نعم بغداد تتطور وتتقدم ولكن.. باتجاه كهوف تورا بورا

بقلم: حبيب تومي

في هذه الأيام تشهد الساحة العربية نهضة من نوع جديد بمنأى عن الفكر الأيديولوجي الديني والقومي، وتركز على الحريات العامة وتوفير العمل والخبز وتعبر عن سخطها من عملية انتقال السلطة وتشبث الرئيس بكرسي الحكم حتى آخر لحظة من حياته، او إجباره على التخلي عن الحكم بالقوة. لقد اشعل البوزعزيزي عود الثقاب لتتواصل شرارته في إشعال الشارع العربي والذي بدأ من تونس وامتد الى مصر، وهو في طريقه الى دول عربية أخرى، والانتفاضة او الثورة يمكن نعتها بأنها سياسية واقتصادية لكنها بمنأى عن التأثير الأيديولوجي الديني او القومي، ما لم يجر الألتفاف عليها أخيراً من قبل الفكر الأيديولوجي الديني.

ونعود الى العراق الذي لم يشهد الأمن والأستقرار منذ عقود كانت مكتظة بغير قليل من الحروب والعنف وسلب حقوق الإنسان العراقي، وهي الفترة التي كانت فيها الأديولوجية القومية مهيمنة على مصائر الوطن العراقي، ومن أجل عيون تلك القومية شنت الحروب واسترخصت دماء الأنسان العراقي ليغدو مشروع جاهز للاستشهاد في اية لحظة. وبعد ان وضعت تلك الحقبة المضنية اوزارها في نيسان 2003 استبشر المواطن العراقي خيراً وراودته الآمال والأحلام بأن الوطن العراقي سيكون جنة عدن ومرتع خصب لولادة الديمقراطية وبناء مجتمع عراقي متعدد ومتعايش في الواحة العراقية، وسينعم الأنسان العراقي بالحرية والسعادة ورغد العيش. على خلفية ان العراق استفاد من التجارب الماضية وحتماً سوف يسلك الطريق القويم نحو المستقبل في البناء والتطور.

لكن الذي حدث ان العراق خرج من نفق الأديولوجية القومية ليلوج في نفق آخر وهو الإسلام السياسي، او تسييس الدين، ومن المسلمات في اوطاننا بأن الحكم الثيوقراطي الديني لا يمكن ان يبلغ بر الأمان، وهو يقود الوطن والشعب الى متاهات ليس لها نهاية، فالدولة الثيوقراطية مهما تجملّت بمسوح الشعارات الديمقراطية وخدمة الشعب فإنها لا تستطيع الوفاء بوعودها.

وفي دولة مثل العراق حينما تضع المعايير الدينية كمحك للحكم على الأمور فإنها حتماً ستعمل على التجزئة والتفريق بين ابناء الوطن الواحد، اولاً بالنسبة للمسلمين انفسهم، الذين كانوا على مر التاريخ ولا زالوا منقسمين بسبب الأختلاف الطائفي بين السنة والشيعة، وهذا الانقسام الطائفي ليس وليد الاحتلال الأميركي عام 2003 كما يزعم الأعلام العربي الذي دائماً يبحث عن شماعة يعلق عليها فشل العالم العربي في التعايش والتطور.

ثم كانت التفرقة الدينية والعنف الديني الذي كان له بدايات منذ اواسط القرن الماضي حينما فرّغ العراق من سكانه الأصليين من اليهود، واليوم فإن المدن العراقية باتت شبه فارغة من المكونين الأصيلين المسيحي والمندائي. إن عمليات الترهيب والترويع والعنف الأجتماعي وأساليب قطع الأرزاق والتسويف والأبتزاز للأستحواذ على بيوتهم وأملاكهم بدون اثمان او بأبخسها، كل هذه الأساليب المنافية للاخلاق والشهامة ولأبسط حقوق الأنسان، اجبرت شعبنا الكلداني وبقية مسيحيي العراق على الهروب والمغادرة الى مناطق ودول تحترم إنسانيتهم وتعاملهم كبشر خلقهم الله.

لقد امضيت قافلة سنين العمر ضمن مجتمع اسلامي معتدل إن كان في بغداد او في البصرة التي كانت مضرب الأمثال في مسالة التعايش وقبول الآخر. ولكننا اليوم نسمع عن إسلام من نوع آخر كالأسلام السياسي او الإسلام الراديكالي او السلفي.. ويبدو ان مصير العراقيين اليوم بمختلف مللهم ونحلهم هي بيد الأسلام السياسي او الراديكالي او السلفي، الذي يعمل على أسلمة الحياة في البلاد وفي مقدمة ذلك كانت المحاولات ولا زالت في تحويل العراق دولة الدين الواحد، وفرض الثقافة الإسلامية المتشددة على المسلمين اولاً وعلى غير المسلمين ثانياً.

ومثال على ذلك في الحملة على منع بيع الخمور في البلاد، فالبارات ومحلات بيع الخمور كانت منتشرة في مدن العراق وفي بغداد، وفي البصرة كان بين كل بار وبار بار، فمن كان يشرب في تلك الحانات يا ترى؟ أليس المسلمون تحديداً؟ ومن هنا سيكون منع بيع الخمور خطوة نحو تقييد حرية المسلم في الشرب قبل تقييد حرية المسيحي او الأيزيدي في مسالة البيع.

إن الدعوات الى منع الاختلاط في الجامعات، وإجبار المرأة على التقيد بملابس التي يقررها الرجل، او الحاكم المتشدد، ومنع مظاهر الغناء والموسيقى والرقص في مهرجان بابل، والتهجم على نادي اتحاد الأدباء في بغداد ومنع المشروب، وتأتي في هذا السياق ايضاً الهجوم على جمعية آشور بانيبال الثقافية، وغيرها من مظاهر الضغط وسلب حريات المواطنين بحجة خلق مجتمع أسلامي محافظ، كل ذلك يأتي في سياق هيمنة الدين على السياسة وتدخله فيما لا يعنيه، فالدين هو في الكنائس والمساجد والمعابد، ولا يجوز فرض القيود الدينية من قنوات سياسية وتلبيس تلك السياسة ثوب المقدس.

لدي ذكريات وتجارب طيبة مع اسر مسلمة كانت سعيدة بجيرتي إن كان في بغداد او في البصرة، ولا يوجد مسلم لا يذكر جيرته مع المسيحيين او الصابئة او اليهود إلا ويمتدح هذه المكونات، إن حدود الاختلاط بين المكونات تذيب الفوارق، وتنشر التآلف والتسامح والتعايش، فكيف بجيل الشباب المسلم الذي لم يخالط في حياته قط مسيحي او مندائي، وليس له فكرة سوى التي يروجها رجل الدين الذي يقسم البشرية بشكل تعسفي الى فسطاط المسلمين المؤمنين، وفسطاط غيرهم من الأديان وجميعهم كفار، اية ثقافة تسامحية سيكون لهذا الطفل او هذا الشاب؟ الذي لا يسمع غير هذا خطاب الكراهية والضغينة على البشرية خارج العشيرة الأسلامية.

الدولة الديمقراطية ينبغي ان تفصل الدين عن السياسة، وإلا، فهي ديمقراطية عرجاء مشوهة، الديمقراطية تشرع الأبواب امام المواطن لمن يدخل الى الكنيسة او لمن يدخل المسجد او الحسينية او الكنيس او المعبد الهندوسي او غيرها، وبنفس السياق تشرع الأبواب لمن يروم الدخول الى الملهى او الى البار، وكل انسان مسؤول امام ربه، فلا يحاسب اي إنسان بجريرة غيره.

على الحكومة ان تنظم بيع المشروبات الروحية، كما كان سابقاً وفق إجازات وشروط مسبقة، وكما كان في ظل حكومات سابقة، لقد كان العراق خالياً من الحشيشة والتحشيش والمخدرات عموماً قبل عام 2003، لكن اليوم نسمع ونقرأ روايات كثيرة عن تفشي استعمال هذه المواد من قبل الشباب وحتى الأطفال، ونسمع ايضاً عن زراعته في ارض العراق.

فلماذا نعمل على تفشي مثل هذه الآفات الاجتماعية، والمجتمعات الأخرى تصرف الملايين لمكافحتها؟ ويعزى واحداً من اسبابه انتشاره هو منع المشروبات الروحية.

يمنع شرب العرق لأنه حرام، ونغض الطرف عن استعمال الحشيشة والأفيون لأنها ليست محرمة. لقد كانت البارات في المدن الجنوبية العراقية كالبصرة والناصرية والحلة... مكتظة بروادها وجميعهم من المسلمين وليس بينهم يزيدي او مسيحي او يهودي او مندائي، بمعنى هذه رغبة الناس من التكوين الأسلامي فلماذا هذه الوصاية على هؤلاء البشر وباسم الدين؟

بعد سقوط النظام في 2003 تبسمت الحياة للشيعة، وكنت شخصياً اعتقد ان هذا المكون الذي طاله الظلم والتهميش لعقود خلت سوف ينطلق نحو بناء عراق ديمقراطي تعددي، لقد كان المكون الكوردي له ظروف مشابهة، لكنه حين ودع عصر الظلم، وبعد ان اصبحت مقاليد السلطة بيده في اقليم كوردستان لم يسع الى الانتقام، بل حتى الذين حاربوا كوردستان في العهود الماضية احتضنهم الأقليم ودمجهم في العملية السياسية والاجتماعية،هكذا تتجلى امامنا نهضة كوردستان.

بعكس المشهد في العراق الذي انتقلت السلطة بيد الشيعة، فالنتيجة مع الأسف كانت تفشي الفوضى، واصبحت مدن العراق خصوصاً تلك المتعددة الطوائف والأديان، فاصبحت مسرحاً للعمليات الثأرية الأنتقامية اليومية والتي ليس لها نهاية إلا بفناء احد الطرفين المتصارعين.

إن ثقافة الثأر والأنتقام لا يمكن ان تبني وطناً، وهكذا دأب مسلسل اللاجئين الى الزيادة والأستمرارية بحيث ان مفوضية اللاجئين تعطينا الرقم نحوثلاثة ملايين لاجئ عراقي في سوريا والأردن ولبنان ناهيك عن اكثر من ميلون من المهجرين داخل العراق.

إن هذه الحالة قد اصبحت امام المتتبع للفضائيات والأعلام، لا يجد امامه من اخبار العراق سوى السرد اليومي لعدد ضحايا التفجيرات في المقاهي والكنائس والمآتم، وعمليات القتل اليومي بأسلحة مزودة بكاتمات الصوت وغيرها. هذا ما دأبنا على مشاهدته وسماعه طيلة السنين السبعة المنصرمة.

العراق سوف لا يبنى بعقلية فصل الطلاب عن الطالبات في الجامعات العراقية او إزالة التماثيل او في محاربة النوادي الأجتماعية والثقافية وفرض قيود دينية متزمتة عليها، إن العراق بحاجة الى لأعادة تأهيل وبناء إنسان عراقي جديد تبدأ من مرحلة الطفولة بغرس مناهج وبرامج التربية والتسامح والمحبة.

ومن ثم غرس الأفكار والعلوم بين الشباب لتنتج العقول المبدعة والعبقرية، إن الدول المتقدمة لم تتوصل الى هذه المرحلة من الرقي والتقدم بنشر الفكر الاقصائي والانتقامي، إنما كان هنالك الاستفادة من الماضي، لبناء المستقبل، ولم يكن ثمة اي تهميش لأي مكون بل وفرت الحرية للجميع وفصل الدين عن الدولة، لكي تنهض السياسة بما يجب عليها دون الدخول في معمعة التأويلات الدينية.

والطريق الأسلم امام العراق هو فصل الدين عن الدولة وترك المواطن العراقي يعمل واجبه الوطني، بإخلاص وتفاني، بعيداً عن فرض انماط حياتية عليه رغماً عنه. أما إذا ردنا الأقتداء بتورا بورا فعلينا التدخل بكل تفاصيل الحياة، وتهجير كل الأديان غير المسلمة، وتحريم المشروبات الروحية والموسيقى والرياضة والرقص وكل انواع الفنون وفرض نمط البسة معينة على الناس وإزالة التماثيل.. والى آخره من القوانين حتماً سوف نبلغ ثقافة الكهوف في طورا بورا، (بالمناسبة تورا بورا تعني الغبار الأسود، وهي منطقة جبال شرقي افغانستان)، ووداعاً للفكر الأبداعي والتقدم والحرية وحقوق الأنسان وحقوق الأقليات والحقوق الشخصية للفرد.

حبيب تومي

اوسلو

habeebtomi@yahoo.no