نقاش هادئ لأفكار عزام الأحمد: مَنْ يخرج عن المشروع الوطني؟

بقلم: محمد بهلول

شكّل التعنت والتصلب الإسرائيلي في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، كما التراجع الملموس لإدارة أوباما عن سلسلة الوعود والتطمينات التي أغدقتها على الطرفين الفلسطيني والعربي في بداية عهدها، ولادة حراك سياسي حاد وجاد في الساحة الفلسطينية، لدى فصائلها ونخبها وإلى حد كبير لدى كل أطياف المجتمع الفلسطيني وتجمعاته الجغرافية المختلفة، وإن كانت معظم القوى السياسية تشهد منذ فترة حراكاً داخلياً إلا أنه في الفترة الأخيرة بدأت تطفو إلى العلن نتائج هذا الحراك من خلال الدعوة المباشرة والعلنية لانتهاج سياسة جديدة، أو على الأقل الدعوة إلى حوار جاد رسمي وشعبي للاتفاق على إستراتيجية فلسطينية جديدة، بديلة عن تلك السياسة "سياسة الخيار الواحد"، المعتمدة والتي جربت على مدار تسعة عشرة عاماً وأثبتت فشلها وعبثيتها.

في أوساط المحللين والمثقفين الفلسطينيين، كثيراً ما بدأت تُلحظ مفردات جديدة عن خيارات بديلة، إستراتيجيات أخرى حتى أن أشد المدافعين من هؤلاء عن الخيار السابق، بدأوا ينتقدون هذه السياسة وعقمها وإن ما زالوا لا يقدمون خيارات واقعية بديلة، وبات عدد كبير من هؤلاء وكنوع من رد الفعل الانفعالي يدعون إلى حل السلطة، أي عودة الاحتلال، وكأن الحل استجداء الاحتلال لا مقاومته.

في مثل هذه الأجواء الحراكية، تأتي مقابلة الأخ عزام الأحمد مع تلفزيون "وطن"، والتي بدلاً من أن تقدم تقييماً فتحاوياً شاملاً للفترة الماضية ورؤية فتحاوية وطنية أصيلة للمرحلة القادمة تُعيد بريق فتح في مقدمة المشروع الوطني، نراه يُقدم أفكاراً متناقضة تحمل أوجه تبريرية وتحريضية، إنه أسلوب "الكل مخطئ إلا أنا"، والذي أثبت عقمه في تجارب الشعوب والحركة الثورية العالمية.

إن الإصرار على هذا الأسلوب، وهو ما يلمس في مقابلة الأحمد الطويلة وفي أكثر من مفصل ومحطة لا يبشر بإجراء أي تقييم موضوعي، بل على العكس الإصرار قدماً في المسيرة ذاتها، والتي لم تجلب إلا الخراب والانقسام على مسيرة الحركة الوطنية المعاصرة.

لا نريد العودة إلى الوراء، إلا أن الأمانة تفرض علينا القول أن القيادة المتنفذة في منظمة التحرير وحركة فتح كانت المسؤولة عن الانقسام الحاد، الذي جرى عام 1983، حيث لم تكن حركة حماس موجودة، وكان الإخوان المسلمون متخلفون عن الإسهام في النضال التحرري للشعب الفلسطيني.

وغني عن القول؛ إن أحد أهم النتائج الكارثية التي نتجت عن الانقسام آنذاك، ولا زال الشعب الفلسطيني يدفع ضريبتها إلى الآن، هو الاستعداد للخروج عن ثوابت المشروع الوطني، وهو ما أدى إلى انقسام عربي بديلاً عن الإجماع، وأن اللفظي في أحياناً كثيرة وراء السياسة والمشروع الفلسطيني.

منذ ذلك الحين لم ينفك العديد من الأنظمة العربية من التحلل من الالتزامات التي أكدتها كل القمم العربية حتى ذلك التاريخ، والتحول من موقع الداعم (وإن لفظياً) إلى موقع الضاغط على القيادة الفلسطينية للخروج عن ثوابت المشروع الوطني والتناغم مع المشروع الأميركي ولاحقاً الإسرائيلي لتسوية الصراع، وهو ما يحصل منذ أوسلو حتى اليوم.

بالخلاصة؛ إن أساس الانقسام الأول والذي تمثل بالذهاب إلى الخيار الأردني، بديلاً عن المشروع الوطني، والانقسام الحالي بالذهاب والاعتماد على خيار المفاوضات، كخيار وحيد والتنازل اللفظي والممارسي "التجربة العملية" عن المشروع الوطني، بمعنى أو بآخر؛ إن من يخرج عن المشروع الوطني إلى خياره الخاص (بناءً لمصالحه الطبقية والسياسية ورؤيته لموازين القوى) هو السبب الرئيسي للانقسام، والحل الوحيد لإنهاء هذا الانقسام لا يدور حول تفاصيل توزيع المغانم السلطوية، بقدر احترام أهمية الأساس السياسي لإنهاء الانقسام وبناء الوحدة.

وعلى هذا الأساس؛ فإن من يريد إنهاء الانقسام عليه الاعتراف أولاً بمسؤوليته عنه، كما العودة للالتزام بالمشروع الوطني وتطويراته اللاحقة وأساسها وثيقة الوفاق الوطني، التي جرى التوقيع عليها من كافة أطياف ومكونات الحركة الوطنية الفلسطينية بمن فيهم فتح وحماس، أما السير باتجاه التفاصيل كما يطالب الأخ عزام الأحمد، والذي يحصر أسباب الانقسام بأربعة قضايا تم حل ثلاثة منها في اجتماعات 24/9/2010، ولم يبقَ سوى البند الأخير والمتعلق بالأمن والمتوقع ـ بحسب الأحمد ـ أن يجد طريقه إلى الحل في حوارات 9/11، فإنه يقود في أحسن الأحوال إلى هدنة محدودة.

نعود إذن مع السيد عزام الأحمد إلى المربع الأول، وهو الاتفاق السياسي، وما لم يعلمنا به الأحمد إذ كانت الولايات المتحدة قد تراجعت عن اشتراط موافقة الحكومة العتيدة (بعد المصالحة) عن شروط الرباعية، أما أن حركة حماس باتت موافقة على هذه الشروط، كما أوحى الأحمد، حيث أكد "أنه لمس تغييراً إيجابياً في الفكر السياسي لحركة حماس في الآونة الأخيرة".

بالتأكيد أن الولايات المتحدة لم تتراجع عن اشتراطها بموافقة أي حكومة قادمة على شروط الرباعية، كما من المؤكد أن حماس رغم التغييرات في موقفها السياسي لم تصل لحد الآن للقبول بشروط الرباعية، فبماذا يطمئننا إذن عزام الأحمد، علماً أنه لو وافقت حركة حماس على شروط الرباعية، فإن هذا لن يلغي الانقسام، بل يعمقه لأنه يضع المشروع السياسي الخاص وإن حاز على الأكثرية مؤقتاً، في تعارض واضح مع مصالح المجمل الأعم من الشعب الفلسطيني (وإن كانت عوامل كثيرة منها الامتيازات السلطوية وتأثير المال السياسي) ما يشوّه هذه الحقيقة ويجعل في مراحل محددة ولفترة مؤقتة، إمكانية انصهار المصالح المؤقتة الآنية في انسجام مع تعارض المصالح على المستوى الإستراتيجي والوطني، ولكن تجارب التاريخ تُعلّم وتؤكد أن هذه الظاهرة هي ظاهرة مؤقتة.

يقول الأحمد وتؤيده حماس "إن السياسة الفلسطينية تقوم على عمودين رئيسيين (فتح وحماس)" وهم بالتزامهم بمشاريعهم السياسية الخاصة وطموحاتهم السلطوية أسباب الانقسام في الساحة الفلسطينية، إلا أن الأحمد يعود ليتناقض مع نفسه بالقول "إن كل من يدعم أميركا وإسرائيل يدعم الانقسام"، فهل فتح وحماس يدعمان أميركا وإسرائيل ؟!...

ويخلص إلى النتيجة "إن الذين رفضوا الانقسام هم المناهضين لسياسة أميركا وإسرائيل في المنطقة"، جيد أن يعترف الأخ عزام الأحمد أن اليسار الفلسطيني بفصائله الثلاث الرئيسية إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي، والذين قدموا مبادرات عديدة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أرضية سياسية واضحة وبخطوات وآليات تنظيمية تحمي هذه الأرضية السياسية وتؤسس لشراكة سياسية لكل مكونات الشعب وتعبيراته السياسية المختلفة في النظام السياسي الفلسطيني، هم المناهضين الفعليين للسياسة الأميركية ـ الإسرائيلية على الساحة الفلسطينية.

وربما انطلاقاً من هذه الحقيقة والتي توصل إليها إن بشكل موارب، هي سبب هجومه العنيف على قوى اليسار، والتي اتهمها بممارسة لغتين مختلفتين وعاب عليها ضعف تأثيرها الجماهيري، معللاً بحصولها على أعداد متواضعة في عضوية المجلس التشريعي في المناطق المحتلة.

في البداية؛ لا بد من توضيح بعض الحقائق العلمية للأخ عزام الأحمد، وهو أن كلا الفريقين الانقساميين السلطويين لم ينل في انتخابات جزئية (تجمع جغرافي واحد) من تجمعات الشعب الفلسطيني سوى أقل من نصف أصوات السكان (إذ أن أكثر من 45% من المسموح لهم دستورياً التصويت لم يشاركوا في الانتخابات، وبناءً لدراسات الخبراء فإن عدم المشاركة هي تعبير احتجاجي في المقام الأول).

أما الحقيقة الثانية: فإن نسبة لا بأس بها من الأصوات التي ذهبت إلى فريق من الفريقين، إنما كانت احتجاجاً على الفريق الآخر، أكثر مما كانت تأييداً للفريق المنتخب.

أما الحقيقة الثالثة: وكما يعلمها الأخ عزام الأحمد، فإن الانتخابات في عصر ما بات يُعرف بالعولمة وتطور شبكة الاتصالات والتنامي المذهل للمال السياسي، إنما باتت صناعة أكثر منها خيارات حقيقية ديمقراطية للناس.

إن نسبة ليست بالقليلة من الناس (تجارب العديد من الدول ومن بينها دول متطورة) إنما تنتخب وفق قاعدة المصالح الآنية المباشرة وليس وفق خيار الوعي بالمصالح الوطنية والإستراتيجية.

إن المال السياسي ونفوذ السلطة، هو الذي أتاح لكتلة الأخ عزام الأحمد الانطلاق من قاعدة انتخابية قوامها أكثر من 150 ألف موظف، ومئات الملايين من الدولارات، ولكن؛ هذه القاعدة الانتخابية لا يمكن الركون عليها للحفاظ الدائم على نفوذ سياسي، فسرعان ما تتغير وفق الآليات والظروف نفسها، أو في المنعطفات السياسية الكبرى، كما حصل في أكثر من محطة في فلسطين أو في دول مجاورة.

ألم يفكر الأخ عزام الأحمد؛ أن انتخابات نزيهة (في ظل قانون يحدد آليات الصرف الانتخابي الحقيقي) وفي مناطق الشتات يمكن أن تقلب النتيجة رأساً على عقب.

مرة أخرى نقول للأخ عزام الأحمد: إن الصناديق في ظل إغراق المال السياسي والزبائنية في الوظائف بأجهزة السلطة ليست هي عنوان النفوذ السياسي، بل عنوانه الحقيقي الحفاظ والدفاع عن المصالح الحقيقية للشعب، وإن غابت هذه الحقيقة، مؤقتاً نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، إلا أنه في المفاصل هي الأساس.

ذخيرة اليسار بكل أطيافه وبمعزل عن تبايناته التكتيكية، كونه صاحب أرضية الحفاظ والدفاع عن المصالح الواقعية والحقيقة للشعب الفلسطيني، وهي التي ستتكلم في نهاية المطاف.

الثبات على وحدة الشعب الفلسطيني هي بالثبات على المشروع الوطني، والخروج عنه يعني الانقسام والضياع.

محمد بهلول

كاتب عربي فلسطيني ـ دمشق