طالبنا كثيراً بتوفير الحماية للأساتذة الجامعيين، غير أنّ شيئاً من ذلك لم يحصل".
وتعيش الجامعات العراقية على حافة الانهيار والهاوية "العلمية"، كما يصف ذلك الدكتور ناجي محمود، ويضيف "لقد دمرت سنوات الاحتلال الثلاثة نظامنا التعليمي، اليوم هناك ميليشيات طائفية وغير طائفية مختصة بعمليات اغتيال الأساتذة وتهجيرهم، الطلبة جزء من المجتمع، وبينهم عناصر في ميليشيات مسلحة، لا يمكن لك أن تعطي درجة رسوب لهذا الطالب لأنه سيكون قادراً على أن يغتالك في أية لحظة دون مساءلة أو حساب"، وفق شكواه.
ويتابع الدكتور محمود "بعض الطلبة صاروا يشكلون ميليشيات خاصة بهم، ويهددون الأساتذة من خلال بيانات يلقونها في غرفهم، إننا نعيش في حالة انهيار علمي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى"، على حد تعبيره.
عمليات الاغتيال والاستهداف التي طالت العشرات من الأساتذة العراقيين دفعتهم إلى المغادرة، دون أن يأسفوا على حالة عامة أخفقت فيها الحكومات المنتخبة وغير المنتخبة في توفير الحماية لهم.