نقد اميركي لاذع لسياسة التعليم الديني في السعودية

واشنطن - من خالد ولفزبرغ
السعودية تتحرك سريعا لتغيير انماط التعليم

مما يتكون التعليم الإسلامي التقليدي على وجه التحديد، وما هي المآخذ التاريخية للتعليم الإسلامي في العصور المختلفة؟ وكيف أثرت تركة الاستعمار الأوروبي على هذه البرامج التقليدية؟ وما هو دور الإصلاح التعليمي في إحداث التنمية الحقيقية التي تحتاج إليها كل الدول العربية؟ وأخيراً وليس آخراً، ما هو حال التعليم في العالم العربي في الوقت الحاضر، وما نتائج محاولات إصلاح برامج التعليم العربي والإسلامي حتى الآن؟
شكلت كل هذه الأسئلة وغيرها محاور النقاش في الندوة السنوية لمركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون في العاصمة الأميركية. حضر الندوة ما يقرب من 200 شخص من الأساتذة والطلاب في الدراسات العليا في مجالات مثل الدراسات العربية وخبراء في التنمية الاقتصادية وإصلاح التعليم من جميع أنحاء الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية والإسلامية.
ذكر أسامة أبي مرشد رئيس الندوة وأستاذ التاريخ في جامعة جورجتاون في كلمته الافتتاحية بأن الدراسات التابعة للأمم المتحدة وهيئات أخرى تشير بشكل منتظم إلى أن التعليم من أهم القضايا في الوقت الراهن المعوقة للتنمية الاقتصادية والبشرية في الشرق الأوسط. معضلة التعليم ومعوقات التنمية ألقى كولن بروك الدكتور بجامعة أوكسفورد وخبير التعليم بمنظمة اليونسكو كلمة حول سياسات الدول العربية المختلفة تجاه اللاجئين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين في المنطقة، ووصف سوريا واليمن بأنهما تعطيان اللاجئين منافع تعليمية ممتازة. واشار إلى انه على الرغم من ترحيب الأردن باللاجئين بصفة عامة، فان العلاقة متوترة بينها وبين اللاجئين الفلسطينيين لأن الفلسطينيين يمثلون أغلبية السكان. وانتقد بروك مصر ولبنان لعدم منحهم اللاجئين حق الالتحاق بالمدارس الحكومية الرخيصة.
وعلى العكس من ذلك ذكرت سيرا كيردار الحاصلة على شهادة الدكتوراه والباحثة بجامعة جامعة هارفارد بالاتجاه السائد وعبرت عن عدم التناسق بين المهارات المكتسبة في المدارس والمهارات المتطلبة في سوق العمل. واوضحت كيردار أنه على الرغم من وجود بعض الميزانيات العربية الكبيرة إلى حد ما لقطاع التعليم تفتقد غالبية برامج التعليم في الدول العربية الجودة الموجودة في البرامج الغربية.
وأشارت كذلك إلى ما اسمته بالصهر غير المناسب بين النموذجي التقليدي والنموذج الغربي الذي لم يقلل التركيز على الحفظ والصم، بينما في بعض مواد العلوم يضطر الطلاب إلى الدراسة باللغة الانجليزية مع أنها ليست لغتهم الأم. ونصحت الباحثة السلطات في البلدان العربية المتفاوتة بإعادة التفكير في الحصة المخصصة للمواد الدينية التي تستغرق 10 بالمائة من الوقت داخل المدارس المصرية و 33 بالمائة داخل المدارس السعودية.
وانتقدت كيردار ميل برامج التعليم الحكومية إلى التركيز على برامج جامدة تقلل احتمالات الإبداع والتفكير الحر من قبل المدرسين والتلاميذ والمجتمع المحلي على حد سواء، كما أشادت الباحثة بالنموذج الاندونيسي كمثال يستحق الاحتذاء به حيث من حق أباء التلاميذ المشاركة في عملية تحديد البرامج التعليمية لأولادهم.
أولويات الإصلاح .. التعليم أولا شددت ماي ريهاني مديرة أكاديمية تنمية التعليم على معاناة التعليم في المغرب وأغلب الدول العربية من فجوة تنتج الكثير من العمال غير المؤهلين، كذلك بالنسبة للمديرين الذين يكملون تعليمهم الجامعي، أما العمال في المستويات المتوسطة فلا يوجد منهم عرض كاف لطلبات سوق العمل المتزايدة. وأوضحت أن هناك وصمة اجتماعية تصل إلى حد الأزمة ضد العمل اليدوي رغم ارتفاع الطلب عليه في سوق العمل.
وقد ناقش الدكتور منصف بن عبد الجليل الأستاذ في جامعة أغا خان في لندن عملية الإصلاح التي جرت في جامعة الزيتون التونسية مؤخرا، وأوضح أن المسئولين هناك رأوا أن التعليم الديني بحاجة إلى ان يوسع تركيزة حتى يشمل الأديان غير التوحيدية مثل البوذية الهندية وديانات اليابان وذلك بجانب دراسات الأديان السماوية (الإسلام والمسيحية واليهودية)، وذلك نظرا إلى عدم معرفة غالبية العرب بأي شيء عن طبيعة هذه الأديان.
وقال عبد الجليل في كلامه إن هذا البرنامج واجه تحديات عديدة أهمها معرفة بعض الأساتذة أنفسهم المحدودة عن تلك الأديان حتى يكون في استطاعتهم تدريس هذه المواد. ولهذا تم إرسال هؤلاء الأساتذة إلى بعثات قصيرة إلى ألمانيا لدراسة الأديان المقارنة.
نقد برامج التعليم السعودي من ناحية أخرى وجهت إيلينور عبد الله دوماتو الباحثة في جامعة براون الأميركية نقداً لاذعاً إلى برنامج التعليم الديني في المملكة العربية السعودية التي وصفته بنشر "الكراهية نحو الآخرين". وقالت إن الكتب المدرسية الحكومية تحظر على التلاميذ الصغار تحية الكفار وتخوفهم من تبعات ذلك على سبيل المثال، وتؤكد تلك الكتب أن تحية غير المؤمنين تمثل ذنبا أكبر من ذنب الزنا وذنب الانتحار.
وعلى حد قول دوماتو فالبرنامج التعليم السعودي وبرامج تعليمية أخرى في تسعة دول غربية درستها بالتفصيل تنفي وجود تعددية داخل الإسلام بشكل عام حيث ترسم صورة للإسلام لا يوجد فيها الشيعة أو الزيدية أو البهائية أو أي طوائف أخرى.
أفكار الغزالي والفرابي حول التعليم في كلمة أثارت اهتمام الجمهور، تناول الأستاذ في قسم حضارات الشرق الأوسط في جامعة تورونتو الكندية سيباستيان غونثر موقف المفكرين الإسلاميين الفارابي (القرن العاشر الميلادي) والغزالي (القرن الحادي عشر الميلادي) تجاه التربية والتعليم. وأشار البحث إلى إحصاء العلوم وكتابات أخرى، وأكد غونثر على تمييز الفارابي بين العلم الإنساني والعلم الإلهي واهتمام الفيلسوف الشديد بتطوير برامج التربية والتعليم التي تضم بين دروسها الموسيقى والرياضيات وعلم الفلك وعلم الهندسة. وقال الباحث إن الفارابي شدد على وجود احتياجات مختلفة للطلبة طبقا لاستعدادهم الطبيعي، وحذر من تقديم المعلومات الخطرة لطلاب أشرار على سبيل المثال! كما ميّز بين الطلاب الأذكياء والطلاب الأغبياء وقال إنه لا بد من أن يأخذ المعلم هذه الفروق في عين الاعتبار.
أما الغزالي فتحدث غونثر عن كتابه إحياء علوم الدين، مؤكداً قبوله لمبادئ المنطق اليوناني بالرغم من تشديده على الدين وأهميته، وفي الوقت نفسه رفض الغزالي الإيمان الأعمى بدون التفكير والدراسة. وقد شدد الغزالي على أهمية التفاهم عند المعلمين وطلب منهم أن يعاملوا التلاميذ نفس معاملة أولادهم. وبالنسبة للغزالي، كما هو الحال للفارابي، الغاية من التعليم هي تحسين النفس وتزكية الفضائل الأخلاقية.
عن طريق الاستنتاج أعاد غونثر مرة أخرى الفروق الأساسية بين الفيلسوفين وهي أن الفارابي يعطي وزناً مساوياً للتأثيرات الأجنبية والإسلامية بينما الغزالي يشدد على أهمية الإرث الإسلامي. أما بالنسبة لأهميتهما في الزمن الحاضر فقال غونثر "إن كلاهما وافقا على ضرورة تعليم أي علم لا يناقض الدين وحذرا من سوء استخدام العلم".
منظورات أخرى حول الأساليب التاريخية رفض الأستاذ في قسم الدراسات التاريخية في جامعة جنوب إلينوي الأميركية ستيف تمري
تقسيم تاريخ التعليم الإسلامي العربي إلى عصر الذهبي وعصر التدهور خلال فترة حكم الإمبراطورية العثمانية. وأكد أن الأتراك مثلوا قوة إيجابية للتعليم والإصلاح في بعض الأحيان. وأشار إلى التعليم في سوريا في القرن الثامن عشر كحالة جيدة حيث أن أهل دمشق اشتركوا في تحديد برنامج التعليم ولم يخضعوا تعليمهم لمناهج تحدد من إستانبول عاصمة الخلافة.
وتناولت مليكة زغل الأستاذة في كلية الدراسات الدينية (اللاهوتية) في جامعة شيكاغو قضية إصلاح التعليم في مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين خصوصاً فيما يخص تحديث جامعة الأزهر حيث أصبحت مؤسسة تتمتع بالتبعية الشديدة للحكومة المصرية. وأكدت زغل إلغاءاً نظام التعليم الإسلامي، وتفضيل عبد الناصر تحويل الأزهر إلى أداة تسيطر على المعارضة الدينية في قانون صدر عام 1961. ورؤيته التي شملت على وجود هناك دور مفيد لجامعة الأزهر كقوة موازنة لقوة جماعة الإخوان المسلمين بما يعطي قدراً من الشرعية لمصر بين الدول العربية والإسلامية.
وتابعت القول أن معاهد الأزهر حلت محل الكتاتيب التقليدية في مصر منذ ذلك الوقت بحيث تم تقديم التعليم الإسلامي في صورة أكثر تنظيما، وفي هذه الأثناء كانت الفرصة التعليمية الدينية الوحيدة أمام التلميذ هي التعليم الأزهري، وتم في أحيان كثيرة تفضيل معاهد الأزهر على المدارس الحكومية العامة. ووصفت زغل جامعة الأزهر بأنها مؤسسة لا تزال تلعب دور الوسيط بين الحكومة المصرية والمعارضة الدينية في الوقت الحاضر.
إرث الاستعمار الفرنسي
في مناقشة أخرى بالندوة دار الحديث حول تركة الاستعمار في المنطقة وتم إلقاء ثلاثة محاضرات عن التأثير الفرنسي على نظم التعليم في كل من المغرب والجزائر ولبنان. وأكد أسامة أبي مرشد أن فرنسا لم تهتم بالخصائص المحلية في خلق نظام جديد للتعليم بعد احتلال الجزائر عام 1830 بل استوردت خبراء من تجاربها الاستعمارية السابقة في بلدان أخرى. وقال إن السلطات الفرنسية لم تفهم لماذا لم يسارع مواطنو الجزائر إلى ارسال أبنائهم إلى المدارس الفرنسية الجديدة التي جذبت عدداً ضئيلاً فقط من المسلمين.
وأضاف الأستاذ في جامعة ولاية نيويورك في مقاطعة ناسو سبينسر سيغالا ناظرا إلى التجربة المغربية في أوائل القرن العشرين، أن التعليم لم ينتشر إلى حد كبير تحت الحكم الاستعماري الفرنسي بل كان حصرا على نسبة صغيرة من السكان في المدن، مشيرا إلى أنه عندما كسب المغرب استقلاله عام 1956، كان هناك فقط 11 بالمائة من الأطفال في سن الدراسة يحصلون على التعليم المدرسي. (تقرير واشنطن)