نعم للسلام ولكن لا للعودة للمفاوضات العبثية

بقلم: د. إبراهيم ابراش

كأنها المفاجأة، تعامل البعض في السلطة الفلسطينية مع التصريحات المتطرفة لحكومة نتنياهو الرافضة لحل الدولتين وللاتفاقات الموقعة، وكأنه الانتصار استقبلوا قبول زيارة الرئيس أبو مازن للبيت الأبيض وزيارة ميتشل وتصريحات الإدارة الأميركية الجديدة حول ضرورة الالتزام بحل الدولتين. فهل هناك جديد بالفعل في الحالتين؟ هل إن حكومة نتنياهو تختلف كثيرا عن سابقاتها من الحكومات الإسرائيلية؟ وهل حدث تحول استراتيجي في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية بشكل عام؟ هل إسرائيل وأميركا تغيرا أم أن الحالة الفلسطينية والعربية هي التي تغيرت بحيث باتت كالغريق الذي يتشبث بقشة؟ أو كالعاجز الذي يبحث على من يعلق عليه فشله وحالة عجزه؟
أولا: بالنسبة لموقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
لا نجد في مواقف الحكومة الإسرائيلية اليمينية سواء فيما يتعلق بعدم الاعتراف بحل الدولتين أو بعدم الاعتراف بالاتفاقات الموقعة وخصوصا بتفاهمات أنابولس أية غرابة، تصريحات ليبرمان ونتنياهو ليسا بالأمر الذي يستحق كل هذا الضجيج وذلك لسببين:
1: سبق لحزب الليكود ولنتنياهو شخصيا أن كان على رأس الحكومة الإسرائيلية عام 1996 ومواقف حزب الليكود معروفة للجميع وكذا مواقف نتنياهو، وحتى بالنسبة لتصريحات ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا فمواقفه معروفه سواء تجاه الفلسطينيين أو تجاه مصر والعرب عموما. إن تهويل تصريحات حكومة نتنياهو والتخويف من الآتي قد يقلل من خطورة ما مارسته الحكومات السابقة وخصوصا حكومة أولمرت. ففي ظل حكومة ترأسها حزب كاديما ووزير دفاعها من حزب العمال مارست إسرائيل أفظع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني سواء القتل والتدمير في غزة أو الاستيطان والتهويد في الضفة. حدث هذا في ظل القول بالالتزامات بالاتفاقات الموقعة وبحل الدولتين. يجب الحذر من مناورة تأخذ شكل توزيع ادوار ما بين ليبرمان ونتنياهو بحيث يصرح الأول تصريحات متطرفة تثير الرأي العام الدولي وخصوصا الإدارة الأميركية التي تتدخل وتبدو وكأنها مستاءة وتمارس ضغطا على إسرائيل فيتقدم نتنياهو ويقدم تنازلات يعرب من خلالها قبول فكرة حل الدولتين ويشترط مقابل ذلك قبول الفلسطينيين بيهودية الدولة الصهيونية، هذه المناورة ترضي اليمين الصهيوني وترضي الإدارة الأميركية في نفس الوقت وتُظهر إسرائيل وكأنها راغبة بالسلام وتُحمل الفلسطينيين مسؤولية تعثر التسوية إذا ما رفضوا شرط الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وحتى مع عدم القبول المعلن للإدارة الأميركية بشرط نتنياهو أن يعترف الفلسطينيون بيهودية الدولة فستحاول الإدارة الأميركية استرضاء نتنياهو بتنازلات تنتزعها الإدارة الأميركية والرباعية من الطرف الفلسطيني في قضايا أخرى كاللاجئين أو القدس.
2: إنه سبق وان اعترفت حكومات إسرائيلية بحل الدولتين ولكن كان اعترافا لفظيا، حيث وظفت الحديث عن حل الدولتين وعن التسوية لتقوم بأكبر عمليات استيطان وتهويد للضفة والقدس وتسهيل تنفيذ مخطط فصل غزة عن الضفة،وعليه فإن الفرق بين الحكومة الإسرائيلية الحالية وسابقتها هو في الخطاب وليس في الممارسة، في المناورة والتكتيك وليس في الإستراتيجية، وعليه يجب عدم النظر للقبول المشروط لحكومة نتنياهو بحل الدولتين وكأنه تنازل أو توجه نحو السلام، ويجب عدم التعامل مع (الضغوط) الأميركية على إسرائيل لقبولها بحل الدولتين وكأنه تغير في السياسة الأميركية أو خطوة متقدمة نحو التسوية تستدعي العودة لطاولة المفاوضات، ونخشى أن هذا – العودة لطاولة المفاوضات - هو الهدف الأميركي الراهن والهدف الإسرائيلي لأن ذلك سيعيد الفلسطينيين لمفاوضات عبثية ستمنح إسرائيل الغطاء لمواصلة سياستها الاستيطانية في الضفة وعمليات تهويد القدس التي تزايدت في الفترة الأخيرة.
ثانيا: بالنسبة لموقف الإدارة الأميركية من حل الدولتين.
ست سنوات مرت على الطرح الأميركي لحل الدولتين دون أن يتحدث مسؤول أميركي ولو مرة واحدة عن حدود هذه الدولة الفلسطينية وأين ستقام؟ لم نسمع مسئول أميركي يقول بأن هذه الدولة العتيدة ستقوم على حدود عام 1967 وستشمل القدس مع عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولم يصدر عن الإدارة الأميركية الداعمة لحل الدولتين أي تصرف أو حتى تنديد بالممارسات الاستيطانية في الضفة وهي ممارسات تجعل إمكانية إقامة الفلسطينية مستحيل وحتى عندما تم عرض قضية الجدار العنصري على محكمة العدل الدولية وهو الجدار الذي يقتطع حوالي نصف مساحة الضفة الغربية، وقفت الإدارة الأميركية التي تقول بحل الدولتين موقفا مؤيدا لإسرائيل ورافضا للقرار الصادر عن المحكمة، وهو ما يدفع للاستنتاج أن الدولة التي تتحدث عنها الإدارة الأميركية لن تكون الضفة الغربية جزءا منها، وقد يكون التفكير الأميركي متجها نحو الأردن أو غزة لتكون إحداها الدولة الفلسطينية.

إذن لماذا هذا التهليل للموقف القديم/الجديد للإدارة الأميركية، بل لماذا الاستبشار خيرا بعودة ميتشل كمبعوث للسلام في المنطقة وقد كانت له تجربة فاشلة بالرغم من موقفه آنذاك المعارض لاستمرار الاستيطان؟
نعتقد انه حدثت مبالغة في تقييم التغير في الإدارة الأميركية بحيث حدثت حالة خلط بين التحليل العقلاني والتحليل العاطفي والشكلاني،حدث خلط ما بين الاستبشار التي انتاب البعض النابع عن حالة شعورية نفسية عاطفية تعكس نمط التفكير العربي الذي يؤمن بالرموز والأشخاص وليس بالمؤسسات والمواقف الإستراتيجية، لأن الرئيس الأميركي أوباما بشرته قريبة من لون بشرتنا أو أصوله مختلفة عن الجنس الأبيض أو استبشار نابع من خطاب يبدو مهادنا ومسالما مقابل خطاب ونهج جورج بوش. الخلط بين هذا وبين مرتكزات وثوابت الإستراتيجية الأميركية والتي تعتبر أن التحالف مع إسرائيل له بعد استراتيجي لا يتغير مع تغير الإدارات وان السياسة الأميركية تضعها وتقودها مؤسسات ومركبات اقتصادية وعسكرية وسياسية كبرى لا تتغير بمجرد تغير الرئيس، هذا لا يعني عدم حدوث تغيير في السياسية الأميركية أو أن أوباما سيكون نسخة من سابقه بوش، فالتغيير موجود ولكن هذا التغير بسيط وهو سيكون ملحوظا في مناطق أخرى ككوبا ودول أميركا اللاتينية أو في تعامل الإدارة الجديدة مع الإسلام المعتدل وحتى تجاه إيران في إطار سياسية قديمة للحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه اوباما، وقد يكون هذا التغيير تجاوبا مع تغير الأطراف المقابلة- الفلسطينيون والعرب- ورغبتها في التقرب من واشنطن. أما حدوث تغير بالنسبة للتحالف مع إسرائيل فأمر مختلف على الأقل حتى نهاية السنة الأولى من حكم أوباما.
هذه الرؤية لمواقف الإدارة الأميركية الجديدة لا يعني عدم التعامل مع الموقف الأميركي الجديد وإن كان على مستوى الخطاب بل يجب أن نتعامل معه ولكن مع استحضار حقيقة الإستراتيجية الأميركية في المنطقة وفي العالم ومع استحضار تجربتنا السابقة مع الإدارة الأميركية وان لا نعيش وهم المراهنة على الحل الأميركي ونتجاهل أوضاعنا الداخلية أو لا نفكر ببدائل أخرى غير الاتفاقات الموقعة التي هي سقف الموقف الأميركي.يبدو أن سبب هذا الاهتمام من السلطة الفلسطينية بالموقف الجديد/القديم الأميركي نابع من حالة العجز وغياب البديل الوطني والدولي للتسوية الأميركية. ففي ظل غياب البدائل الدولية والعجز عن إيجاد بديل وطني ستبقى السلطة تراهن على التسوية الأميركية أو التي ترعاها أميركا حتى وإن كانت مراهنة على سراب.
هذا لا يعني أننا نرفض مبدأ السلام والتسوية السلمية للصراع وخطيئة الذين يقولون بالمقاومة أنهم يضعون المقاومة وكأنها نقيض للسلام، ولكن المقصود عدم العودة لمفاوضات عبثية وعدم الارتهان للرؤية والممارسة الأميركية والإسرائيلية للتسوية بل فتح أبواب جديدة للسلام العادل قد يكون المؤتمر الدولي الذي تدعو له موسكو أحدها، ولكن قبل المراهنة على أية تسوية جديدة يجب توحيد الموقف الفلسطيني وإنهاء الانقسام الفلسطيني والعربي والاتفاق على موقف موحد من التسوية والسلام ومبادرة السلام العربية، وإلا فالجديد سيؤسَّس وينبني على واقع الانقسام،والدولة المُشار إليها في خيار حل الدولتين و في خطة خارطة الطريق ستؤول لدولة غزة فقط. د.إبراهيم أبراش ibrahem_ibrach@hotmail.com