نقولا زيادة: 76 عاماً من السفر في الذات والمدن

القاهرة ـ من سعد القرش
رحلات مثقف شامي في اسيا وأوروبا والشمال الافريقي

تتدفق السيرة الذاتية للمؤرخ والمفكر الفلسطيني الراحل نقولا زيادة في سلاسة وعذوبة حاملة ذكريات تتجاوز الشخص الى المكان-الوطن وأوطان ومدن سافر اليها من الهند شرقاً الى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا غرباً مروراً بكثير من المدن العربية.

ويبدأ رحلاته باثبات انتماء أبويه الى بلدة الناصرة "في شمال فلسطين وهي البلدة التي أنجبت السيدة العذراء أم المسيح" ثم التحق بمدرسة في جنين.
وفي نهاية الحرب العالمية الاولى كان مركز الطيران العسكري الالماني يتخذ عام 1918 من المدرسة مسكناً وكان التلاميذ يقضون النهار في الازقة "وبعد الاحتلال البريطاني حل ضباط انجليز مكانهم (الالمان) لبعض الوقت ولذلك فان المدرسة فتحت في مطلع سنة 1919 ودخلنا المدرسة".

وولد زيادة في دمشق حيث كان أبوه يعمل مساعد مهندس في "سكة حديد الحجاز" التي كان الالمان يسيطرون عليها في بداية القرن العشرين وكان العرب يتعرضون لبعض الاذى بسبب قوة نفوذ الالمان لدى تركيا ومع مطلع 1914 اضطر أبوه لترك العمل وعمل سائقاً للترامواي بدمشق.

ثم طلب الاب للجندية مع نشوب الحرب وسنه 35 عاماً لكنه دفع "البدل" وقدره 40 ليرة عثمانية (نصفها ذهباً ونصفها الاخر ورقاً) ليعفى من التجنيد وبعد شهرين طلب للتجنيد مرة ثانية ودفع البدل مرة ثانية.
ويبدو أن المسؤولين تلاعبوا بالايصالات فاستدعي للتجنيد مرة ثالثة وعجز عن الدفع "لذلك سيق عبده عبد الله زيادة جندياً" عام 1915 والتحق بفرقة مكلفة بمهاجمة مصر للهجوم على التحصينات البريطانية.

ولا تخلو السيرة من خفة ظل وسلاسة تتدفق بين السطور؛ فبعد جهد عرفت الاسرة أن والد نقولا زيادة يقيم مع الاسرة مؤقتا في "جامع المعلقة" بدمشق ولم يسمح الضابط التركي لزوجته بدخول الجامع لكنهم سمحوا للطفل نقولا الذي ظل يتردد عليه ويحمل اليه "بعض ما تيسر وكان كل شيء يفتش تفتيشاً دقيقاً بدون لهجة لطف أو ما الى ذلك".

والسيرة أبعد وأعمق من مجرد رحلة فرد فهو يسجل مثلا أن الدولة العثمانية أدخلت قبيل الحرب العالمية الاولى النقد الورقي لكنها كانت تدفع نصف معاشات الموظفين في المؤسسات الرسمية ذهباً والنصف الثاني ورقاً وأمرت بأن يكون تعامل الناس على هذا الاساس حتى ان جاراً لهم تسلم ليرة ذهبية وأخرى ورقية فلف الذهبية بالورقية وهو لا يعرف ماهية الليرة الورقية ظناً منه أنها للحفاظ على الليرة الذهبية.

كما يسجل أنه حين ذهب الى مستشفى للبحث عن أبيه دخل قسم الموتى حيث كانت الجثث ملقاة على الارض بلا اهتمام "لم يكن هناك مكان لحفظ الجثث" التي لا يعثر أصحابها عليها فكانت تحمل وتحفر لها قبور جماعية وأحياناً يطلب الى رجل دين مسلم أو مسيحي أن يصلي عليها قبل الدفن الجماعي.
"ولكن حتى هذا لم يحدث دائما" ومات الاب غريباً وعادت الاسرة للناصرة عام 1916 ثم الى جنين وهي تعاني ضيق العيش فباعت أمه "أشياء بيتية" حملوها من دمشق وعرضت للبيع "السجادة العجمية الوحيدة التي بقيت عندنا" واشتراها ضابط بريطاني بخمسة عشر جنيهاً مصرياً.

وصدر كتاب "حول العالم في 76 عاماً..رحلات مثقف شامي في اسيا وأوروبا والشمال الافريقي 1916-1992" في الذكرى الاولى لرحيل زيادة ويقع في 559 صفحة كبيرة القطع في نشر مشترك بين المؤسسة العربية للدراسات والنشر ودار السويدي ضمن سلسلة "ارتياد الافاق" التي يشرف عليها الشاعر السوري نوري الجراح.

ووصف زيادة هذه السلسلة في مقدمة قصيرة كتبها في نهاية 2005 لهذا المجلد بأنها "أول وأهم مشروع من نوعه يهتم بالادب الجغرافي".

وقال الجراح في المقدمة ان زيادة (1907-2006) وضع نحو 65 كتاباً تأليفاً وترجمة في مجالات التاريخ والتاريخ المتداخل مع الجغرافيا السيرة الذاتية- الموضوعية وأصبح بعطاءاته علماً من أعلام الثقافة العربية الحديثة.

وأضاف أنه ظل حتى أيامه الاخيرة يقرأ ويبحث واصفاً اياه بأنه مثقف موسوعي "قومي عربي ذو نزعة انسانية تأسست نظرته على احترام الاخر أيا تكن قوميته أو عقيدته الدينية أو نزعته الفكرية ما دام شريكاً في بناء الحضارة وليس في تدميرها".

ومن الرحلات المبكرة لزيادة قيامه عام 1925 مع أحد أصدقائه برحلات من فلسطين الى عدة مناطق بالشام "وضاعت الصور المتعلقة بهذه الرحلة لما نهب بيتي في القدس سنة 1948" وانتهت الرحلة بأنطاكية التي كانت "جزءاً من لواء الاسكندرونة الذي كانت تديره فرنسا كما كانت تدير سوريا بأجمعها ولذلك كان لايزال جزءاً من سوريا" قبل ضمه الى تركيا عام 1939.

ويقول بعد أن تجول في بعض القرى "الذي عرفته يومها أنني كنت في جزء من أجزاء بلد عربي. في المنطقة عدد من الاتراك لكن هذا لم يكن يبرر المطالبة بضم سنجق أو لواء الاسكندرون الى تركيا. ومع ذلك فقد ضم نتيجة استفتاء أجرته عصبة الامم التي قامت في أعقاب الحرب العالمية الاولى وخرجت بنتيجة أن أكثرية السكان صوتوا الى جانب الانضمام الى تركيا لانهم أتراك".

"والواقع كما أخبرني الكولونيل نيوكمب بعد ذلك بسنوات وكانت له يد في العملية هو أن السكان لم يوزعوا بحسب عنصريتهم أي العرب معا والاتراك معا.اذ في هذه الحالة سيكون العرب هم الاكثرية المطلقة لكنهم وزعوا سنة -عربا وأتراكا- وعلويين وشيعة ومسيحيين. واعتبروا السنة جميعهم تابعين للمذهب الذي يقبله الاتراك.وعند الاستفتاء ظهر أن الاتراك -أي السنة- هم الاكثرية. وباختصار لف الطابق لمصلحة تركيا وضم اليها وأصبح اسمه ولاية هيتاي".

وعمل زيادة مساعداً لمدير المعارف في برقة عام 1949 ويسجل بعض ملامح الحياة في ليبيا آنذاك قائلا إن العملة المستعملة هناك كانت الجنيه المصري وإن الإيطاليين عملوا على طلينة السكان "وهذه الطلينة التي قامت على الحراب نجحت إلى درجة ما".
كما منعوا التعليم إلا لأقلية صغيرة ومنعوا عنهم الكتب التي كان اقتناؤها "أمراً يعاقب عليه القانون" وكان المنهج التعليمي مصرياً حيث يتعلم التلاميذ تاريخ مصر وجغرافيتها "ولا يعرفون إلا القليل عن بلادهم".

كما يصف جانباً من سيكولوجية الغرب في ثلاثينيات القرن العشرين فالألماني "يشعر بأنه عريان إذا لم يلبس ثوب الجندية" أما انطباعه الأول عن باريس فهو أنها "غانية تجيد تجميل نفسها وتحسن اختيار زيها وثيابها" مضيفاً أنه تفاعل مع تجاربه في الغرب "مسالماً..ومخاصماً..ومتأثراً" على عكس كثيرين من العرب الذين يتعلمون في لندن وباريس والولايات المتحدة ثم يعودون إلى بلادهم بلا أثر لما درسوه "لا فكراً ولا اجتماعاً ولا لغة".

وتحت عنوان "الناس والثقافة في الخليج" يتناول رحلاته واهتمامه بالمستقبل "باعتباري قومياً عربياً في الصميم" فمثلا يسجل اهتمام الكويت بالبعثات العلمية وأن 85 بالمئة من أساتذة جامعة الكويت في نهاية ستينيات القرن العشرين كانوا مصريين كما كان القائمون على الشؤون العلمية تعليماً وإدارة بجامعة قطر حتى عام 1977 من المصريين.

ومن بين العواصم العربية التي سحرته جغرافيا الجزائر التي "تلقي غاباتها عليها ظلالها وتطل عليها حنوا وعطفا فإذا اطمأنت إلى المتعة والحنو والعطف اتخذت من البحر لها قبلة ووجهة فاتسعت آفاقها باتساعه".

وينطلق زيادة في رحلاته وأفكاره من شعور عروبي بارز فيقول "أنا مسيحي لكنني عربي وأعيش بين المسلمين. أشعر أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارتي وهي تراثي الثقافي والفكري".

ويكتب تحت عنوان "رحلتان إلى القاهرة 1933-1934" كيف جاء من حيفا إلى مصر في قطار عبر شبه جزيرة سيناء حيث كان القطار يحملهم إلى القنطرة على قناة السويس حيث يقوم بفحص الجوازات والتفتيش الجمركي موظفون مصريون كما "يقومون بالعمل نيابة عن الجمرك الفلسطيني بالنسبة للقطار العائد إلى حيفا" ونزل في فندق بشارع فؤاد الأول مقابل 25 قرشاً لليلة الواحدة.

ويضيف تحت عنوان "هذه هي المدينة" أنه في القاهرة رأى "مدينة لأول مرة. القدس ودمشق وحلب وبيروت بدت لي قرى كبيرة جدا بالنسبة إلى هذه المدينة...فيها رأيت لأول مرة المخزن (المحل متعدد الطوابق) الكبير الذي يمكنك أن تدخل إليه ومعك الفلوس اللازمة فتخرج منه وقد ابتعت كل ما يلزم عروسك من جهاز...في القاهرة عرفت معنى المتحف...باختصار بهرتني القاهرة المدينة وبهرتني القاهرة الجميلة بشوارعها العريضة بقصورها الفخمة بدار الأوبرا" مشدداً على أن اهتمامه بتطور المدينة العربية الإسلامية ومؤسساتها وارتباطها بنمط الدولة يعود إلى ما تركته القاهرة في نفسه من آثار لكونها مدينة.

ويكتب أنه أصر على تسلق الهرم "وقفت على قمة هرم الجيزة الأكبر وألقيت بنظرة إلى ما انبسط أمامي فرأيت دنيا تآمرت الطبيعة والإنسان على إقامتها وتزويقها وزخرفتها فقد حباها الله بماء النيل الذي يحيي الأرض ويبعث فيها الروح والريحان...ورأيت يومها أمامي على شيء من البعد جبل المقطم الذي تسلقته إلى القمة أيضا بعد بضعة أيام...بين المقطم والأهرام نشر التاريخ أمجاده".

ولم تقتصر زيارته لمصر على الآثار إذ اقترب من نبض الحركة الفكرية بداية من لقائه برئيس تحرير (المقتطف) فؤاد صروف ثم توطدت علاقته بآخرين منهم أحمد أمين ومحمد عوض محمد وأحمد حسن الزيات ومكرم عبيد و" شيخ العروبة أحمد زكي...لم يكن كثيرون من العاملين في مجال الفكر أو حتى في مجال السياسة في مصر يعرفون ما فيه الكفاية عن قضية فلسطين وما يجري فيها لكن أحمد زكي باشا شيخ العروبة كان يعرف".

ويورد نصوص رسائل من القاهرة لأصدقائه يصف في بعضها كيف يقضي أمسياته في شارع عماد الدين حيث المسارح والممثلين البارزين منهم نجيب الريحاني ويوسف وهبي "فليست بيروت ودمشق وحلب بالشيء الذي يذكر أمام القاهرة...في القاهرة ترى كل شيء وتجد كل شيء. الماضي السحيق والحاضر الجديد...فأنت تستعرض في مصر كل ما مر على العالم من حوادث منذ أن عرف البشر البناء والكتابة إلى أن حلقوا في الجو طائرين".

ويسجل جانباً من الحياة الاجتماعية في تلك الفترة بكثير من الدهشة والإكبار فمن غير الممكن "إذا استثنيت بعض الأحياء البلدية (الشعبية) أن تفرق بين السيدة المسلمة والمسيحية فليس هناك حجاب إلا في الأحياء المتقدمة" مضيفاً أنه كان يمر بالقرب من مدرسة للمعلمات بحي السيدة زينب ورأى مدرسات وطالبات بلا حجاب.