نظيمة أكراد تكتب للطفل فقط!

بقلم: السيد نجم
للصغار.. والكبار ايضا

تقابلت مع الكاتبة السورية نظيمة أكراد خلال مؤتمر اتحاد الكتاب العرب، بالشارقة في يناير2006م، لاشتراكها بفاعلية ضمن نشاطات محور "أدب الطفل" ببرنامج المؤتمر. أول ما يلفت الانتباه، أنها من القلائل في الوطن العربي الذين أخلصوا لأدب الطفل وحده، والكتابة فيه. وقد أثمرت تلك التجربة بعدد كبير من القصص التي ضمتها مجموعات قصصية للطفل، الكثير منها صدر عن اتحاد الكتاب العرب.
تخرجت الكاتبة في كلية الحقوق، جامعة دمشق، وعضوه نشطة في جمعية أدب الطفل، منذ فترة مبكرة. وقد صدرت أولى مجموعاتها القصصية للطفل باسم "الأفعى والراعي" عن اتحاد الكتاب العرب عام 1983م.
لعل آخر كتاب قصصي للطفل، صدر للكاتبة، هو "النمر الشجاع" عن مطبعة الاتحاد عام2005م. وهو يجعل الاقتراب من قصصه والتعرف على خصائصها، محاولة للتعرف على الكتابة "نظيمة أكراد" ورؤيتها في هذا المجال الهام، والذي لم يلق الاهتمام النقدي الواجب، على مستوى الوطن العربي.. أعنى "أدب الطفل".
يقع الكتاب في 193 صفحة من الحجم الصغير، يضم 8 قصص هي: النمر الشجاع – نسمة – الملك والعصفور – احذر الحية – الشجرة وأسرة العصافير – زيارة لكوكب آخر – الوقت والحلم – الصيف الشاب.
غلاف الكتاب وداخلة من أوراق جيدة، ومناسبة لكتاب طفل، مع بعض الصور الداخلية، وهى من الأمور الهامة في كتاب الطفل.
تلاحظ أن اسم المجموعة أو الكتاب باسم إحدى القصص، وهي الأولى، لعلها وجدت فيها ما يمثلها ككاتبة، وهو ما يدعونا للتوقف أمامها.
كما تلاحظ وجود الخطأ النقدي الشائع في أغلب الكتب المنشورة في أدب الطفل، فالغلاف يخلو من تحديد المرحلة العمرية التي تخاطبها الكاتبة، ونرجو من الكاتبة، وكل المهتمين بأدب الطفل مراعاة ذلك لأهميته الفنية وتحديد المتلقي. فكما هو معلوم أن الطفل، ليس واحدا، وأن لكل مرحلة عمرية خصائصها الواجب مراعاتها من الكاتب، حتى يتحقق الهدف من الكتاب، وحتى يصل الكتاب إلى من يستوعبه ويقدره من الأطفال.. وان تلاحظ وجود جملة "قصص للفتيان"، وماذا عن الفتيات؟ بل وأية مرحلة عمرية من 12حتى 15سنة،أم حتى 18 سنة. مازالت دور النشر غير حريصة على هذا الجانب، وهو ما يلزم المبدع أن يحددها ويطلب تسجيلها على غلاف كتابه.
تناولت قصص المجموعة: توظيف الحيوان في قصص"النمر الشجاع واحذر الحية"، التراث في قصص "نسمة، والملك والعصفور" ، والخيال العلمي في قصة "زيارة لكوكب آخر"، مع توظيف الإنسان وان لم يحدد المكان أو الزمان لتبنى فكرة مجردة (فكرة الزمان) كما في قصة "الصيف الشاب".
وربما من المجدي أن تكون قصص المجموعة مشتركة في الثيمة والاتجاه العام بتوظيف الحيوان، أو بكونها حول الخيال العلمي، وهكذا. يلاحظ القارئ تنوع غير مبرر في توجهات قصص المجموعة، وربما أغلب كتب القصص للأطفال لا تراعى هذا الجانب، وأظن أن يأخذها الكاتب مأخذ الجد حتى تتصف المجموعة القصصية بالوحدة العضوية (وهو ما يحرص عليه كاتب القصة القصيرة للكبار، ولا تختلف المجموع القصصية للصغار عن الكبار، إلا في المخاطب، وما يستتبعها من تبعات).
ربما يمكن تصنيف قصص تلك المجموعة، أنها موجهة إلى المرحلة العمرية من 12 إلى 15 سنة.. ففي تلك المرحلة يكون الطفل جاوز 4000 أريع آلاف كلمة في قاموسه اللغوي، كما أن الأفكار المقدمة، منها الأفكار المجردة التي قد لا تعنى شيئا بالنسبة للطفل قبل تلك المرحلة العمرية، مثل قصة "الملك والعصفور" التي تتبنى فكرة "الحرية". كما أن الجمل طويلة بعض الشيء، ثم الأسلوب الذي يعد جميلا ورشيقا وسلسا، إلا أنه عميق بحيث يصعب أيضا استيعابه للمراحل العمرية قبل الثانية عشرة.
ويذكر للكاتبة أنها لم تقصر شخصيات القصص على الأطفال الذكور وحدهم، كما هو شائع في الكثير من قصص الطفل العربية. بل شاركت وبايجابية الطفل الأنثى، وهو ما تلاحظ في قصة "زيارة من كوكب آخر".. عندما تمنت الأم الملكة أن تنجب.. تمنت أن تنجب "طفلة" كما في قصة "نسمة".
قراءة لقصة "نسمة".. "في يوم دافئ جميل، خرجت الملكة حزينة... سارت في الحقول، ونظرت إلى السماء، وتمنت على الله أن يرزقها بنتا... افترشت الملكة الأرض وتأملت الزهور التي جمعتها، وتخيلت طفلتها تلعب وتلهو... بكت، حتى شعرت بيد تربت على كتفها، وكانت عجوز طيبة... عرفت العجوز سبب البكاء، وطلبت منها أن تصبر... أخبرتها العجوز أن الدواء عندها، وأن الملكة سوف تشفى، بشرط أن تحسن تربية الطفلة المنتظرة بعد الشفاء، ووافقت الملكة.، فأعطتها العجوز بذرة صغيرة تتناولها مع شروق الشمس... أنجبت الملكة طفلة جميلة، وأصبحت محط اهتمام الجميع... كبرت الطفلة وتعرفت على "زياد" ابن ملك المملكة القريبة... طلب الملك الأب من صديقه الملك أن يترك له زياد يعيش في قصره، ليصبح ملكا على مملكته فيما بعد... عاش زياد في القصر، فطلبت الملكة أن تعزف له "نسمة" قطعة موسيقية، لكن نسمة لا تجيد العزف، وعزفت إحدى خدم القصر في الخفاء، وأعجب زياد بالعزف... سألها زياد عن اللغات التي تجيدها، أخبرته أنها لا تجيد أية لغة... وأيضا ليست لها هوايات تمارسها، وهو ما أغضب الملكة أم الملك الصغير زياد... فأخبرت "نسمة" بأنها سوف تصنع معها كعكة بالمطبخ، وشاركت نسمة، إلا أن سخونة الوعاء ألهبت أصابعها... عادت الضيوف إلى مملكتهم، بينما قررت نسمة أن تتعلم كل شيء... حزنت نسمة لتجاهل زياد لها، وأخبرت أمها بالحقيقة... فجأة هبت عاصفة شديدة، وتحولت نسمة إلى أوراق أزهار تطير في السماء، مع دهشة الملكة الأم... ثم ظهرت العجوز وأخبرتها أنها لشدة حبها لطفلتها لم تعلمها ما ينفعها... صرخت الأم الملكة أنها ابنتي، ردت العجوز بل هي ابنة الحقول وابنة الحياة، التي سترعاها، واختفت نسمة".. وتتساءل الكاتبة في نهاية القصة: "هل يمكنكم أن تعرفوا ماذا حل بالملكة؟"
تعتمد القاصة على التشويق وإثارة عاطفة القارئ، وهو ما جعل القصة جذابة ومثيرة للمشاعر الإنسانية، بالإضافة إلى القيمة التعليمية والأخلاقية التي تتضمنها الفكرة.. لقد نجحت الكاتبة في عرض الفكرة وتوفير جماليات الفن القصصي.
قراءة في قصة "النمر الشجاع": "أشرقت الشمس وعادت النمرة إلى جرائها، بعد أن أحضرت صيدها، الغزال الصغير طعاما شهيا للجميع... خرجت النمرة الأم مع الجراء لتعلمها المشي والحذر... وتابعت النمرة دروسها كل ليلة، وهى تحذرها بعدم الابتعاد والحرص من هجوم الإنسان عليها، وتحذرها من الأعداء... صحيح أنها معها سيكونا أكثر قوة، إلا أن الإنسان أقوى... ذات ليلة قرر الصغيران الخروج وحدهما. وبدون أمهما لرؤية الإنسان العدو هذا... إلا أن أحدهما شعر بالخوف وعاد لينام ثانية، بينما تابع النمر الصغير الآخر... قابل الحمار، سأله: هل أنت الإنسان، وأخبره الحمار ضاحكا، ووصف كيف يستغله الإنسان في حمل الأثقال... قال: إن الإنسان هذا لا يرحم... وقابل الأرنب، وسأله السؤال نفسه... قال لا، إن الإنسان يطارده دوما، ثم جرى بعيدا... قابل الجمل، وسأله، فقال: أن الإنسان يجز وبره، ويشرب من لبنه، ويحمل ه على ظهره، ثم ابتعد... فلما قابل الفيل وسأله، فقال: أنا إمامه مغفل وضعيف... قابل البقرة، سألها، فقالت:إن الإنسان يشرب لبنى ويصنع منه الزبد ثم يذبحني... فلما مشى النمر الصغير طويلا، وابتعد عن بيت أمه، شعر بالتعب وبالندم لأنه لم ينفذ أوامر ووصايا أمه له، لكنه سمع صهيل الحصان، وظن أنه الإنسان، فسأله، ونفى الحصان أيضا، وقال أن الإنسان مخلوق جبار... وشرح للنمر الصغير كيف أن الإنسان ينصر على النار وعلى الرياح، بل ونجح في الوصول إلى النجوم والكواكب في السماء، كما أن الإنسان قهر كل شيء حتى الأنهار إلا أنه لم يقهر الموت... أما وقد ظهر له الإنسان (الصياد)، فتقدم النمر نحوه، وصاده الصياد، ليجد النمر الصغير نفسه، في قفص في حديقة للحيوان، وأصبح يرى الإنسان الصغير كل يوم!!".. وتقول الكاتبة في نهاية القصة: ".. لم ينجح في شيء مما تجاسر على فعله، هل حرمه الإنسان من رؤيته والتعرف عليه؟ ياله من كائن عجيب".
على الرغم من أن تلك القصة هي أطول قصص المجموعة، إلا أنها أكثرها تشويقا، وان حملت كل خصوصية الكاتبة "نظمية أكراد" في الكتابة المتأنية، المتعمقة دون غموض أو إغفال لضرورات جمال الأسلوب والصورة، حتى أن بعض الفقرات والجمل، أقرب إلى الصياغة الشعرية.
وأيضا كان السؤال الذي اعتادته الكاتبة في نهاية القصة.. وهو ما يثير التساؤل: هل تلك العمدية من الكاتبة، بغرض لفت انتباه الطفل، إلى محور فكرة القصة أو جوهر القيمة التي تريد توصيلها إليه؟.. ربما.
يتجدد سؤال آخر: وما الضرورة الفنية لذلك؟ أجريت تجربة مع ابنتي الصغيرة.. قرأت القصة بالسؤال الخاتم وبدونه.. فضلت الصغيرة أن تكون بدون السؤال القريب من المباشرة، ولكن ما رأى الكاتبة "نظمية أكراد" التي أمتعتنا، صغارا و كبارا!
تعد الكاتبة السورية من أنضج وأبرز كتاب القصة في أدب الطفل، وتبدو حنكة الخبرة الفنية، بمقارنة مجموعتها أو كتابها الأخير مع الكتابات الأخرى، وربما مع الكتاب الأول للكاتبة نفسها. ما أحوج المكتبة العربية إلى ذلك الجهد المخلص وللمخلصين للطفل. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com