نقاش في السجال الشيعي الشيعي المحلي!

بقلم: محمد الشيوخ

على خلفية مقالة لكاتب هذه السطور نشرت مؤخرا بعنوان "فلاسفة جدد يبشرون بإسلام لم يخلقه الله بعد"، بعث لنا احد الزملاء الفضلاء، وهو متابع بوعي لما يجري في الساحة المحلية من حراك، بعث رسالة مطولة مرتبطة بالجدل الشيعي المحلي، واصفا غالبة ردود الفعل الشيعية/الشيعية على الإحداث المحلية الساخنة بالمتشنجة، مستنكرا تعامل بعض المثقفين والكتاب مع الناس بفوقية، وفي ذات السياق يرى ان الدعوة إلى التعايش ما هي إلا تحصيل حاصل، متسائلا لماذا تم استبدال مشكلتنا الأساس (التمييز الطائفي) بمشكلة "مزعومة" اسمها التعايش!
في تقديرنا ان ردود الفعل الحادة بين بعض القوى الشيعية وبعضها البعض في الساحة المحلية، تعكس في جانب منها حالة القلق والتوتر والحراك الذي يعيشه الشيعة في المملكة ككل، وهو راجع إلى أسباب كثيرة، ربما أبرزها ثلاثة أسباب.أولاها، عدم وجود تواصل فاعل بين القوى المختلفة، ثانيها، انعكاس لحالتي الإحباط والاحتقان من جراء الضغوط المتزايدة على الشيعة في المملكة. والسبب الثالث، بطئ حركة الإصلاح الشامل في المملكة، أن لم يكن جمودها، والأخير مشكلة عامة تلقي بظلالها السلبية على أبناء المجتمع السعودي ككل.
طبيعة الصراع الذي يجري بين مختلف الفرقاء في الطائفة، ليس سيئا بالمطلق، كما انه ليس محمودا بالمطلق أيضا. جزء منه على الأقل، وبصورة أدق، إن بعض أنماطه، تعكس وضعا ليس مريحا للجميع وبحاجة إلى مبادرات لمعالجته وترشيده. إلا ان الصراع الفكري كنمط آخر، يمثل حالة طبيعية وايجابية يعيشها المجتمع الشيعي وسائر المجتمعات المتطلعة للنهوض، وهو حراك ضروري وحتمي يعبر عن حركة التدافع الداخلي، وينبغي أن يدعم ويعزز لأنه الخيار الأنسب والمتاح لنضوج الأفكار وخصوبة الآراء وترشيد الحراك وتكيف القوى للقبول بالتباينات البينية القائمة.
ما ينبغي التنويه إليه، ان ساحتنا المحلية ليست هي الساحة الوحيدة التي تخوض هذا الجدل الفكري، أو تتصارع قواه الداخلية مع تحفظنا على بعض مظاهر وأشكال هذا الصراع، كما ان الحس النقدي المتنامي في الساحة، يعكس الحالة الديناميكية والحيوية التي يعيشها المجتمع. وهو مؤشر على ان مساحة النقد وسقف الجرأة والتعبير عن الرأي آخذة في الاتساع. وهو بالمناسبة حراك إيجابي بالمجمل وليس سيئا بالمطلق كما يتصور البعض، رغم وجود بعض المؤاخذات كما أسلفنا.
نرفض الإساءة ولا يكفي الاعتذار في جنح الظلام:
فيما يتعلق بالإساءة إلى الآخر ومن أي طرف، هو فعل مرفوض بلا نقاش. والمطلوب منا جميعا رفض كل أشكال الإساءات لأي طرف كان، سيما الرموز الدينية والشخصيات الاجتماعية. وفي الوقت الذي ينبغي تشجيع الناس ودفعهم لتحمل أدوارهم النقدية ومن بينها محاكمة الأفكار ونقد الأطراف والجهات المسيئة. لكن، هذا لا يعني بأي حال من الأحوال، إننا مع التحريض والإساءة إلى الآخرين بذريعة النقد والمحاسبة، كما ان هنالك فرق شاسع وواضح بين النقد والإساءة فلا ينبغي الخلط بينهما.
كل فرد معني بالشأن العام يتحمل مسؤولية تصرفاته وآرائه، وينبغي له ان يتقبل النقد والمحاسبة برحابة صدر ولا فرق بين كاتب أو ناشط ورجل دين، فكلهم سواء. كما أنه من مسؤوليتنا تعزيز حالة الشفافية والنقد على كل الصعد والمستويات، من واجبنا أيضا تشجيع وتحفيز المحسن للزيادة في الإحسان والوقوف ضد المسيء وإدانة الإساءة بغض النظر عن مصدرها.
مع شديد الأسف هنالك أطراف وجهات أرتضت الإساءة إلى نفسها، بفحش الكلام وبعض المواقف المخزية، وعبرت عن ذلك من خلال مواقع مقدسة وفي مناسبات أبعد ما ينبغي أن تتحول إلى محطات لمثل هذه التصرفات المشينة، والأكثر حزنا أن البعض يتعبد لله بهذه المواقف، وإذا ما طولب بالكف عن هذه الممارسات تذرع بقائمة من المرجعيات الدينية زاعمين زورا بأنها مؤيدة وداعمة لهذه المواقف المقززة!.
في ظننا، إذا ما كان هنالك ثمة تجاوز أو إساءة علنية لشخصية ما، فعلى الجهة أو الطرف المسيء والحاضن والداعم للإساءة اتخاذ موقفا علينا وواضحا بالاعتذار للطرف المساء إليه، إذ لا يكفي الاعتذار في جنح الظلام وعتمة الليل في حين أن الإساءة تمت في العلن وفي وضح النهار.
ظاهرة التمييز الطائفي ومسارات المعالجة:

أما بخصوص مشكلة التمييز الطائفي، نعتقد بان الشيعة في المملكة يعانون من مشكلات عديدة من بينها، بل على رأسها معضلة التمييز الطائفي وهي مشكلة سياسية بالأساس ووطنية أيضا. بمعنى آخر أن غالبية المجتمع السعودي يعاني من تبعاتها ويتوجع بسببها، وليس الشيعة وحدهم فحسب. وهذا صار معلوما لدى شريحة أظنها واسعة من المثقفين والناشطين السعوديين في المملكة.
لا جدال في أن معضلة التمييز هي مشكلة عامة ومصدر للعديد من المشاكل وينبغي أن تحل من خلال إجراءات سياسية. لكن الحل السياسي وحده، كما نظن، ليس كافيا، مع أهميته. وفي الوقت الذي نحن بحاجة فيه إلى حلول سياسية للمشكل الطائفي، وهو أمر مهم وقد يحل90% من المشكلة، إلا إننا لا نستغني عن الحلول الاجتماعية والثقافية والتربوية المساهمة في قلع جذور المشكلة وكنس آثارها وتحصين المجتمع من مظاهرها وأشكالها وصورها المتعددة. هذا أولا، وثانيا، بما أن مشكلة التمييز مشكلة عامة ليس مطلوبا من الشيعة وحدهم فقط السعي لمعالجتها، وإنما ينبغي لكافة نشطاء المجتمع التصدي لهذه الآفة الخطرة. وهذا لا يعني، بكل تأكيد، أن يتخلى الشيعة عن مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية والدينية والوطنية في السعي لمعالجتها حتى وإن أحجم الجميع عن ذلك.
ومن هذه الزاوية تحديدا، أرى من الأهمية بمكان ان يبذل الناشطون جهدا لوضع هذه المشكلة في سياقها الوطني العام، ومن ثم دعوة جميع المعنيين للإسهام في الحل للقيام بدورهم وأداء واجبهم حيالها. أظن ان الجهد الذي يبذل في هذا السياق، هو أسهام حقيقي في حل المشكلة، بينما اكتفاء البعض بمطالبة نشطاء الشيعة بتحمل مسؤوليتهم حيال هذه المعضلة دون ادني معرفة بمسارات المعالجة التي يقوم به بعض الناشطين، هو جهل مركب’ خصوصا إذا كان مصدر هذه المطالبة أطراف تزعم أنها متخصصة ومتصدية لمعالجة هذه الظاهرة.
أظن أننا بحاجة إلى إعادة قراءة تجارب الشعوب التي ناضلت للقضاء على هذه المشكلة، كتجربة الملونين في أمريكا، لمعرفة ماهية الجهود الرسمية والشعبية التي بذلت قبل القضاء على التمييز والجهود التي لازالت تبذل لمقاومة آثاره وأشكاله، وللتعرف أيضا على مسارات الحل الفاعلة والشاملة، في ظل وجود التميز وما بعد زواله. إذا قرأتا ذلك، سنصل إلى نتيجة مؤداها: أن الحل السياسي مع أهميته لا ينبغي أن يتم بمعزل عن لحلول والمعالجات الأخرى، سواء في ظل وجود المشكلة أو بعد حلها.
المطلوب أذن، العمل على كافة المسارات، ومن لديه القدرة والإمكانية للعمل، فالمسارات والخيارات على مختلف الأصعدة واسعة ومفتوحة أيضا، والشيء الناقص في المعادلة هو الجهد المدروس وليس شيئا آخر.
أرى من الأهمية بمكان أن يبذل الناشطون الشيعة جهدا في رصد جميع مشاكلهم، ومن ثم التفكير والمناقشة بصوت مسموع في كيفية حلها عبر رؤية واضحة ودراسة وافية ومن خلال مشاريع حقيقية وبوسائل ممكنة، كما ينبغي لهم ان يتحركوا على كافة المسارات السلمية الممكنة. إذا وصلنا إلى هذه المرحلة من التفكير والسعي سنجد أنفسنا أمام عدة مشاريع ورؤى خلاقة تتنافس حولها القوى الشيعية بايجابية ونضج وعقلانية، كما سنرى تغييرا إيجابيا ملحوظا في حل مشكلاتنا العالقة. بغير ذلك سنبقى ندور في أماكننا دون فائدة تذكر!
الدعوة للتعايش ليس هروبا عن مشكلة أكبر:
فيما يتعلق بموضوع التعايش وتجسير العلاقة مع الآخر، شخصيا أرى ان بلدنا، وبالخصوص في حال تغيرت بعض المعادلات المحلية والإقليمية، لديه القابلية لان ينزلق في مشاكل وفتن طائفية أسوة بما حدث في العراق، لبنان، باكستان، وأفغانستان وغيرها. وكل مقومات هذا الانزلاق قائمة، كما ان كل الاحتمالات غير مستبعدة. وسبق أن ألمحت إلى ذلك عبر مقالة مفصلة في هذا الشأن نشرت قبل أعوام.
وبالتالي ينبغي العمل على تجنب تلك المرحلة المحتملة وغير المستبعدة أيضا، من خلال العديد من الأنشطة والبرامج الممكنة والتي يمكن ان تجنبا من الوقوع في أتون المشكلة المحتملة. أظن ان في مقدمة هذه الأنشطة والبرامج الكفيلة بتحقيق تلك الغاية هي مد جسور العلاقة والتواصل مع كافة الأطراف والجهات الرسمية والشعبية في الداخل السعودي، لتحصين المجتمع كي لا يصل إلى تلك المرحلة المدمرة. وبصرف النظر عن تلك القراءة، فيما لو سلمنا جدلا إنها غير صائبة، فأن الوضع الطبيعي في أي وطن يضم أطراف مختلفة ومتنوعة سواء بينهم مشاكل أو وفاق تام، وبمعزل عن التحديات المحدقة والمتغيرات المحتملة، يفرض على كل مكونات المجتمع التواصل والتلاقي، وهذا ما يدعوا له الدين ويعززه العقل وتؤكده الفطرة.
من هذا المنطلق، فان الدعوة إلى التعايش ليست مشكلة مزعومة أو بديلة عن مشكلة أكبر، وإنما يمكن النظر إليها في أسوء الأحوال باعتبارها آلية فعالة لمعالجة العديد من المشاكل البينية ومن بينها الإسهام في حلحلة المشكل الطائفي، لذا أرى أن الأطراف والقوى المتخاصمة والمتنافرة، خصوصا الفاعلة والمؤثرة، سواء على الصعيد الشيعي/الشيعي أو السلفي/الشيعي، هي أولى من غيرها بالتواصل والتلاقي، لحل المشاكل البينية وإزالة كافة أسباب التوتر والقلق القائم وتجنب المشكلات المحتملة في الظروف السيئة.

محمد الشيوخ - باحث سعودي M_shayook@hotmai.com رابط المقالة: فلاسفة جدد يبشرون بإسلام لم يخلقه الله بعد