نقل واقعي لما بعد الحرب الأهلية الإسبانية في 'البحر'

أحداث رواية الشاعر الإسباني بلاي بونيت تتحرك في إحدى المصحات المخصصة لمرضى أمراض تنفسية في جزيرة إسبانية حيث الأغلبية فتيان تذوي حيواتهم شيئًا فشيئًا ويرون هذا دون قدرة على تغيير واقعهم أو فعل أي شيء للشفاء.


فكرة الذنب والخطيئة في الديانة المسيحية المُحرك الرئيس للشخصيتين الأساسيتين في العمل

تقع أحداث رواية "البحر" للروائي والشاعر الإسباني بلاي بونيت، الصادرة في طبعتها الإسبانية عام 1958 والتي ترجمها أخيرا عبدالسلام باشا، في سنوات ما بعد الحرب الأهلية الإسبانية، في إحدى المصحات المخصصة لمرضى الأمراض التنفسية في جزيرة مايوركا الإسبانية، حيث الأغلبية من الفتيان والشباب الذين تذوي حيواتهم شيئًا فشيئًا، ويرون هذا، دون قدرة على تغيير واقعهم أو فعل أي شيء للشفاء.

وتشكل فكرة الذنب والخطيئة في الديانة المسيحية المُحرك الرئيس للشخصيتين الأساسيتين في العمل، فمن جانب، أصبح اليأس من الشفاء وانتظار الموت دافعين لمحاولة التطهر والندم، ومن جانب آخر، كانا يدفعان للوصول لأقصى مدى في ارتكاب الخطيئة. هاتان الشخصيتان مهووستان بالرب والعنف والجنس والقتل.

هذا العمل الصادر عن دار صفصافة، تجسيد به واقعية أكثر من الخيال لفترة ما بعد الحرب الأهلية الإسبانية. الأصوات السردية الأربعة في العمل تكشف، ببساطة ودون مبالغات أو افتعالات، عن واقعٍ مُشبعٍ بقسوة الحروب والفقر الذي تخلفه. ومن اللافت للنظر في هذا العمل، المكتوب والمنشور في عزِّ قوة وبطش ديكتاتُورية فرانكو، وجود الإشارات غير المباشرة لقسوة الحرب الأهلية الإسبانية.

بلاي بونيت "1997 ـ 1926" من جزيرة "بالما دي مايوركا" كان يكتب باللغة الكتالونية التي كانت لغة مطاردة وممنوعة على المستوى الرسمي أثناء ديكتاتورية فرانكو. ربما منحته عزلته وابتعاده عن الأضواء مساحة كبيرة من الحرية لينتج إبداعا رفيعا على مستوى اللغة والبناء، والجرأة أيضا. وقد شهد بلاوي الحرب الأهلية وفظائعها أثناء طفولته وصباه، وهو ما ضمنه في أعماله السردية والشعرية برهافة وإتقان فني، دون ديماغوجية زاعقة أو كلمات مباشرة.


مقتطف من الرواية

مانويل تُور

كان الطريق لامعًا بين غابات الصنوبر والسنديان وأشجار الزيتون، والتي كانت تسمح برؤية الصخور الرمادية بين طبقات الخضرة والظل. كان لون أشجار السنديان زيتونيًّا شاحبًا هادئًا، أخضرَ جافًّا كزي الجنود. كانت بقعة الشمس الطويلة الرفيعة بجوار غابة السنديان، وتبدو مُتحركةً فوق قمم الأشجار متعددة الألوان. كان الظلُّ كاملًا على الجانب الآخر من الطريق، في الغابة ذات الأشجار العالية، كأنه عتمة سوداء. كانت أشجار السنديان تهبط الجبل في تتابع رتيب للون الأخضر الغامق، والذي يتوقف أمام المدينة الرمادية، التي تبدو بناياتها متراكمة واحدة فوق الأخرى. والكاتدرائية، التي تشبه بقعة بيضاء ضخمة، في المنتصف.

السهلُ جميلٌ، عذبٌ، منطوٍ على نفسه. بقعةٌ سوداء طويلة، لأشجار متعددة الأنواع في الظل، تغطي الحقول من طرف إلى آخر. السهل هادئ، حيٌّ، مثل بحر.

تُعتم الأرض وقمم أشجار السنديان بين الهواء الساخن والسحب الرمادية والبيضاء. وفي وقت الغروب، تصبح السماء عكرة، بزرقة خفيفة، كمدية مفتوحة على البحر. بعد ذلك، مرة أخرى، يصبح الضباب كالرصاص الداكن، كالرماد المتناثر في الهواء، كغبار الزجاج، كالفطريات الحية، كالرمال المتسخة، كالصخور المتكلسة.

وأمام حاجز الشرفة كان الغاب الأخضر والرمادي والأزرق يتمايل سامقًا وعاليًا بحرية لا نفع لها. كانت فتحة النافذة تمتلئ بحركة الغاب ومرور السحب فوق أشجار السنديان السوداء، الكثيفة المنحدرة.

أضعُ يديَّ على جبهتي وأشعر بالعرق الذي يلتصق بأصابعي. أنظرُ لليد اللامعة المبتلة. سقطت بضع قطرات كبيرة قوية متباعدة على قرميد النافذة الأحمر.

ـ إلى اللقاء!

كان وجه أندريو رامايو ممصوصًا، شفته السفلى بارزة، مقلتا عينيه سوداوان، وحرَّك يده بتحية من الشرفة.

ـ مانويل تُور.

ـ أهلًا يا أختِ.

ـ رسالة.

ـ أشكرك.

ـ رسالة من بيتك.

خرجت الراهبة فرانثسيكا لونا، الشاحبة وبالغة التركيز، إلى الممر حيث تقوم بتوزيع الخطابات بالنداء على اسم كل فردٍ. أفتحُ الرسالة متوترًا، كأنني أفضُّ تلغرافًا. صدر صريرٌ عن الورق.

5 مارس 1942

أخي العزيز:

تلقينا رسالتيك ويجب أن تسامحنا لأننا لم نكتب لك قبل الآن. لا يتعلق الأمر بأننا لا نفكر بك أو نسيناك، لكن الوقت يمر وسقطَ خوليانيتو مريضًا ولم نتوقف عن حمله من هنا إلى هناك لأنه يبكي باستمرار. ولن تستطيع أمنا أن تذهب يوم الخميس إلى المصحة لأنها تذهب للعمل باليومية في الحقول مع ماتيو كلار، ولم يدفعوا لها هذا الأسبوع، والذهاب إلى المصحة يُكلِّف خمسين بيزيتا، وتطلب منك ألا تقلق وتقول لك إنها ستذهب فور استطاعتها. كنا نودُ الذهاب يوم الأحد لأننا قلنا لك هذا، لكننا لم نخرج طوال اليوم بسبب شُحِّ المال، وفي منتصف النهار أكلنا بضع كريات من الطحين والسبانخ، وفي الليل تناولنا برتقالة، وتشاجر بيبيه مع ماما لأن سينما "ريكرياتيفو" كانت تعرض "جسر واترلو"، وكان يرغب بالذهاب لكننا لم نكن نمتلك مالًا، وجاء أصدقاؤه وسألوه لمَاذا لم يخرج، ولم يقل أي شيء فرحلوا.

لم نأتِ بالمقاعد الجديدة بعد لأن الظروف لم تسمح. كل واحد منها سعره خمسين بيزيتا، ولا نستطيع دفع هذا المبلغ، فأنت تعرف أننا نعيش في بؤس منذ قتلوا بابا في الحرب. وعندما يأتي مُحصل الكهرباء، تأخذ ماما في البكاء لأنها لا تستطيع الدفع، وتقول إنها لا تمتلك أوراقًا مالية صغيرة، ويصرخ المُحصل، وبعد ذلك يحدث لماما الأمر الذي تعرفه.

بالأمس كسر خطيب ماجدالينا مقعدًا آخر عندما جلس عليه، وشعرنا جميعًا بالخجل، فالمقاعد متعفنة في الداخل ولا تتحمَّل أكثر من هذا.

بيبيه يتناول الآن دواء "تريكالثين"، وأصبح أكثر شحوبًا ولا يريد تناول الطعام لأنه لا يحب خبز الذرة، لأنه ينتفش كثيرًا، ويقول السيد أونوفريه إن ذهابه إلى المصحة أفضل لأن جو الريف صحيٌّ للغاية في هذه الحالات.

تقول لك ماما ألا تلقي الخبز الذي يفيض عن حاجتك، وتطلب منك أن تحتفظ به وهي ستحمله إلى البيت، فعلى الرغم من أنه سيكون جافًّا، إلا أنها ستنقعه في الماء فيصبح طريًّا وبعد ذلك تضعه في الفرن فيكون شهيًّا.

لا يمكنني الكتابة لك أكثر من هذا لأن خوليانيتو يبكي في الفراش، وهو يحب التنزه فقط. لقد بدأ في المشي ويقول بابا وماما وأصبح رجلًا صغيرًا، أجمل رجال العالم، ومن غيري سيقول هذا؟

عناق من أمك وإخوتك

أبولونيا تُور

يلفُّني الصمت، الورقة بين يديّ، أنظرُ إلى ساقيّ الناتئتين تحت الملاءات، والضوء الذي يدخل من النافذة المفتوحة يُذكرني بالجير الذي يُلقونه على الموتى بأمراض القلب لكي لا تنتفخ جثثهم. لا أعرف لماذا يُذكرني الضوء بالجير. إنها فكرة غريبة. كُلنا هنا نهذي، نحيفون، كأننا مغروسون في الجير. ونتحدث ونفكر ونتبادل المشاعر دون أي شخصانية، كأننا فرد واحد، بصوت مقزز كأنه موتٌ حيٌّ... الحياة في المصحة كأنها القليل من الأفيون الذي ندخنه، وأنا بشراهة أكبر، لأن المقاعد المسوسة في بيت أمي لا تدعني أنام.

يسقطُ المطر بعنفٍ. ستارة المطر، برائحته على الأرض الجافة، تغطي كل الحقول وتهز أشجار التوت في الطريق. ولا يمكن رؤية الغاب خلف المطر. المرآة المُعلقة فوق الحوض تعكس المطر والأعمدة البيضاء في الشرفة. مثل ذلك الماء عندما كان أندريو رامايو يحكي لي خطيئته، وعضضت على لساني لكيلا أسمعه حتى أدمى. كان قد وقع في الخطيئة بلسانه الأبيض لأنه كان وحيدًا.

دخل جوردي ميركادير غرفتي بوجهه العريض الصريح، ووقف أمامي بتحية عسكرية.

ـ تحت أمرك يا سيدي القائد!

تلمع عينا جوردي ميركادير شفقةً.

ـ يقف أمامك الضابط الثاني للمدمرة "ألهوثيماس".

اقترب جوردي ميركادير من الفراش، وبدا طويلًا، وقلت له:

ـ الثاني...

ـ هل أعجبتك "أسرار كولومبيا"؟

ـ نعم...

ـ ستعيد قراءتها؟

ـ نعم. سأعيدها.

ـ السر الثاني المؤلم عندما جلدوا بونيتكو أربعين جلدة وجرجروه في مهانة من مكان لآخر كأنه ممسحة حقيرة.