نقداً للانتخابات البرلمانية العراقية الثالثة

احتل التأكيد على انتخاب الكفؤ والنزيه والمخلص الصادق مساحة واسعة في الإهابة بالمواطنين العراقيين للتوجه الى صناديق الاقتراع في الثلاثين من نيسان الماضي.

ولتكرار التأكيد ذاك وصدوره من فئات دينية وسياسية لا تحصى، خيل للمرء، أنه للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات العراقية يدعى الى ذلك التأكيد، في وقت يعلم فيه الجميع، ان الحملات الانتخابية التي سبقت عمليتين انتخابيتين برلمانيتين عراقيتين في 15/12/2005 و7/3/2010 تضمنت التأكيد نفسه، ومع ذلك كان الفوز معقود لواؤه لنقيض الكفؤ والنزيه.

واوحى تكرار التأكيد ايضاً من أن النواب السابقين كانوا جميعاً من الفاسدين واللصوص والسراق، علماً ان العمليتين الانتخابيتين المذكورتين كانتا الاقل تزويراً وتزييفاً من تلك التي جرت يوم الثلاثين من نيسان/ابريل 2014.

لقد حمل المتحمسون لاجراء الانتخابات والمشجعون للمواطنين بالمشاركة فيها، المواطن العراقي، وزر صعود اللامناسب إلى المكان المناسب (البرلمان) ونسوا أو تناسوا، أو لم يخطر ببالهم، ان الأحزاب والكيانات السياسية هي التي تختار المرشحين للبرلمان وتفرضهم على الشعب.

عليه والحالة هذه، وجب تحميلها مسؤولية تسليط اللامناسب واللامرغوب على الجماهير، دع جانباً القول، من أن عضو البرلمان وكيانه السياسي، وقل الشيء ذاته عن الوزراء والمسؤولين في السلطة التنفيذيه وكذلك في السلطة القضائية ايضاً.

ان الحزب هو السلطة الأولى أو السلطات ان جاز التعبير، في العراق أو البلدان التي تعيش أوضاعاً مماثلة للوضع العراقي، فإلى متى السكوت عن الأحزاب وتحميل المواطن العراقي جرائم الأحزاب بحق الناخبين؟

ثم الا يعني التكرار المتواصل والذي نوهنا إليه استهانة بقدرة المواطن العراقي على الفهم والتلقي، لكي يجري جلده على امتداد شهر للحملات الانتخابية بنصائح مزعجة ومن قبل أشخاص مزعجين بان يختار الصالح وينبذ الطالح.

وفي الحملات الانتخابية العراقية، كان شعار الجميع هو التغيير، من غير ان يوضح أحد مضمون التغيير الذي يطالب به ويرمي إليه، كأن يتم تحديد سقف زمني لإجراء الإحصاء السكاني العام أو تطبيق المادة 140 لحل مشكلة المناطق المتنازع عليها بين حكومتي المركز والأقليم، أو تشريع قانون النفط والغاز او قانون الأحزاب، فحل المشكلة السنية بتلبية مطالب المعتصمين، أو كونفدرالية للسنة، وعلى الصعيد العربي توطيد العلاقات مع الدول العربية سيما اذا علمنا ان علاقة العراق بتلك الدول متوترة جداً.

نعم ان الكل نادوا بالتغيير ولكن من غير ان يسموا المجالات التي يجب ان تشمل بالتغيير، ولست مغالياً إذا قلت، انهم كانوا وما زالوا في حملاتهم الانتخابية يقصدون بالتغيير شيئاً واحداً فقط ألا وهو ازاحة المالكي والحيلولة دون تمتعه بولاية ثالثة.

وكأن بعزله ومنعه، لن تبقى مشكلة أو معضلة في العراق ويحل الوئام والسلام في ربوع العراق، في وقت ان فقدان الأمن والاستقرار ونشوب الحروب والاضطرابات، رافقاً قيام الدولة العراقية من يوم تأسيسه وإلى الآن ولكن بنسب متفاوتة من حكومة إلى أخرى، فهل التغيير يا ترى مرهون بأزاحة شخص أم بأسقاط مجموعة من السلوكيات الخاطئة والاداء الفج.؟ ان المرجعيات الشيعية مثلاً كانت اشد دعوة إلى التغيير، إلا أننا لم نسمع من تلك المرجعيات ولو كلمة حق لانصاف السنة وايقاف الحرب ضدهم أو التوقف عن استفزاز الكرد وتجويعهم.

بلا شك، ان المطالبين باستبدال المالكي بغيره لقيادة الحكومة تجاهلوا او جهلوا، ان الذي يخلف المالكي لن يختلف عنه في شيء، ووفق الاستحقاق الانتخابي الاكبر فان منصب رئيس الحكومة سيكون من حصة حزب المالكي وائتلاف دولة القانون، ولنفرض ان المالكي تخلى عن طموحه بولاية ثالثة، غير أنه، وهذا ما لا ريب فيه سيحتفظ بالموقع الأول والأمامي في حزبه الفائز، حزب الدعوة الإسلامية، ما يعني أنه سوف يقود الحكومة وبشكل غير مباشر، او من وراء الستار.

قبل انتخابات عام 2005 طالب الكرد أكثر من مرة باستبدال الدكتور ابراهيم الجعفري بآخر، والذي كان رئيساً للحكومة قبل الانتخابات تلك، وهددوا بالأنسحاب من الحكومة إذا لم يتم لهم ذلك، إلا أنهم عدلوا عن فكرة الانسحاب، وتفاءلوا بمغادرة الجعفري للحكم، ليس هذا فحسب بل أنهم ساعدوا المالكي لتسلم السلطة ودخلوا في تحالف مع حزبه والمجلس الاسلامي الأعلى، وعندما ظهرت أولى بوادر رفض المالكي بسبب تفرده في اتخاذ القرارات وعدم تطبيقه لاتفاقية اربيل فلقد اختلف الامر بشأنه بين مطالب بعزله وبين مطالب ببقائه واذكر قولا للرئيس جلال طالباني (لا بديل للمالكي إلا المالكي).

ان من يرفض المالكي اليوم سيرفض حتماً الذي يحل مكانه كذلك، وهكذا نكون أمام قصة لا تنتهي.واخيراً وليس آخراً، هل يعقل منع المالكي من ولاية ثالثة وقد فاز حزبه وائتلافه الانتخابي باعلى نسبة من الأصوات؟ الا يشكل ذلك تحدياً للديمقراطية؟

ان حكومة الولايات المتحدة التي مدت المالكي بأسباب البقاء وقدمت اليه أشكالاً من الدعم في مواجهة خصومه من السنة والكرد طالعتنا فجأة بموقف غريب لما رأت في فوز المالكي بالانتخابات خطورة على أوضاع العراق، زاعمة أي واشنطن من ان الحرب الأهلية ستندلع في حال فوز المالكي، وكأن ما يجري من اقتتال وخراب ودمار منذ سنوات في العراق ليس حرباً أهلية، علماً ان الحرب هذه نشبت في ظل الادارة الاميركية السيئة للعراق بين عامي 2003 والى نهاية عام 2011 أضف الى ذلك في حال عزل المالكي عن السلطة هل يكون بمقدور خليفته تحقيق الأمن والاستقرار في العراق؟

ان الأميركان لا يريدون الخير للعراقيين، ويبحثون عن شخص لادارة العراق يواصل نهج اختلاق الأزمات والمشاكل ويحارب السنة والكرد، ان الاميركان لا يريدون الخير ليس للعراقيين فقط، وانما لشعوب المعمورة كافة.

هل الانتخابات العراقية مطابقة للمعايير الدولية؟

سؤالي هذا موجه أصلاً الى منظمة الأمم المتحدة في شخص ممثلها في العراق نيكولاي ميلادينوف الذي قال ان الانتخابات العراقية أتت مطابقة للمعايير الدولية، يبدو أن ميلادينوف غض النظر عن الأحداث العراقية التي تقول خلاف ما ذهب اليه.

ففي يوم الانتخابات مثلاً تواصلت المعارك في مناطق كثيرة في العراق، حتى ان الحكومة العراقية اضطرت الى استخدام الطيران الحربي في مناطق جبل حمرين، كما ان مراكز انتخابية كثيرة في العديد من المدن العراقية تعرضت الى هجمات انتحارية راح ضحيتها العشرات من الناس، كما سجلت أعمال تزوير وتدخلات مسلحة في تلك المراكز بهدف تحقيق الفوز لأئتلاف انتخابي معين أو لائتلافات انتخابية معينة، وقبل يوم البدء بالانتخابات كانت الارقام تقول ان 60% من مدن الأنبار تبقى محرومة من المشاركة في الانتخابات وانه يتعذر على 90 ألف إنسان في قضاء أبوغريب من الذين نزحوا من القضاء بسبب الإرهاب والفيضانات المشاركة فيها من العيوب والمثالب التي رافقت العملية الانتخابية، لذا فان قول ميلادينوف اشبه ما يكون برمي حصوة في الظلام وانه قول لا مسؤول بالمرة، وساهم إلى جانب التدخل الأميركي وموقف الجامعة العربية المتسم بالجهل للأوضاع العراقية في جعل الانتخابات العراقية الاكثر مخالفة للمعايير الدولية وليس العكس. ومع ذلك فان قبول الكيانات السياسية بنتائج الانتخابات على علاتها هو الاهم.

ومن المآخذ على الانتخابات العراقية ـ ويا لكثرتها! ـ تكبيل الناخب العراقي بقيود تلو القيود في كل عملية انتخابية وهذه القيود إن دلت على شيء، فهي تدل على مدى أزمة الثقة بين المواطن والسلطة.

ففي انتخابات نيسان مثلاً فرضت على المواطنين العراقيين البطاقة الالكترونية, وعدها من الأوراق الثبوتية في حال توجه المواطن الى دائرة حكومية ما لإنجاز معاملة له والذي تولدت لديه مخاوف من أنه إذا لم يكن حاملاً لتلك البطاقة فان اجراءات عقابية قد تطاله.

ولولا البطاقة الالكترونية لما كان من مجموع اكثر من (20) مليون ناخب يتوجه (12) مليوناً منهم الى صناديق الاقتراع أي ان نسبة المشاركة كانت تأتي ضعيفة للغاية لولا تلك البطاقة التي روج بعضهم لها من انها ستسد الطريق أمام التزوير والنيل من ارادة الناخب.

ولقد سبق البطاقة الالكترونية استخدام الجهاز الالكتروني في انتخابات مجالس المحافظات في العام الماضي، وسبق الاثنين استخدام الحبر البنفسجي.

وظل الحبر البنفسجي والجهاز والبطاقة الالكترونيين عاجزين عن وضع حد للتزوير، ولولا فتاوى رجال الدين التي بلغت حد تكفير للممتنع عن المشاركة في الانتخابات لعجزت عن اقناع المواطنين بالمشاركة الواسعة في الانتخابات.

نعم فمن مجموع اكثر من 20 مليون ناخب عراقي لم يتوجه الى صناديق الاقتراع سوى 12 مليوناً!

واذكر القارئ الكريم ان عدد الذين كان يحق لهم المشاركة في الانتخابات هو اكثر من 21 مليون ناخب ما يفيد من ان الحبر البنفسجي والجهاز الالكتروني والبطاقة الالكترونية وفتاوى رجال الدين وبلاغات الاحزاب اثبتت عقمها في حمل المواطن العراقي للتوجه الى تلك الصناديق وبالشكل الذي توخته الفتاوى والبنفسجي والالكترونيات وغيرها.

ومن القيود ايضا مطالبة الناخب الكردي في بغداد بابراز البطاقة التموينية، وكذلك المطالبة باستخدام القلم المخصص من قبل مفوضية الانتخابات حصرا عند التأشير على اسم الناخب او الكيان السياسي.

وعند مراهنتهم على خسارة المالكي وحزبه وائتلافه الانتخابي (دولة القانون)، اثبت معظم القادة السياسيين العراقيين وكذلك اكثرية المراجع الدينية الشيعية والسنية جهلاً فظيعاً بالواقع العراقي الراهن، وعارضوا بقوة ولاية ثالثة للمالكي بل وكانت خسارة المالكي لديهم امراً مفروغاً منه، على الرغم من معارضتي للعديد من سياسات المالكي، إلا أنني لم ادخل في تلك المراهنة الجاهلة الساذجة، بل وقفت على الضد منها فقبل اجراء الانتخابات بنحو ثمانية ايام قلت في زاويتي الاسبوعية في صحيفة "افرو" الكردية والتي تصدر في دهوك وهي صحيفة واسعة الانتشار، وتحت عنوان "صورة العراق بعد انتخابات 30 نيسان" من ان المالكي سيفوز بالانتخابات، واستغرب بعضهم من قولي هذا.

وقبل اجراء الانتخابات بأيام قلائل زارني وفد من مكتب فضائية العراقية باربيل لاجراء مقابلة معي، قلت لهم بعد اجراء المقابلة من ان المالكي وحزبه وائتلافه سيفوزون، وحرصت على عدم بث القول لأسباب عدة واستغربوا بدورهم من كلامي، وقبل اجراء الانتخابات ايضاً، اتصلت بي عبر الموبايل طالبة ماجستير من الإمارات للوقوف على رأي بخصوص فوز المالكي بالانتخابات من عدمه، واكدت لها بأن المالكي سيفوز بقوة رغم الحملات المناهضة والجبارة له وتحريم مرجعيات دينية التصويت للمالكي، فاستغربت بدورها، وقلت لها لا تستغربي وانتظري النتائج.

علماً ان رفض المالكي ما زال قائماً ويستعين خصومه حتى بالسحرة والمنجمين، وابرازهم لتنبؤ منجم عربي ملقب ب"نوستراداموس العرب" من ان المالكي سيقتل بعد الانتخابات!

"كيفما تكونوا يول عليكم" حديث نبوي شريف ينسحب على اكثرية العراقيين شعباً وساسة، فبسبب من الجهل والتخلف والخداع الذي مارسته الحكومات العراقية السابقة، اصبحنا امام شعب في تشبثه بالخرافات وعدم فرزه الابيض عن الاسود، وكأنه قد خضع لعملية غسل دماغ استغرقت عقوداً من السنين، واذا بساسته وقادته من حزبيين وحكوميين مثله تماماً، فها هم يتقاطعون مع العقل والمنطق في سعيهم لنفي الفائز الاكبر الذي حاز بثقة اكثرية الشعب سواء بجدارة أو عدم جدارة ويعني الوجه الاخر لنفيهم التوجه الى الذين لم يرتقوا الى الفائز الاكبر، ونالوا أصواتاً دون أصواته. هل حصل في دولة تفضيل الخاسر على الرابح؟

وقبل ان انهي مقالي هذا على المالكي واقطاب حزبه وائتلافه، في غمرة فوزهم المبين، ان يراجعوا حساباتهم ويقدموا سريعاً على تلبية مطالب الكرد والسنة وبقية الاطراف العراقية اذا ارادوا ولاية ثالثة مريحة وحتى رابعة أيضاً، وان يعمقوا من الديمقراطية ومبادئ حقوق الانسان ويستفيدوا من اخطائهم مع تجنب الاقصاء والتهميش والفردية في اتخاذ القرارات، واضطهاد هذا المكون أو ذاك، ان التغيير الحقيقي هو في انصاف المكونات الاجتماعية ونشر الديمقراطية واجراء المصالحة ومعانٍ سامية اخرى.على المالكي اتباع هذا الطريق وألا يحيد عنه وسيضمن اكثر من فوز وولاية.