نهايات المبدعين .. كوميديا سوداء (1 / 2)

هنا نموت على الرصيف بلا صديق

من الكتب النادرة التى تعكس رؤية تتسم بالشمولية والعمق، وقد ضم كثيرا من الحقائق التي تراكمت في دراسة السير الذاتية للمبدعين في مجال الادب والعلم والسياسة بالاضافة الى طبيعة المرض النفسي والعقلي، التي يحتاج اليه العاملون في حقول الإبداع ممن لم تتح لهم فرصة التعمق في الطب النفسي المعاصر. ففي الفصل الخامس احتل موضوع المبدعين والعباقرة اهتماما واضحا.

هذا الفصل يأتي تحت عنوان "هدهد طه حسين" وتناول فيه المؤلف عددا من السير الذاتية للعباقرة والمبدعين، ومن خلال تلك السير توصل الى التناقصات التي اشتمل عليه الرأي التقليدي في دراسة سير العباقرة الذي قرن الابداع بالمرض العقلي والنفسي.

ويقول في ذلك أن المرض كان عضويا أو نفسيا الا يعوق والا ييسر انطلاقة المبدع، ويثبت أن الإبداع على العكس بل يعتبر في كثير من الاحيان مؤشرا على الصحة النفسية والتكامل النفسي، وليس مؤشرا على شيوع الاضطراب النفسي والمرض، وانما هو مدفوع بمستويات عليا من الصحة النفسية. اذ نجد في كثير من الاحيان ان الإبداع يعتبر لدى عدد كبير من المبدعين من الدوافع التي تقود للصحة النفسية والتكامل والعلاج.

ويثيت الكاتب أن نسبة المرض النفسي بين العباقرة نسبة ضعيفة وبذلك يدحص الفكرة التي ترى أن العبقرية تعبر عن الجنون والاصطراب النفسي.

• الإبداع والاصطراب

الاضطراب النفسي والعقلي هل يختلف باختلاف طبيعة التخصص والمجال العلمي والفني للمبدع، وبإلقاء نظرة على بعض الاصطرابات النفسية الشائعة من حيث صلته بالإبداع نجد أن المخاوف المرضية وحالات الذعر بما فيه المخاوف من الأماكن المتسعة والفسيحة، نجده قد شاعت بين الكتاب والفنانين مثل البير كامي ومانزونى وجاهان ستراوس وأكثر من 27 % من الكتاب والروائيين يعانون من الاكتئاب. وتميزت حالات الاكتئاب بفترات قصيرة لم تزد عن أسبوعين بدليل ان الانتحار لم يحدث إلا فى خمس حالات. وذلك نجده في الرصد الذي اجراه الطبيب النفسي الانجليزي بوست، والحالات الخمسة منها: هيمنجواي في الادب الروائي، وفان جوخ في الفن التشكيلي، وتشايكوفكس ف الموسيقى.

• صرخة احتجاج

انقلاب الجبهة الاسلامية الذي أطاح بالديمقراطية الثالثة مثل صدمة له بل مثل صدمة لكل ابناء جيله وكيف لا وهو الذي سخر سنوات شبابه في مناهضة دكتورتارية نظام مايو يعود تاريخ ميلاده كما ورد في كتاب ابوذكرى أخذ زهور حياته ورحل للمؤلف محمد أحمد يحيى أنه ولد في المديرية الشمالية بقرية تنقاسى السوق مركز مروى في الرابع عشر من شهر اكتوبر/تشرين الأول في العام 1943 وانتقلت اسرته الى مدينة كوستى نسبة لعمل أبيه في قوات الشرطة والتحق أبوذكرى بمدرسة كوستى الاولية ثم اتنقل الى المرحلة المتوسطة بكوستى الاهلية. ويقول عنه صديقه النور إبراهيم انه كان محبا للقراة، وكان آخر شخص يطفى اللمبة في بيتهم وكان ودودا لا يعتدى على احد.

ومن الشخصيات التي أسهمت في تشكيل وجدانه والدته فكانت تشجعه على القراءة اذ كانت شاعرة من شاعرات الشايقية، وقد نظمت فيه أشعارا كثيرة، وكانت تجالسه لساعات طويلة تتكلم فيه معه في الشعر والأمثال. ثم انتقل الى المرحلة الثانوية إلى مدرسة خور طقت ومن ثم الى جامعة الخرطوم كلية الاداب في العام 1963 ثم غادر الى روسيا للمرة الأولى في العام 1966 حيث التحق بجامعة الصداقة بموسكو وحصل منه على درجة الماجستير في الادب الروسي في العام 1973 وكذلك حصل على دبلوم الترجمة من الروسية الى العربية. وعاد الى السودان في 1973 وعمل في وزارة الثقافة والإعلام وصدر له في نفس العام ديوانه الاول الرحيل فى الليل، وعمل أيضا في الملاحق الثقافية وفي مجلة "الشعر" المصرية وكذلك في لوتس والهلال المصرية. كما أنه كان أول سكرتير تحرير لمجلة "الثقافة السودانية" من 1976 الى 1987 وعمل مدرسا في شعبة اللغة الروسية بجامعة الخرطوم.

• الاتحاد السوفيتى جغرافيا مشتركة

يحثنا الدكتور كمال الجزولي عن الراحل أبوذكرى قائلا: ظللنا أصدقاء حتى رحيله، وجزء من هذه السنوات عشناها في جغرافيا مشتركة هي الاتحاد السوفيتي السابق وتحديدا من 68 الى العام الذي تخرج فيه وهو عاد الى السودان ليعمل بجامعة الخرطوم بالمركز الثقافي السوفيتي وعدت أنا، ثم غادر هو مرة أخرى الى موسكو لإعداد رسالة الدكتورة والتقينا هنالك وكان ذلك في 1987 وهي الفترة التي لاحظت فيه ان تغيرات كبيرة قد طرات على ابوذكرى.

وكنا نشكل ثنائيا انسانيا أنا وهو وكان ضلعنا الثالث عرابنا الشاعر الراحل جيلى عبدالرحمن ولم يكن خافيا علينا أنه كان شديد الحساسية وذا مزاج متقلب أحيانا، ولكن لم نتصور أنه كان يفكر في الانتحار عندما أقدم في أواخر 1989 على وضع حد لحياته القصيرة.

إذا عدنا بذاكرتنا الى الوراء نجد الكثير من اللحظات التي شكلت مزاج الانتحار لديه لعل أهمها الخطاب المفصح الذي ارسله الى صديقه كمال الجزولي في 1970 قائلا له صراحة إنه يفكر في ذلك الشيء الذى قال عنه مايكو كوفسكي شاعر الثورة الروسية الكبير الذي أحدث أثرا عظيما على حركة الشعر العالمي واتجاهات الحداثة، وتأثر ابوذكرى بمدرسته إذ كنا شديدي الاعجاب والحب له بل كانت لنا محاولات في تجربته ولكن على ما يبدو أن الأمر بالنسبة لابو ذكرى كان متجاوزا لمجرد الاعجاب والحب الى تمثل نهايته الفاجعة ولم ننتبه في وقته لذلك - ومازال الحديث للجزولي - إذ يرى ان ثمة حدثين عظيمين على مستوى السودان وعلى مستوى البلد الذي قضى فيه أهم سنوات حياته وأنجز فيه أهم إنجازته الاكاديمية وربما الشعرية ايضا وهو الاتحاد السوفيتي، وفي السودان كان قد وقع انقلاب جبهة الاسلام وقضى على الديمقراطية الثالثة علما بأن ابوذكرى مثله مثل كل المبدعين من أبناء جيله كان قد سخر كل سنوات شبابه في مقاومة ذلك النظام، ووقوع انقلاب مايو العسكري أحدث دلالة فاجعة بالنسة له.

• البيروستيكا

يعرّف الطب النفسي الاكتئاب بأنه مرض قد يصيب الإنسان في لحظة من لحظات عمره إثر أزمة خارجية أو فقدان صديق شعر بالحزن والضياع ومثل هذا الشعور نجده يسيطر على البعض بصورة أقوى وأطول مما هو معتاد لهذا نسمى مثل هؤلاء المصابين ان نشاط الشخص يضعف وعلاقاته تتقلص وليس نادرا ان تنتهى حياته بالانتحار وذلك التصرف اليائس في نظر المكتئب وكأنه البديل الوحيد لأحزانه.

الأحداث التي كانت تجرى في الاتحاد السوفيتي بقيادة غروباتشوف بما يسمى بـ "البيروستيكا" وتحت هذا المسمى تم الاستغناء عن ابو ذكرى كأستاذ للأدب الروسي اذا كان ابوذكرى رافضا وناقدا لتلك العمليات التي حادت عن طريقه.

ويرى الجزولى أن هنالك أشياء كثيرة على المستوى الشخصي تراكمت تراكما كميا باتجاه افتقاده الرغبة في مواصلة الحياة. وأقول هذا وفي ذهني المحاولات البسيطة لبعض الناس غير العارفين بالفقيد ولكنه في نفس الوقت سعوا إلى إشاعة كلام غير صحيح عنه خصوصا عن دوافعه للانتحار، وصار كل منهم يبحث عن سبب وحيد يحمله مسؤلية انتحارها، انا ادعو الجميع للابتعاد عن مثل هذه الأقاويل لأنه تسىء للراحل في حين أن المطلوب هو تبصير حياته ورحيله الدراماتيكي في منتصف الاربعنييات.

لم يكن يطرق موضوع الموت بشكله البيولوجى المباشر، بل كان شديد الانتماء الى موضوع الصعود والهبوط الوجوديين، وهي موضوعة فلسفية غير أنه ظل يعبر عنه شعريا.

نص "موتنا" كتبه في مرحلته الجامعية يقول فيه:

وهنا نموت على الرصيف

بلا صديق

من غير دار

من غير نار

غير المساء والبرد والعطش القرير.

يقول دكتور حيدر في شهادته فى كتاب ابوذكرى اخذ زهور حياته ورحل، أنا أعرفه جيدا ولا أعتقد انه انتحر لأنه قبل وفاته أجرى عملية في عينيه لضعف نظره وأرى أنه وقع من شرفة بلكونته لقصر حائطه وقد غسلت جثمانه بنفسي.

ويفند تلك الشهادة آنفة الذكر الدكتور حيدر سيد احمد ويقول إن المبانى الروسية وتحديدا الداخليات متشابهة وذات طراز عتيق وحائط بلكوناته يصل طوله الى صدر الرجل الطويل ولا يمكن الزعم أن احدا قد وقع عن طريق الخطأ، والدلالة على ذلك أنه في آخر سنواتنا ان طالبة سودانية قد اتنحرت ولكى تنجح في انتحارها وضعت كرسيا حتى تتمكن من الصعود الى إعلى الحائط ان الجميع دون استثناء في روسيا تحديدا يوكدون واقعة الانتحار، وذلك للدلال التي كانت تكتنف حياة ابوذكرة كعزلته واضطرابه.

يقول في مذكراته: الخوف من الناس عندي لأنني حساس اكثر من اللازم ووسامتى وما سببته لي من مشاكل فى الصغر.

ويوكد بدوى الأمين ما ذهب اليه حيدر إذ يقول ان أبوذكرى كان يتحدث في غرفته عن الانتحار قائلا إن موضوع الاتنحار دا بسيط وكفاية انو الواحد يفتح الشباك دا ويتلب ينط والمسالة تنتهى وعندما سمع نبأ اتنحار هلم اتفاجا وأعتقد ان الاكتئاب وانتحاره يرجع الى إحساسه بالإحباط بعد انقلاب الثلاثين من يونيو/حزيران.