نقل اليورانيوم من العراق: عملية مريبة وأكاذيب أميركية مفضوحة

بقلم: د. كاظم المقدادي

قبل بضعة أيام كشف مسؤولون أميركيون ودوليون النقاب عن أن سلطة الإحتلال نقلت سراً من منشأة نووية عراقية سابقة أكثر من 1.7 طن من اليورانيوم منخفض التخصيب، وما يقرب من 1000 مصدر ذي قدرات إشعاعية عالية، ونقلتها للولايات المتحدة لتخزينها في منشاَت لوزارة الطاقة الأميركية. وقد نفذت وزارة الدفاع (البنتاغون) ووزارة الطاقة الأميركية عملية النقل جوا وقامتا بخزن المواد في موقع أميركي غير معلوم قبل خمسة أيام من نقل السلطة للحكومة العراقية المؤقتة. وذكر البنتاغون في بيان له في 6/7/2004، أن تلك المواد تمت مصادرتها من موقع "التويثة"- أحد أهم المواقع في البرنامج النووي العراقي، قبل ان يغلق عقب حرب الخليج الثانية عام 1991، وكان المقر الرئيس لهيئة الطاقة النووية العراقية قبل أن تحل من قبل سلطة الإحتلال. وشارك في العملية السرية نحو 20 خبيرًا أميركيًّا. وأوضح بريان ويلكس، المتحدث باسم إدارة الأمن النووي القومي التابعة لوزارة الطاقة الأميركية، بأن ما نقل يشمل، بالإضافة الى اليورانيوم، مصادر "ذات قدرات إشعاعية عالية" أخرى، ومنها نظائر مشعة لعناصر الكوبلت، والسيزيوم، والأسترنتيوم. وأضاف بإن مثل هذه المواد المشعة تستخدم بصورة شائعة في أغراض طبية مثل علاج السرطان وتعقيم الأدوات الطبية.
وفي 8/7/2004 نشر مكتب رئيس الوزراء العراقي تصريحا للدكتور أياد علاوي، جاء فيه نصاً: "انني الان استطيع ان اعلن لكم بان وزارة الدفاع الاميركية و وزارة الطاقة الاميركية قد اكملتا عملية مشتركة لتأمين و نقل مواد مشعة و نووية و التي قد تكون قد استخدمت من قبل النظام السابق او قد طورت بحيث تستخدم في برامج اسلحة الدمار الشامل. ما يقارب حوالي 1.77 طن مكعب من اليورانيوم الواطيء التخصيب وحوالي 1000 مصدر من المصادر العالية الاشعاع قد وجدت في منشآت هيئة البحث و التطوير العراقية السابقة و قد تم نقلها بامان الى الولايات المتحدة الاميركية. بالاضافة الى مواد ذات تأثير منخفض والتي ابقي عليها في داخل العراق بعد ان تم تغليفها و عزلها وفقا لاعلى المعايير و التعليمات الدولية للسلامة والتي تمت من قبل وزارة الطاقة الاميركية بالاضافة الى ابقاء المواد التي تستخدم للاغراض التي تدخل مجال الطب و الزراعة و الصناعة في داخل العراق". من جانبه أعلن الدكتور موفق الربيعي مستشار الامن القومي في العراق، في مؤتمر صحفي، يوم 11/7/2004، جازماً، بأن "الحكومة العراقية وافقت على نقل مواد نووية مشعة وجدت في 6 مناطق عراقية الى الولايات المتحدة لحرمان الارهابي الزرقاوي من الحصول عليها"، وأن "العملية تمت بعلم الحكومة العراقية ومصادقتها وموافقتها"، وكأنه أراد ان يقول بأن له دور في العملية كمسشار للأمن القومي، ناسياً او متناسياً بأن المسؤولين الأميركيين أعلنوا قبله بأنهم "أبلغوا الحكومة العراقية" بالعملية، ولم يذكروا أنها تمت بموافقتها. أما زعم الربيعي بأن المواد التي نقلت وجدت عبر مسح جوي في أرجاء العراق، فهو مردود، إذ أن الأميركان ورئيس الوزراء العراقي أكدوا أنها كانت موجودة في منشآت هيئة البحث و التطوير العراقية السابقة.
ولو تجاوزنا هذا التناقض، فأن تأكيد رئيس الوزراء الدكتور أياد علاوي للعالم أجمع بأنه لا توجد لدى حكومته المؤقتة النية أو الرغبة في استئناف البرامج النووية في المستقبل، وإعلانه بإن بلادنا لا ترحب بوجود تلك المواد على أراضيها لأنها تعتبرها أسلحة دمار محتملة، ووعده بأن حكومته ستوجه جميع مصادرنا ومواردنا نحو تنمية الاقتصاد العراقي و السلامة والامن الوطنيين، وستكرس جهودها في سبيل تحسين مستوى رفاهية الشعب بدلا من تبديد ثروات البلاد على أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة غير الشرعية.. مبادرة تستحق التثمين والإحترام والتأييد والدعم!
بيد أن عملية السطو على تلك المواد العراقية ومصادرتها من قبل الحكومة الأميركية بإلإسلوب،الذي تمت فيه وكان اقرب الى أساليب" الكاوبوي"، ونقلها الى الولايات المتحدة بطريقة سرية " بهلوانية"، من دون إذن من الجهات صاحبة الشأن، والتصريحات المتناقضة، والأكاذيب الأميركية بشأن الغرض منها، تجعلنا أن نعتبرها وبصراحة عملية لصوصية مريبة، مشكوك بما أعلن عنها. ونعدها، من جهة أخرى، سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، لا ينبغي السكوت عنها، خصوصاً في ظل إنعدام ضمانات عدم تكرارها مع مواد أخرى، أو ممتلكات أخرى، غير ناسين بان عمليات نهب وتهريب لكنوز عراقية سبقتها في ظل سلطة الإحتلال.
نقول هذا وقد بينت التصريحات الكثيرة، التي أطلقها مسؤولون أميركيون عقب كشف النقاب عن العملية، بما لا يقبل الشك، بأنه لم يكن يدور في خلد الإدارة الأميركية إن تتم العملية برمتها بعلم، ناهيكم عن موافقة، لا الحكومة العراقية المؤقتة، ممثلة للبلد صاحب المواد المنقولة، ولا الأمم المتحدة، صاحبة الإختصاص، مع أن الإدارة الأميركية بأمس الحاجة إليها اليوم، وتسعى لإستمالتها والضغط عليها، في اَن، بعد أن تجاهلتها من قبل، بإسلوب فض، لتساعدها على الخروج من مأزقها في العراق. فقد إدعت الإدارة الأميركية أن العملية "تمت بموافقة الأمم المتحدة"،بينما اتضح بأنها كذبت، فلم تأخذ موافقتها، وإنما قامت بإبلاغ مسؤول واحد فيها حسب وبعد تنفيذ العملية. وهذا ما كشفه المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA د. محمد البرادعي،الذي أقر بأنه على علم بالعملية، وأوضح في رسالة وزعت على اعضاء مجلس الامن، وسمح بنشرها في 7/7/2004، بان ‏الولايات المتحدة كانت ابلغته قبل عام، وتحديداً في 19 حزيران/يونيو 2003، بإن واشنطن تنوي نقل بعض المواد النووية المخزنة في منشأة التويثة إلى الولايات المتحدة لدواع أمنية. ولذات الدواعي طلبت منه الصمت. وفي 30 حزيران/ يونيو 2004، أبلغته بان عملية نقل المواد النووية من ‏العراق قد تمت في 23/6/2004، أي بعد أسبوع كامل من تنفيذها. وفي كلتا الحالتين لم تطلب من وكالته الموافقة. وبذلك فند مزاعم وزير الطاقة الأميركية سبنسر إبراهام القائلة بأن حكومة بوش أبلغت كلاً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمسؤولين العراقيين بالأمر قبل نقل المواد من العراق. وتراجعت وزارته فيما بعد بإدعائها بانها صادرت المواد المذكورة «بموجب سلطاتها وقرارات مجلس الامن الدولي ذات الصلة».
والسلطة والمشروعية هما جوهر الخلاف الذي تفجر بين واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، حين فوجئت الأخيرة بقيام الأولى بنقل المواد الإشعاعية من العراق إلى الولايات المتحدة من دون أخذ الإذن منها ولا تنفيذ العملية بإشرافها وهي الوكالة الدولية المتخصصة والمخولة قانونياً. وشككت الوكالة الدولية بمدى الصلاحيات التي تتمتع بها الولايات المتحدة بنقل اليورانيوم المخصب ومواد إشعاعية متقدمة من العراق، كانت تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكانت الأخيرة قد ختمت منشأة التويثة لإغلاقها، بينما تردد أن القوات الأميركية "حطمت" بعض تلك الأختام ودخلت الموقع في الشهر الماضي. وقال مسؤولون في الأمم المتحدة إن المنظمة الدولية تشعر بالقلق إزاء شرعية خطوة واشنطن هذه. وأكد غوستافو زلوفينان، مدير مكتب الوكالة الدولية في نيويورك: "إن السلطات الأميركية أبلغتنا قبل حين فقط عن نواياها بنقل المواد، إلا أنها لم تطلب الأذن منا للقيام بذلك".
وسرعان ما كشفت الفضيحة أكاذيب واشنطن،حيث اعترف مسؤول في إدارة شؤون الأمن النووي القومي الأميركية، في 7/7/2004، بعدم طلب الحكومة الأميركية موافقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لنقل المواد. وقال بول لونغسورث "أعتقد لدينا السلطة القانونية للقيام بذلك، إن المواد تحت وصايتنا، ونملك الأذن من الحكومة العراقية لنقلها خارج البلاد". ورد مسؤولون في الوكالة الدولية بانه "ليس للولايات المتحدة السلطة القانونية لنقل هذه المواد". وقالوا: "الان اخذها الاميركيون، وليس لدى الوكالة قدرة على الوصول اليها، ولا حق المحاسبة عليها او فحصها".. وفي هذا السياق تنطوي تصريحات وزير الطاقة الأميركي إبراهام، في 6/7/2004، على مغزى كبير، برأينا. فقد أعلن بأن"الهدف من نقل تلك المواد للولايات المتحدة هو منع وقوعها في أيدي الإرهابيين"، ووصف عملية شحن اليورانيوم الى "منشاة أمنة" تابعة لوزارته بأنه "انجاز كبير لهدف ادارة بوش بابقاء المواد النووية التي تمثل خطورة محتملة بعيدا عن ايدي الارهابيين". وقال في بيان مطبوع ان النقل "يضع هذه المواد بعيدا عن متناول دول ربما تسعى لتطوير اسلحة نووية". ولعل الأهم هو تبرير وزارته لما قامت به إدارة بوش، في بيان لها، بانها "صادرت تلك المواد بما يتناسب مع سلطاتها، وقرارات مجلس الامن الدولي ذات الصلة"، وانها "نقلتها من العراق لضمان امن وسلامة الشعب العراقي".
وخلاصة القول، فأن العملية، بالنسبة للمسؤولين الأميركيين،هي "إنجاز كبير" جير للرئيس جورج بوش، وهذا "الإنجاز" تم "بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة". ولم ينسوا الإدعاء بأنه جاء "لضمان امن وسلامة الشعب العراقي"(كذا!).. أما الحقيقة فهي غير هذا إطلاقاً! وإليكم التفاصيل.
لو إستثنينا التضخيم المقصود في وصف العملية بأنها "إنجاز كبير"، وتوظيفها لخدمة الدعاية الإنتخابية للرئيس بوش، نجد أن الوقائع تفند مزاعم "أبطالها" وتكشف عن دوافعهم الحقيقية. ففي ما يتعلق بـ"منع وقوع تلك المواد بأيدي الإرهابيين"، أكد بريان ويلكس، المتحدث باسم إدارة الأمن النووي القومي في وزارة الطاقة الأميركية، بإن كل المواد التي تمت مصادرتها لا تصلح بالشكل الذي وجدت عليه لصناعة قنبلة نووية. وتبين أن الإستفادة الوحيدة من بعضها، وليس كلها، بشكلها الحالي، هي في صنع " قنبلة قذرة"، بعد خلط النوع الموجود منها على شكل "مسحوق" مع متفجرات تقليدية. وهذه المواد هي على حالها الراهن هذا منذ قرابة 15 عاماً. وبوسع المتتبع الموضوعي التأكد من الحقائق التأريخية التالية:
منذ عام 1991 كانت المواد المذكورة موجودة في الموقع (ج) في التويثة، بعهدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، وكانت مسجلة، ومختومة، ومحفوظة من قبلها بشكل أمين لا يهدد سلامة الناس، وكانت تحت المراقبة الدورية لخبرائها. بيد أنه في شهر نيسان/أبريل 2003 وأبان الإنفلات الأمني، الذي شاع عقب سقوط نظام صدام حسين، تعرضت منشأة التويثة النووية، شأنها شأن بقية مرافق الدولة ومؤسساتها الأخرى، للنهب، الذي أسفر عن العبث بالمئات من الحاويات والبراميل والصناديق المخصصة لحفظ المواد النووية والملوثات، وسكب محتوياتها عشوائياً من قبل ناس عاديين يجهلون مخاطر عملهم. وجرت عملية النهب تحت أنظار القوات الأميركية، التي كانت تحرس المنشأة، وكانت تتفرج على اللصوص ولم تحرك ساكناً. وهذا ما إعترف به ضباط أميركان كانوا يحرسون المنطقة.
لذا فإن الزعم الأميركي بأن العملية جاءت "لضمان أمن وسلامة الشعب العراقي" ما هو إلا محض هراء وكذب صلف. فلم تكتف سلطة الإحتلال بالتفرج على عمليات النهب، بل وتجاهلت مناشدة خبراء عراقيين، كالمهندس الكيمياوي مهدي نعيم طارش، والإختصاصي بالفيزياء الإشعاعية علي حسن عزيز، والمهندس النووي د.حامد الباهلي، والخبير البيولوجي د. محمد زيدان، للقوات الأميركية المحتلة، وللجهات الدولية المعنية، في نيسان/أبريل 2003، بأن تتدخل فوراً لدرء خطر التسرب الإشعاعي،الذي حصل عقب عمليات النهب ووصل الى البيوت والمزارع، والى المواطنين، إثر سكب اللصوص لمحتويات البراميل والصناديق والحاويات المخصصة لحفظ المواد المشعة، عشوائياً، على الأرض، او في الأنهر القريبة، او في بالوعات منزلية، وكان البرميل الواحد يحتوي على 300-400 كغم من اليورانيوم المشع، النوع المسمى "الكعكة الصفراء"، وإستخدام المواطنين للبراميل الفارغة، الملوثة بالإشعاع، لخزن الماء، ولحفظ الطماطم، ولجمع الحليب، ونقلهم بواسطتها كميات كبيرة من الحليب الى معامل تصنيع الألبان، وشرب الماء، والحليب، وتناول الطماطم، والأجبان الملوثة بسببها، لجهل الجميع بمخاطر محتوياتها.كما وأهملت القوات الأميركية دعوة الخبراء العراقيين اليها بضرورة السيطرة على التسرب الإشعاعي، وتوفير الحماية للمواطنين منه، وإجراء مسح شامل في المنطقة، ومن ثم في المناطق الأخرى، للتأكد من عدم إنتقال التلوث اليها. فلم تتحرك سلطة الإحتلال لإتخاذ ولو إجراء واحد لصالح الضحايا!
ليس هذا فحسب، بل وأهملت سلطة الاحتلال تقارير ميدانية موثقة حذرت من خطورة الوضع،ومنها التقرير الميداني المصور،الذي أعده مراد هاشم، وكشف عن معدلات عالية للإشعاع المتسرب في المنطقة المحيطة بمقر هيئة الطاقة النووية العراقية في التويثة. وذات الشيء وجد في مخزن النفايات النووية الذي يحتوي على كميات كبيرة من المركبات والمساحيق والمواد المشعة، وقد تسرب بعضها بالفعل.وأكد التقرير أن خطراً حقيقياً ومرعباً انطلق من هناك، وبحسب تحذير العلماء لن توقفه أي حدود ما لم يتم تداركه، وقد ظهرت أولى نتائج ما حدث في المناطق المجاورة لمقر هيئة الطاقة، حيث تعرض المواطنون لجرعات متفاوتة من الإشعاع، بسبب استخدامهم للحاويات الملوثة. وسجلت أجهزة القياس معدل عالٍ من الإشعاع في منازلهم وعلى مواشيهم وطيورهم.ونبه الخبراء الى ان عمليات التطهير، التي نظمت بجهود متطوعين من خبراء الهيئة المذكورة، محدودة، وأن محاولة الأهالي التخلص من التلوث بطرق غير صحيحة أدت إلى نشره في رقعة أوسع.وحذروا أيضاً من ان مواد كيميائية قاتلة وغازات سامة وبكتيريا وجراثيم تستخدم للأغراض التجريبية فقدت، وقد إختفى البعض من حاويات النظائر المشعة، والبعض الآخر ظل معرضاً للسرقة (قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية، مساء 26/ 4/2003).
وكان خبير السلامة النووية د.حامد الباهلي، وزميله الخبير البايولوجي د. محمد زيدان قد كشفا النقاب عن علم القوات الأميركية بكل ما حصل. وأعترف ضباط من القوات المذكورة بأن القوات كانت تتفرج على النهب ولم تحرك ساكناً، تاركة تلك المواد الخطرة بلا حماية. وكان عدد من أفراد القوات الأميركية المتواجدة في منطقة التويثة قد شارك مع الباهلي وزيدان في التأكد من التسرب الإشعاعي، عبر أجهزة قياس إشعاع خاصة بهم، لكنهم توقفوا فجأة عن البحث وإجراء المزيد من الفحوصات والقياسات الإشعاعية في المنطقة، وتركوهما يعملان بمفردهما، وبإمكاناتهما المتواضعة جداً. ولم يكن ذلك سوى تحجيم مقصود، فقوات الإحتلال تعرف جيداً وجود اَلاف المساكن في المنطقة، وأن عملية درء التلوث عنها لا تتحقق بجهد شخصين، وإنما تستلزم فريق عمل كبير، يقدم المساعدة المطلوبة للسكان، للتخلص من المواد الملوثة، ويجري مسحاً إشعاعياً للمنطقة، وتحاليل، وفحوصات للمعرضين للتلوث الإشعاعي، بشكليه الخارجي والداخلي، وإسعاف من يحتاج منهم للمعالجة، وغير ذلك.
وعندما تحركت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وطلبت من الإدارة الأميركية السماح لها بدخول العراق فوراً للوقوف على ما حصل للمواقع النووية العراقية عقب عمليات النهب، وللقيام بما يمليه عليها واجبها والتزاماتها المهنية، لم تسمح الإدارة الأميركية لها، رغم تكرارها لطلبها مرات عديدة، إلا بعد مرور 6 أسابيع. ولم تكتف بذلك، بل وألزمت الوكالة الدولية باقتصار مهمة خبرائها على تفقد موقع واحد في التويثة، هو الموقع (ج)، ومنعت فريق الخبراء من إجراء أي اختبارات طبية على سكان المنطقة المحيطة بمنشأة التويثة، متجاهلة القلق الشديد للمدير العام للوكالة الدولية د. محمد البرادعي، الذي عبر عنه، اَنذاك، من امكان شمول عمليات النهب لمواد نووية، وخشية وكالته من انتشار التلوث الإشعاعي بين السكان. وكانت القياسات الإشعاعية، التي أجراها خبير السلامة النووية د.حامد الباهلي للعشرات من الدور السكنية المحيطة بمقر هيئة الطاقة النووية العراقية، بينت تسرب التلوث الإشعاعي الى كل مكان، حتى في الأفرشة، والملابس، وكان بدرجة خطيرة جداً، بحدود 500-600 مرة أكثر من الجرعة المسموح بها. وكانت سلطة الاحتلال على علم بكل هذا، لكنها واصلت تجاهله، الأمر الذي اضطرنا شخصياً أن نعري موقفها هذا في العديد من المقالات والدراسات، التي نشرناها في صحف ومجلات عربية وعراقية، وعلى صفحات مواقع عديدة على شبكة الإنترنت. وحذر مختصون معنيون من مخاطر صحية وعواقب وخيمة سيكون ضحيتها الأطفال والنساء قبل غيرهم. ونبهوا الى أن كل من لمس تلك المواد او اقترب منها تعرض للخطر، ليس بالضرورة أن تظهر أعراضه حالاً، وإنما بعد أشهر، أو بضعة سنوات. وقالوا من المؤكد تعرضه لخطر الإصابة بالسرطان، والأورام الخبيثة، والتشوهات الولادية وغيرها. وأوضحوا بأن الأعراض قد تبدأ على نحو بسيط- مثل الصداع والتقيؤ، وتنتهي بالوفاة، إذا كانت الجرعة عالية. وقد تبدأ على نحو اَخر، بشكل بطيء، إذا كانت الجرعة واطئة. إلا أن سلطة الإحتلال كانت تنفي حصول تلوث إشعاعي،ورفضت حتى تحذير المواطنين من الاقتراب من المناطق الملوثة، بينما اتخذت إجراءات وقائية في صفوف قواتها هناك.
هذا مع العلم بان ريك توركوت، أحد أعضاء فريق الخبراء الاميركى المعروف باسم "فريق الدعم المباشر" الذي زار موقع التويثة، أكد بأن المادة الاشعاعية المكتشفة تمثل خطورة على الصحة أكثر من أي شيء أخر.(نيويورك تايمز في 4/5/2003). وكانت تقارير لصحيفتي "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز"، في مطلع شهر اَيار/مايو 2003، أشارت الى أن فريقاً اميركياً رفيع المستوى من الخبراء النوويين تأكد من حصول تسرب إشعاعي في المنطقة. وعثر فريق للبنتاغون تفقد مركز التويثة، في 3/5/2003، على مواد مشعة مبعثرة في أرجاء الموقع. وتأكد خبراء جماعة السلام الأخضر "غرين بيس"،الذين تفقدوا منطقة التويثة، من حصول تلوث إشعاعي للبيئة هناك، وحددوا سعة الإشعاع، وقاموا بوضع إشارات تحذر من الخطر. وطالبت منظمتهم قوات الاحتلال، في 24/6/ 2003، بتنظيف المنطقة من التلوث الإشعاعي، او السماح للمنظمات الدولية للقيام بذلك. وأفادت "رويترز" ان نشطاء البيئة من "غرين بيس" قدموا للقوات الأميركية في العراق حاويات كبيرة لمواد مشعة من المادة المسماة "الكعكة الصفراء"، اي مسحوق بروكسيد اليورانيوم المنخفض التخصيب، الذي يستخدم كمادة خام للوقود المشع، وجدوها مهملة في ارض قفر قرب المنازل وفي طريق مزدحم. وقالت المنظمة انها وجدت مستوى الاشعاع مرتفعا على نحو غير عادي، وأطلعت الصحفيين على حاوية معدنية يصدر عنها مستوى اشعاع يزيد 10 الاف مرة عن المعدلات العادية، كانت موجودة داخل منزل متداعي لعامل واسرته. وأكد خبراؤها بان المواد السامة والمشعة متناثرة حول المنطقة. وقال مايك تاونسلي، المتحدث باسم "غرين بيس": لو كان هذا حدث في المملكة المتحدة، او الولايات المتحدة، او اي دولة اخرى، لكانت القرى المحيطة بمجمع التويثة تعج بخبراء الاشعاع وفرق ازالة التلوث!
وعبرت هيئة الطاقة النووية العراقية عن بالغ قلقها إزاء الأعراض الصحية المحتملة على أهالي المنطقة، واحتمال ظهور بعض الأعراض المرضية بين السكان. وفعلاً بدأ سكان المنطقة في الشكوى من أمراض تتفاوت أعراضها بين الإجهاد والطفح الجلدي، تفاقمت تدريجياً. فيما حذر خبراء مختصون من أعراض صحية خطيرة قد يتعرض لها الذين مكثوا لفترات طويلة داخل موقع تخزين المواد العالية الإشعاع (CNN، في 22 / 5 / 2003). وأشيع في اَيار/مايو 2003 بأن وزارة الصحة العراقية أمرت بالمباشرة فوراً في دراسة تتعلق بمدى التأثيرات الصحية على أهالي المنطقة المجاورة لمنشأة التويثة النووية، لكننا لم نسمع ولم نقرأ لحد اليوم شيئاً عن نتائج الدراسة، ولا عن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لصالح المواطنين في المنطقة. هذا رغم أن التقارير أكدت بان المستشفى الذي يخدم المنطقة الملوثة في حالة يرثى لها. وأكد تقرير لصحيفة "لوس أنجليس تايمز"، في 22//5/ 2003، بأن الإصابات المرضية كثرت وسط العراقيين الذين يقطنون بالقرب من موقع الأبحاث النووية في التويثة. وهم يشكون من أعراض تناذر إشعاعي حاد Acute Radiation Syndrome - بحسب تأكيد الأطباء. وحذر خبراء في هيئة الطاقة النووية العراقية بان أكثر من 1000 قروي عراقي قد يهلك بسبب الاصابة بسرطان الدم (اللوكيميا)، بعد ان قضى سكان المناطق المجاورة الفقراء والمتضورين جوعا أسابيع يشربون الماء والحليب اللذين حفظا في براميل ملوثة بمركبات اليورانيوم الخطرة. وافترضت الاختبارات الأولية التي أجراها العلماء العراقيون أن قرى كاملة أصبحت ملوثة بالإشعاع، بما فيها المباني والمياه والبحيرات والمحاصيل والماشية. وأبلغ مختصون سكان قرية الوردية، بالقرب من منشأة التويثة، بانهم عرضة للسرطان، وقد يتوجب إخلاء المنطقة كلها وتطهيرها. ونقل انتوني براون، مراسل صحيفة «التايمز» البريطانية، عن الدكتور هاشم عبد المالك المفتش النووي العراقي، الذي عمل في معمل التويثة منذ عام 1988، ويعمل حالياً مع السلطات الأميركية، ان هناك حوالي 2000 شخص في القرى القريبة، أصيبوا بالاشعاع، وسيصاب أكثر من 1000 شخص بالسرطان، وهم بحاجة للدواء والتطهير. وقد أكدت فحوص ميدانية تلوث المياه وحليب الأبقار والدواجن والمنازل بمستويات إشعاع عالية في القرى المجاورة. وبدأ علماء عراقيون بفحص المنطقة. وظهر ان المياه والخضروات والحيوانات والمباني ملوثة بالاشعاع. وبين الفحص أن حليب الابقار كان ملوثا، بالاضافة للبط، وأن بعض المنازل كانت مشعة بمقدار 6 أضعاف مستوى الإشعاع الاعتيادي. كما اكتشف فريق التفتيش مصدر نيوتروني خطر جدا في أحد المنازل. وبين الفحص للقرويين هناك أن الحليب والماء ملوثان، وانه ستكون هناك حالات سرطان وعقم بين الرجال (الشرق الأوسط في 6/6/2003).
وأكدت محطة CNN في تقرير لها من المدائن العراقية، في 22/6/2003 ، بأن العشرات من العراقيين القاطنين قرب منشأة التويثة النووية يعانون من أعراض مرضية، تتفاوت بين الطفح الجلدي والنزف من الأنف. وقال مختصون إنها أعراض ترافق التسمم الإشعاعي.وأكد الدكتور باسم عبود، الطبيب في مستشفى المدائن، الذي يبعد 9 أميال عن موقع التويثة النووي، بأن 30- 40 مريضا يراجعون المستشفى يومياً وهم يعانون من الإسهال الشديد والطفح الجلدي الناتج عن التعرض لإشعاعات سامة. وأوضح عبود إن العديد من العراقيين تعرضوا للإشعاعات السامة بعد تفريغ براميل اليورانيوم، وهو ما سبب الأمراض الجلدية والاضطرابات الداخلية. وقال: لسوء الحظ لا يمكننا القيام بأي شيء سوى إرسال المرضى لمستشفى أكبر في بغداد. ونوهت "سي أن أن" بأن هذه الأعراض قد تعود للظهور من جديد بعد علاجها، كما أنها قد تسبب عيوبا في الجينات، ويمكن أن تؤدي إلى ظهور أورام سرطانية.وأكدت بانه لم يسمح لفريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية إجراء اختبارات طبية على العراقيين الذين يعانون أمراضا غريبة جراء التعرض للمواد السامة.
وأكدت BBC News Online، في 24/6/2003، بأن الأطباء في العراق يشعرون بقلق متزايد بسبب انتشار حالات التسمم الإشعاعي بين سكان المنطقة المحيطة بمنشأة التويثة. ويعتقدون بأن التلوث الإشعاعي أصاب أعداداً كبيرة من سكان تلك المنطقة بعدما نهبت براميل كانت تستخدم في تخزين اليورانيوم المشع، وأفرغت منه، وأن المستشفى القريب من منشأة التويثة يستقبل يومياً العديد من المرضى الذين يشتبه بأنهم تعرضوا للإشعاعات الذرية. وقال الأطباء إن المستشفى كان يستقبل معدل 30 شخصاً كل يوم- بينهم الكثير من الأطفال - مصابين بإسهال مصحوب بنزيف معوي،جراء إصابتهم بالتسمم الإشعاعي.وحذروا من أن أعدادهم ستتزايد.وقد تأكدت إصابة عدد من الأفراد بأعراض التسمم الإشعاعي الحاد، كالطفح الجلدي، ونزيف الأنف، والقيء،عقب ملامستهم المباشرة لليورانيوم المشع.وأكد الأطباء بأن التسمم الإشعاعي ربما يكون قد أصاب عشرات الآلاف من سكان المنطقة. وأكد وزير البيئة العراقية السابق المهندس عبد الرحمن صديق كريم ظهور مؤشرات تلوث اشعاعي في منطقة التويثة جنوب شرق بغداد. واضاف في تصريح للصحافيين ان فريقا من الوزارة تفقد الموقع النووي في التويثة، وثبت له وجود التلوث المذكور، الا انه تحت السيطرة، مشيرا الى ان المنطقة بحاجة الى زيارات وفحوصات مستمرة، ذلك ان اَثار المواد الكيماوية قد لا تظهر بصورة سريعة وانما بعد عدة سنوات (الشرق الأوسط في 30/10/2003).
وأثبت تحقيق أجرته صحيفة "المدى" العراقية، ونشرته في 13/4/2004 تدهور الوضع الصحي في منطقة المدائن والمناطق المحيطة بمقر الطاقة النووية في التويثة جراء التلوث الاشعاعي.وأكدت الدكتورة نادية عبد اللطيف الجنابي، اختصاصية الامراض النسائية والتوليد في مستشفى المدائن، ازدياد الحالات المرضية جراء التلوث الاشعاعي، إذ وصلت إلى أكثر من 2000 حالة تشوه خلقي. وأوضحت الجنابي بأنه كانت تأتي لمستشفى المدائن حالة واحدة، أما الآن فتصله أكثر من 3 حالات في الاسبوع، ومنها حالات بالغة الشدة، وتشوهات خلقية لم تعرف سابقاً، ولم يعهدها الأطباء، ومنها أورام واشكال غريبة تحصل لوجه المصاب وجسمه. واغلب هذه الحالات من القاطنين في المجمعات السكنية داخل منطقة هيئة الطاقة النووية، والقرى والدور المحيطة بها، والتي وصل التلوث فيها إلى درجات كبيرة. وأشارت الجنابي إلى أن حالات مرضية جديدة ظهرت على السطح مثل "الاسقاط المنسي" (الجنين يموت داخل الرحم في الاشهر الثلاثة، وعند اخراجه يتبين أنه مشوه تماماً). وهذه اول مرة تحدث هناك. وقالت إن الحالة أصبحت خطرة، حيث يشخص الأطباء حالتي سرطان من كل 3 حالات مرضية وسط المراجعين للمستشفى. وتم تحديد أكثر من 150 اصابة من هذا النوع في المنطقة التي تعرضت للاشعاع. وحذرت الجنابي من أن المستقبل قاتم وخطر جداً لهذه الحالات، كونها بازدياد طردي، بينما الاجراءات المحلية والدولية ليست بالجدية المطلوبة.ودور وزارة الصحة ضعيف جداً، ولم تتشرف لا المنطقة ولا المستشفى بزيارة أحد من مسؤوليها!. وعلى الصعيد نفسه قال المواطن كامل عسل الجنابي من سكنة قضاء المدائن أن الحالات السرطانية اصبحت "اعتيادية، إذ أن اغلب من استحوذ على مقتنيات المجمع النووي قام بافراغ الحاويات من محتوياتها في الانهر والمبازل، الامر الذي جعل الكل يتشارك في المرض، بدءاً من مستخدمي الاواني، وإنتهاءً بسكان المناطق الريفية، والمزارعين، وأصبحنا نرى يومياً نفوق الحيوانات، والاسماك، بشكل جماعي، فضلاً عن وجود اورام في اجسام الحيوانات."
الى هذا تحتفظ اللجنة المكلفة من قبل الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الانسان العراقية بمتابعة الملف الإشعاعي في المدائن، بتقرير علمي يؤكد ازدياد الحالات المرضية الغريبة في المنطقة بنحو 10 أضعاف. وبحسب إحصائيات وفيات مستشفى المدائن العام، فقد توفي 62 مواطناً من المنطقة المتضررة بالتلوث الإشعاعي، منهم 12 من المدائن، و9 من الجسر، و4 من القادسية و4 من الخناسة، و4 من الرياض، و3 من الدرعية، و3 من تويثة الغربية، و2 من الوردية، و2 من الجعارة، و2 من كصيبة، و2 من اللج. أما بقية الحالات فهي من قرية أم عبد، والأمين، والنصر، والبعث، والمعلى، وكرادة الشرقية، و7 نيسان، والصويرة، والزعفرانية. وكان السرطان سبباً رئيساً في موت 46 شخصاً، منهم 12 إمرأة بسرطان الثدي المنتشر/المتسرب، و6 أشخاص بسرطان الرئة، و6 أشخاص بسرطان المثانة، و4 أشخاص بسرطان المعدة، و3 أشخاص بسرطان الكبد، و3 أشخاص بسرطان البنكرياس، و3 أشخاص بسرطان الدماغ، و3 نساء بسرطان الرحم المنتشر، وطفلان بسرطان الدم، وشخصان بسرطان القولون، وشخصان بسرطان المستقيم المنتشر.وتوفي 4 أطفال ولدوا بتشوه ولادي شديد.
وتؤكد دراسة للباحثة رغد محمد سلمان حصول زيادة خطية ملحوظة في عدد الوفيات للمناطق الموبوءة حسب احصائية مستشفى المدائن العام مع تقدم الزمن، اذ ان زيادة وحدة واحدة من الزمن تعطي زيادة مقدارها 2 مرة. والوفيات الـ 62 حصلت في تلك المناطق خلال ستة اشهر، بمعدل 10 اشخاص في الشهر الواحد.وهو أمر غير طبيعي مع توفر الادلة القاطعة على تلوث المنطقة بالإشعاع!
والجدير بالذكر ان سلطة الإحتلال "أبدت إهتماماً كبيراً" بمشاكل البيئة العراقية، من خلال تخصيصها مليون دولار فقط – لاحظ !- لمشاريع وزارة البيئة، زائداً رواتب 700 موظف، في ميزانية العام 2003-2004!
وعلى ضوء ما ورد، نتساءل: أين هي الإجراءات التي قامت بها سلطة الاحتلال لإنقاذ العراقيين سكان المناطق الملوثة بالإشعاع حتى "تبلف" الرأي العام بأن عملية سطوها على المواد العراقية المشعة جاءت لـ "ضمان امن وسلامة الشعب العراقي"؟! د. كاظم المقدادي، طبيب وباحث عراقي متخصص في اثار الاشعاع النووي kalmukdadi@yahoo.se