نقص الضمير: الديمقراطية عبر مرصد التورية والزيف

بقلم: علي الصراف

تهانينا.
فقد أُعلن الأربعاء الماضي عن بدء نشاط ما يسمى بـ"المؤسسة العربية للديمقراطية". وحيثما تعتقد "المؤسسة" ان قطر هي سويسرا العالم العربي في القيم والأخلاقيات والنظم الديمقراطية، فقد اتخذت من الدوحة مقرا لها. ومن هناك ستشع الأنوار الكاشفة لما وصفته المؤسسة بـ"مراقبة ودعم الأداء الديمقراطي في العالم العربي".
ولا يحتاج المرء الى عبقرية ليعرف ان هذه المؤسسة لن تكون سوى ذراع لأخطبوط معروف، وان مهماتها لن تتجاوز حدود النفاق المألوف، والقميء، الذي تمارسه الولايات المتحدة في ما يسمى بـ"الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان". ولا يجب ان يكون مفاجئا لأحد أن شخصية مثيرة للجدل من قبيل سعد الدين إبراهيم هو واحد من أبرز أعضاء مجلس أمناء هذه المؤسسة. فهذا هو مكانه الطبيعي. ودعم الديمقراطية كنشاط مُريب هو وظيفته البديهية.
أحد أوجه الزيف في تشكيل هذه المؤسسة يبدأ من إسمها. فهي ليست "عربية" لا في هويتها ولا في أجندتها ولا في المصالح القذرة التي ستدافع عنها. ولو تمت تسميتها كـ "المؤسسة الأميركية للدفاع عن الصهيونية" لكان الوضع أقرب الى الحقيقة.
وقال علي المري أمين عام المؤسسة في مؤتمر صحافي عقده في وقت سابق لدى تدشين موقع المؤسسة على شبكة الانترنت (ا.ف.ب) انه "ستكون هناك رقابة على العمل الديموقراطي العربي من خلال المؤسسة"، معلنا "إنشاء مرصد تعتزم المؤسسة إطلاقه لرصد الأداء العربي في المجال الديموقراطي". وسيقوم المرصد "بإصدار تقرير سنوي عن حالة الديموقراطية في المنطقة العربية".
ولا أحد يعرف ماذا ستضيف هذه المؤسسة الى تقرير النفاق السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم. ولكن بما ان هذه الوزارة لا تستطيع شراء المأجورين مباشرة، لمراقبة "أداء الديمقراطية"، فان هذه المؤسسة، التي تم الاعلان عنها في يوليو-تموز الماضي، ستقوم حسب وثائقها "بانشاء صناديق مالية (!) لاعداد البحوث (!) الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة باهدافها، وتأليف الكتب واصدارها وعقد الندوات والمحاضرات وتبادل المعلومات والخبرات مع المؤسسات العربية والاقليمية والدولية المماثلة، اضافة الى تقديم المنح والمساعدات المالية لمساعدة ودعم برامج المؤسسات العربية 'الأهلية' العاملة في مجال الديموقراطية".
الهدف الحقيقي من تلك "الصناديق" هو شراء الضمائر، وتحويل نخبة من الكتاب والمثقفين الى عملاء مأجورين يخدمون مصالح الإمبريالية والصهيونية ويسوّقون مشاريعها للإستغلال والاحتلال والهيمنة. ولكن لكي يبرروا أيضا انتهاكاتها وجرائمها وكل أعمالها الوحشية ضد أبسط قيم الديمقراطية وأقدس حقوق الإنسان.
ويراهن أصحاب المؤسسة على ان شراء الضمائر (المعروضة في سوق النخاسة أصلا) سوف يساعد في تحويل ثقافة النفاق والمعايير المزدوجة والعنصرية الغربية الى قوة مؤثرة لصنع ما يكفي من الضجيج، حول قضايا ثانوية، لتغطية الأطماع والانتهاكات والجرائم التي يرتكبها أسيادهم. ومن ثم لتحويل قضية الديمقراطية من نظام قيم وأخلاقيات قانونية ودستورية الى فزّاعة تستخدمها وزارة الخارجية الأميركية كلما إحتاجت شركة من الشركات الى الفوز بعقود او الى بيع أسلحة لعُربان لا يملكون غير دفع الإتاوات.
ما نعرفه هو ان الولايات المتحدة ومأجوريها لا يصلحون لتقديم مواعظ عن الديمقراطية. فسجلات الواقع مليئة بكل ما يندى له جبين الإنسانية من فظائع، ليس في العراق وفلسطين المحتلة وحدهما، بل وفي كل مكان على سطح الأرض مرت به العنجهية الإمبريالية... على مدى تاريخها كله.
الإنتهاكات، بكل ما تنطوي عليه من أعمال قتل وتعذيب وإغتصاب واعتقالات واغتيالات وفرق موت، هي جزء مكمل وطبيعي لكل السياسات الإستعمارية التي مارستها الولايات المتحدة في كل مكان، وفي كل زمان.
والشواهد والأدلة أكثر من كثيرة. ويستطيع حتى أعمى البصر والبصيرة ان يراها. ولكن الولايات المتحدة، ومثلها إسرائيل، وبينما ترتكب كل نوع من أعمال الوحشية والقهر والعنف والتمييز والتطهير العرقي، فانها لا تفتأ ترفع لواء "الحريات وحقوق الإنسان" كأداة من أدوات التورية وكغطاء للبقاء على ما يسمى بـ"الضفة المعنوية المرتفعة".
هكذا تكون الوحشية مبررة، طالما انها تمر من تحت طاولة قيم إنسانية رفيعة. وهكذا، فكل أعمال القتل التي ترتكبها الولايات المتحدة هي من اجل "الدفاع عن الديمقراطية"، في حين ان كل ما يرتكبه الآخرون من أعمال مماثلة هي "انتهاكات" و"إرهاب".
هم يقتلون ويعذبون ويغتصبون وينهبون لأسباب نبيلة. وغيرهم يقتل لأسباب خبيثة. تلك هي المعادلة.
لم يُهجّر السودانيون خمسةَ ملايين إنسان من أرض وطنهم، مثلما فعلت عصابات الإحتلال في العراق، إلا انه لا توجد قضية أهم من "قضية دارفور" لدى الولايات المتحدة وعصابات مثقفيها ومرتزقة فنانيها.
ولم تعرف البشرية سجنا جماعيا لأكثر من مليون ونصف المليون انسان، كما هو الحال في غزة، إلا ان بضع عشرات من السجناء هنا وهناك سيكونون هم "القضية".
وبطبيعة الحال، فان عُدّة النَصْب، سوف تتيح لهذه المؤسسة، كما يفعل كل المنافقين الآخرين، بحمل كل الجرائم على محمل واحد، من اجل توجيه انتقاد هنا وآخر هناك، ولإمتطاء نوع من "الحيادية" المزيفة، إلا ان تلك العُدّة، ستعرف كيف توظف مفاتيحها للتغطية على الجرائم الأهم والأبشع، وستعرف كيف تبرر العهر الأوضح بالأخلاقيات، وستعرف كيف تمسح الطاولة امام مجرمي الحرب الاميركيين والإسرائيليين وعملائهم.
ولو كان لدى أعضاء هذه المؤسسة ذرة ضمير لكانوا شكلوا مؤسسة لمحاسبة الولايات المتحدة واسرائيل على ما ترتكبه، يوما بعد يوم، وكل يوم، من جرائم ضد قيم الديمقراطية وأخلاقياتها.
ولكن منذ متى كان إمتلاك ذرة ضمير هو ما يشغل مأجورين ومنافقين؟

***

لرصد آليات النفاق التي ستعتمدها المؤسسة ربما يجدر توجيه بضعة أسئلة.
فماذا ستقول المؤسسة عن "الأنظمة الديمقراطية" في بعض دول الجوار؟ ام انها ستصمت عنها لتكتفي بالتلصص من ثقب الباب على قيم المساواة والتعددية وحقوق المرأة التي تنهمر من هناك ذات اليمين وذات الشمال؟ أم انها ستركز انتقاداتها، كما تفعل وكالات المخابرات الأميركية، على بضع دول (خجلانة من الإرتباط بالمشروع الأميركي) لأغراض الإبتزاز الرخيص والضغوط السياسية المبتذلة؟
وماذا ستقول عن المسؤولية القانونية للإحتلال عن حماية المدنيين وفقا لمعاهدات جنيف؟
ما هو رأي المؤسسة بديمقراطية المليون قتيل والمليون سجين وخمسة ملايين مهجر؛ ديمقراطية فرق الموت والتعذيب بالمثاقب الكهربائية والقتل على الهوية وتصفية العلماء التي تديرها شبكات الإحتلال ومليشياته الطائفية في العراق؟
أليست هذه هي الديمقراطية، التي يدافع عنها مأجورو الإمبريالية، بأجلى صورها؟ وماذا تفعل دبابات الاحتلال سوى توفير الحماية والغطاء لديمقراطية توماس جيفرسون السيستانية؟
وماذا سيكون موقفها من ديمقراطية النهب والفساد التي ضربت أرقاما قياسية، لتغطية تعاملات الشركات الأميركية مع اللصوص في بغداد؟
وهل عرف تاريخ النهب والسطو والفساد الحكومي شيئا أكثر "بلاغة" مما تفعله الولايات المتحدة في العراق؟
وماذا عن هستيريا القصف بالدبابات والطائرات والمدافع والأسلحة الكيميائية ضد بلدات ومدن بكاملها لمجرد ان هناك فيها من يقاوم غزواً بُني (بالإعترافات الرسمية الآن) على أكاذيب وأباطيل ومبالغات؟
وكيف ستنظر المؤسسة لما ترتكبه "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" في سجن المليون ونصف المليون مدني في غزة؟ وماذا عن بقية الأعمال الوحشية على المعابر، وبناء المستوطنات وأعمال القتل العشوائي للمدنيين في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
وماذا عن عشرات الآلاف من السجناء، وبينهم أطفال ونساء، الذين يعتقلون بتهم باطلة، في الأراضي الفلسطينية بينما يُطلق سراح جنود يرتكبون أعمال القتل عمدا؟
وماذا ستقول المؤسسة عن السجون السرية للسي آي أيه، وديمقراطية التعذيب "المعتدل"، والتنصت على المكالمات الهاتفية، ومراقبة البريد، وترحيل السجناء لتعذيبهم في بلدانهم، والإعتقالات المفتوحة من دون توجيه تهمة محددة؟
وماذا عن ديمقراطية "فندق الخمس نجوم" (في غوانتانامو) الذي يُرغم فيه السجناء على الأكل بالقوة؟
وماذا ستكون وجهة نظر المؤسسة بديمقراطية "بلاك ووتر" وشركات المرتزقة التي تقتل الأبرياء بلا حساب، وتنتهك حقوق الضحايا بلا حساب، والتي تحميها عقود البنتاغون لتبقى، رسميا، فوق كل قانون على وجه الأرض؟
وماذا يقول "شرف" أعضاء المؤسسة عن شرف الذين كان وما يزال يتم اغتصابهم في سجون الاحتلال، والذين ظلت تُرتكب بحقهم من الأعمال ما لم يرتكبه النازيون أنفسهم؟

***

مهما كانت الإنتهاكات التي ترتكبها الأنظمة العربية التي ستراقبها المؤسسة (ومعظمها حليف لواشنطن على أي حال)، فهل هي أكثر أم أقل بشاعة ووحشية وإفراطا من الانتهاكات التي ترتكبها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة؟
وهل تُرتكب في العالم (بكل دكتاتورياته دفعة واحدة) من الجرائم ما يرتكبه الاحتلال وعصاباته ومرتزقته في العراق وحده؟
لو كان لدى أعضاء هذه المؤسسة ذرة ضمير، ولو كان لديهم ذرة شرف، لعرفوا الجواب، ووجهوا أنشطتهم بموجبه.
ولكن منذ متى كان الشرف يشكل قضية للمنافقين؟
مع ذلك، يجب أن نهنئ أنفسنا، نحتفل ونسعد، ببدء عمل هذه المؤسسة. فمن خلالها سنعرف من هم أولئك الذين سيربطون اسماءهم بالقاع، ومن هم الذين سيدافعون عن شرفهم بالبقاء بعيدا عنه. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com