نظرية الثورة المنبعجة

منذ الثورة الفرنسية وحتى الثورة الفلسطينية المعاصرة أُطلقت مقولات عن الثورة سادت وانتشرت وما زالت خالدة حتى اليوم، أبرزها المقولة التي أطلقها أحد الفلاسفة الفرنسيين "الثورة يصنعها المفكرون ويقوم بها الشجعان ويقطف ثمرتها الجبناء".

هذه المقولة تم ترديدها مع مرور الوقت بصياغات مختلفة لكن بمضمون متشابه من ماوتسي تونج إلى تشي جيفارا، ياسر عرفات، أبو علي مصطفى وحتى الأديب نجيب محفوظ.

لم تعد مجرد مقولة، يبدو أنها أصبحت نظرية مشتركة ما بين الثورات فالفيلسوف والثائر والأديب متفقون عليها، ومتفقون على أن الجبناء والانتهازيون من يجني ثمار أي ثورة.

نظراً لهذه النتيجة فقد لوحظ أن الثورات عموماً والقابلية للثورة اختلفت عما كانت عنه في السابق فأصبح اللجوء إلى القوة الناعمة مستحبا أكثر في الثورات الحديثة، ويعزا ذلك إلى انتقال "الديمقراطية المزعومة" إلى بلدان العالم العربي والتي جاءت لتقمع شكل الثورة التقليدي.

ثورات الفيسبوك هي الشكل الجديد ووجدنا أثرها في مصر وتونس، وتناول العديد من الكتاب والمحللين هذه الثورات ورأوا فيها أنها تنفي النظرية التي تؤكد بأن المنتفعين من الثورات هم الجبناء والانتهازيون.

انتهت الثورة في كل من تونس ومصر، واليوم وبعد سنين من هذه الثورات الفيسبوكية الشبابية، نجد أننا عدنا إلى نقطة البداية: نفس المضمون ونفس السياق ولكن الحلة جديدة. إذاً النظرية تصلح في كل مكان وزمان ولأي ثورة ناعمة كانت أم دموية.

استطاعت الامبريالية الأميركية بعمليات" الدمقرطة " التي تعتبر أحدى أشكال الاستعمار الحديث في العالم العربي أن تزيل مضمون الثورة الحقيقي من الثورات التي جرت وتجري في الوطن العربي.

أصبح الهدف من الثورة إرساء الديمقراطية، ولكن ما هي الديمقراطية التي نسعى لها؟

الثورة يجب أن يكون لها هدف واضح محدد لا لُبس فيه، يستطيع أن يفهمه الصغير قبل الكبير والمواطن قبل السياسي وبالطبع لا يمكن أن تنجح وتستمر إن كانت ذات أهداف خيالية، بمعنى أنها يجب أن تصب ضمن إطار الواقعية السياسية.

أي تغيير في الهدف أو السياسة التي بدأت بها الثورة يجب أن يُحارب فوراً، وكما يقول ماركس عن الثورة الدائمة أنها "ترفض أن تساوم مع أي شكل من أشكال السيطرة الطبقية "وغير ذلك فإن هذه النظرية ثابتة ومطبقة في كل زمان ومكان، لأن حصاد الثورات لن يكون في يد صانعها.

خلاصة الحديث أن أي ثورة تقع تحت سيطرة طبقية أو تحاول إرساء مفهوم عام وفضفاض مثل "الديمقراطية" دون تحديد المفاصل ووضع النقاط على الحروف وما لم يكن لها قاعدة أخلاقية قوية سيكون مصيرها التقاعد المبكر!

الثورة لا يوجد فيها الرمادي، إما أن تكون ثورة أو لا تكون. يقول الشاعر محمود درويش"تعلمت كل الكلام وفككته كي أركب مفردة واحدة هي: الوطن". لنتعلم كيف نركب مفردة الثورة بالشكل السليم دون انبعاج، وقتها فقط سنحصل على مفردة الوطن كاملة.