نظرية التطور والجماعات التكفيرية والإرهابية .. لا يفل الفكر العفن إلا الفكر المستنير

حرية الرأي

هل العصا والنبوت يكفيان لمحاربة التطرف وجماعات التكفير التي تنتشر في بلادنا اليوم؟ بالطبع لا. لأنه لا يكفي نزح الماء قبل أن نقفل الصنبور.

الماء هنا يمثل المتطرفين، والصنبور يمثل الفكر الفاسد الذي يجعل الإنسان العادي مستعدا لتفجير نفسه وتدمير وطنه وقتل الأبرياء بدون ذنب أو جريرة. كلما قضيت على مجموعة منهم، ساهم الفكر الفاسد في خلق مجموعات أحط وأشرس.

دعنا نستدعي نظرية التطور التي لا يؤمن بها مشايخنا العظام، لكي نسمع ماذا تقول. نظرية التطور تقول بأن الكائنات والأفكار والعلوم والنظريات والمخترعات تتطور. تتطور بمعنى تتغير لكي تلائم الوسط الجديد. من يستطيع أن يلائم الوسط والمناخ والمجتمع الذي يعيش فيه، يستمر وينمو ويتوالد. ومن لا يستطيع، يفنى وينقرض.

الغزلان البطيئة تؤكل وينقرض نسلها. السريعة تنجو وتتكاثر وتستمر. الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم البطيئة تموت من الجوع وتنقرض. الحيوانات المفترسة السريعة، تصطاد الغزلان فتعيش لتتكاثر وتستمر.

من أين أتت سرعة الغزال وسرعة النمر؟ ما حدث هو الآتي: الغزلان ازدادت سرعتها للهرب، والحيوانات المفترسة إزدادت سرعتها للقنص في نفس الوقت. من تخلف عن السبق في لعبة الحياة أو الموت، فني غير مأسوف عليه.

هناك نوع من السحالي أحمر اللون. السحلية الواحدة بها سم يكفي لقتل عشرات الرجال الأصحاء. ما جدوى السم الزائد عن الحاجة، بينما عشر هذا السم أو أقل تكفي لحماية السحلية من الأعداء؟ السبب هو وجود ثعبان يستطيع أكل هذا النوع من السحالي دون أن يموت.

كلما أكل الثعبان هذا النوع من السحالي، كلما ازدادت كمية السم في الأجيال الجديدة من السحالي لمقاومة الفناء. فتقوم الأجيال الجديدة من الثعبان بزيادة مناعتها لسم السحالي، أيضا للبقاء ومحاربة الفناء. حرب من أجل البقاء. هذا يزيد السم، وذاك يزيد المقاومة.

تعالوا معي نطبق نظرية التطور على الجماعات التكفيرية والإرهابية. هل كانت الجماعات الدينية الإرهابية بهذه الشراسة والانتشار منذ عشرات السنين؟ فماذا حدث إذن؟

ما حدث هو أننا نستخدم الفيلت والـ "دي دي تي" في مقاومة الحشرات. فتأخذ الحشرات مناعة، وتتكاثر وتصبح خارج السيطرة، وتصبح المبيدات الحشرية عديمة الجدوى.

مقاومة الإرهاب بالشرطة والقمع وحدهما، تجعل الإرهاب يتكاثر ويزداد عنفا. هذه معركة خاسرة، النصر فيها للتطرف والفكر الإرهابي بدون شك. هذا ما تقوله نظرية التطور.

ربما نكون فخورين بأنفسنا لأننا قد اكتشفنا الزراعة منذ آلاف السنين. لكننا لسنا أول المزارعين. ففي أعجب فصل من فصول التطور، تحولت مجموعة من النمل إلى مزارعين يقومون بزراعة عش الغراب منذ 50 مليون سنة.

النمل لا يزال يقوم بهذا العمل الناجح حتى الآن، مع التغلب على مشاكل الآفات التى نعاني نحن منها اليوم. فيجب أن لا نخجل من التعلم من النمل.

بدأ الإنسان في تهجين وزراعة النباتات منذ 10 آلاف سنة تقريبا. عندما يقوم بزراعة محاصيل مثل القمح أو العدس، تأتي الحشرات لكي تتغذى عليها كعادتها. في البداية، لم يكن في مقدور الإنسان فعل أي شيء سوى الابتهال إلى الله وطلب العون لحماية محصوله.

في أحيان أخرى كان يأخذ الحشرات إلى المحكمة. فمثلا في عام 1478، كانت الحشرات تدمر المحاصيل الزراعية في ضواحي مدينة بيرن في سويسرا. فقام الفلاحون بالمدينة بتكليف محام ماهر لكي يذهب إلى المحكمة ويطلب معاقبة الحشرات على فعلها المشين هذا.

في نفس الوقت، قامت المحكمة بتعيين محام آخر للدفاع عن الحشرات. ثم قام كلا منهما بعرض قضيته بأمانة وصدق. واستمع الأسقف إلى الطرفين، لأن المحاكم كانت تتبع الكنائس في ذلك الوقت.

بعد فحص الدعوى وسماع الشهود والذي منه، قام الأسقف بالحكم لصالح الفلاحين. معلنا أن الحشرات قد تقمصتها أرواح الشياطين. وأردف قائلا: "نحن هنا ندينهم ونحملهم لعناتنا، ونطلب منهم أن يكونوا مطيعين، ونمنعهم باسم الآب والابن والروح القدس، من الاقتراب من الحقول والأرض والنباتات والبذور والثمار. ونسألهم الرحيل."

لم تعبأ الحشرات بالطبع بلعنات الأسقف ولم ترحل. واستمرت في أكل المحصول على عادتها. حينئذ، تيقن الأسقف أن الحشرات لا تتقمصها أرواح الشياطين كما كان يعتقد، ولا بد أن يكون السبب هو غضب من الله العلي القدير قد حل بالبلد، لمعاقبة الفلاحين بسبب خطاياهم وذنوبهم.

وما أن قام الفلاحون الغلابة بالتبرع للكنيسة بما تيسر من القليل الذي تبقى لهم من المحصول المأكول، حتى رحلت الحشرات وذهبت إلى حيث أتت. أو ربما إلى عصاة آخرين.

أعتقد الناس خطأ أن المبيدات الحشرية الكيميائية ومنها الـ "دي دي تي" والتوكسافين، تحد من تكاثر الحشرات وتؤدي في النهاية إلى إبادتها. فدأب الفلاحون على رش محاصيلهم بشكل روتيني منتظم، بدلا من الرش عند الحاجة. في نفس الوقت، كان المشتغلون بالصحة العامة يرون في مبيد الـ "دي دي تي" كل الأمل فى السيطرة على الباعوض المسبب للأمراض الفتاكة مثل الملاريا.

الـ "دي دي تي" بالتأكيد قد نجح في الحفاظ على العديد من الأرواح وإنقاذ محاصيل كثيرة في البداية، لكن العلماء وجدوا أن الذبابة المنزلية لم تعد تموت إذا رشت بمبيد الـ "دي دي تي".

كذلك الحال بالنسبة لحشرات أخرى، أصبحت بدورها هي أيضا تقاوم نفس المبيد. في عام 1992، وجد أن ما يقرب من 500 نوع من الحشرات أضحت مقاومة لمادة الـ "دي دي تي"، والأعداد في تزايد مستمر.

عندما تبين للفلاحين أن الرش بالـ "دي دي تي" لا يأتي بالنتيجة المرجوة، كان الجواب هو المزيد من نفس المبيد. عندما كان المزيد من نفس المبيد لا يفيد، لجأ الفلاحون إلى بديل أقوى من المبيدات مثل الملاثيون. وعندما يفشل المبيد الجديد، يبدأون في البحث عن مبيد آخر أكثر فاعلية، وهكذا .

الرغبة فى إبادة الحشرات باستخدام مادة الـ "دي دي تي" أو باستخدام سم مشابه، قد حظيت بفشل هائل. كل عام، يستخدم ما يقرب من 2 مليون طن من المبيدات الحشرية فى الولايات المتحدة وحدها.

الأميركان يستخدمون من المبيدات الآن 20 ضعف ما كانوا يستخدمونه عام 1945، بالرغم من أن المبيدات الجديدة تزيد فاعليتها في القتل بـ 100 ضعف. إلا أن المفقود من المحاصيل بسبب الحشرات قد زاد من 7% إلى 13%. والسبب يرجع بالطبع إلى زيادة قدرة الحشرات على المقاومة.

النمل الذي يقوم بزراعة عش الغراب يعيش في الغابات الاستوائية في كل أنحاء العالم. طابور من النمل كبير الحجم يغادر العش كل يوم، ويسير بحثا عن الأشجار والغصون. يتسلق النمل الأشجار ويقطع أجزاء من أوراقها، ثم يعود بها إلى العش فيما يشبه العرض العسكري أخضر اللون.

يترك هذا النمل أوراق الشجر لمجموعة ثانية من النمل لتقوم بتقطيعها إلى أجزاء صغيرة، ثم تسلمها إلى مجموعة ثالثة لتقوم هي بدوره بتقطيعها إلى أجزاء أصغر، وهكذا.. إلى أن تتحول أوراق الشجر إلى عجينة.

ثم يقوم النمل بفرد عجينة أوراق الشجر فوق مزرعة من الفطر (عش الغراب) داخل العش. فينمو الفطر خلال عجينة الأوراق، ويقوم النمل بجني محصوله الشهي والغني بالمواد الغذائية من أجزاء معينة من الفطر. لأن النمل لا يستطيع هضم أوراق الشجر مباشرة، ويترك هذا الأمر لفطر عش الغراب.

بالنسبة لمقاومة الآفات، وجد العلماء أن النمل قاطع الأوراق هذا يستخدم مضادا حيويا لقتل الفطريات الطفيلية التي تنمو على الفطر الأصلي المزروع. هذا الفطر الطفيلي، يمكنه إن لم يعالج أن يقضي على المزرعة بالكامل في عدة أيام فقط.

وجد العلماء أن جسم النملة مغطى بطبقة باكتيريا الستربتوماسيس، التي يستخرج منها المضاد الحيوي الستربتومايسين. هذه الباكتيريا تنتج مركبا كيميائيا يقتل الفطر الطفيلي أثناء قيام النمل برعاية المزرعة.

السؤال هنا كيف لم يتطور الفطر الطفيلي لمقاومة السم الذي تفرزه باكتيريا الستربتوماسيس خلال الخمسين مليون سنة التي عاشها هذا النمل؟ هذا ما يقوم بدراسته العلماء الآن.

وجد أننا في مقاومتنا للآفات، نعزل مركب كيميائي واحد ونستخدمه في مقاومة الحشرات. لكن الباكتيريا التي يستخدمها النمل هي كائن حي، يستطيع أن يتطور هو الآخر بحيث يبقى فعالا إذا واجه مقاومة من الفطر الطفيلي.

بمعنى آخر، يقوم النمل باستخدام قوانين التطور لمصلحته، بينما نفعل نحن العكس ونحارب نظرية التطور. حتى الآن، لم يستطع الإنسان بعلمه ومبيداته الحشرية أن يقضي على نوع واحد من الحشرات قضاء مبرما.

ما معنى كل هذا؟ معناه أننا لن نستطيع بالقوة وحدها القضاء على التطرف والفكر التكفيري. قد نستطيع اخفاءه من السطح، ولكنه سيظل ينمو ويترعرع تحت الأرض إلى أن تحين الفرصة ثانية لكي يظهر أكثر شراسة وعنفا. القوة وحدها في مقاومة التطرف، هي وصفة أكيدة للفشل والإخفاق.

إذن ما العمل؟ وهل من الممكن إيجاد حل لهذه المعضلة؟ نعم هناك حل. الحل يأتينا من نظرية التطور. وكما أن النمل يستخدم المقاومة البيولوجية، وليست الكيميائية، في مقاومة الباكتيريا الضارة.

نحن أيضا يجب أن نستخدم الفكر في مقاومة الفكر التكفيري. بدون ذلك، لا أعتقد أنه يوجد حل آخر. لقد حاولت أميركا بمساندة دول الغرب، استخدام القوة المفرطة وحدها في أفغانستان والعراق. لكن النتائج كانت كارثية.

عندما أراد محمد علي باشا النهوض بمصر، أرسل البعثات إلى أوروبا. فقام أعضاء هذه البعثات، ومنهم الأزهري رفاعة الطهطاوي، بقلب المجتمع المصري رأسا على عقب.

هذه البعثات، لم تكن تبغي شهادات علمية أو ثروة، وإنما كانت متعطشة للمعرفة والحضارة. عادت لتحول مصر من ولاية عثمانية تعيش في غيابات العصور المظلمة، إلى دولة حديثة سبقت دولا أوروبية كثيرة.

ماذا نفعل لمحاربة هذا الفكر الظلامي الكارثي الإجرامي؟ وكيف نحاربه بالفكر؟ المثل يقول لا يفل الحديد إلا الحديد. وأيضا، لا يفل الفكر العفن إلا الفكر المستنير.

• هذا ما يجب أن نفعله:

تنقية كتب التراث، المتاحة للعامة والطلبة، من الخرافات والخزعبلات والأساطير والإسرائيليات التي تطفح بها. الأصول توضع في المتاحف والجامعات، ويقتصر الاطلاع عليها على الدارسين دراسات عليا والمتخصصين فقط. الثعبان الأقرع، يجب أن يختفي قبل أن تختفي داعش من حياتنا.

إعادة كتابة السيرة النبوية والتاريخ الاسلامي على حقيقته بصدق وأمانة، وإعادة شرحهما، حتى لا يعبد المسلمون الأفراد من دون الله. وحتى لا يتأثر صغار السن وأنصاف المتعلمين بأحداث التاريخ المزور بدون فهم، ويتخذونه كمبرر لأعمال العنف والقتل والخروج على القانون. الصحابة لم يكونوا أبدا ملائكة، والتاريخ الاسلامي لم يكن كله نور وفخار.

يجب تدريس أعمال أرسطو والمسرح الإغريقي وقصص أيسوب في مدارسنا للطلبة، حتى نعودهم منذ نعومة أظافرهم على التفكير العقلاني، ونزرع فيهم حب الوطن والشجاعة والصدق والقيم النبيلة الإنسانية. الأخلاقيات المبنية على الفهم والعقل، أكثر ثباتا واستقرارا وعدلا، من الأخلاقيات المبنية على الثواب والعقاب، والتي تجيز الكذب والقتل والنهب لنصرة العقيدة.

يجب تدريس فكر الأنوار، فولتير، جان جاك روسو، منتيسكو، كوندورسيه، تومس بين، إلخ. للطلبة حتى نربيهم على الإنتماء وحب الحياة والحرية والمساواة واستقلال الفكر وحرية الرأي والديموقراطية والتقشف والعمل الجماعي والإيثار.

يجب تدريس الموسيقى الكلاسيكية الغربية إلى جانب الموسيقى العربية الأصيلة، ومسرح شكسبير وروائع الأدب العالمي للطلبة حتى ينمو شعورهم ويرقى احساسهم وتهدأ انفعالاتهم وتسمو نفوسهم.

يجب أن لا نغفل دور الأحزاب ووزارة التربية والتعليم والمساجد في محاربة الفكر التكفيري المظلم وتبيان مثالبه وخطره على المجتمعات. كما يجب تطهير كل الوزارات والمؤسسات والمدارس والجامعات من هذا الفكر الظلامي التكفيري الإرهابي.

الغاء كل الأحزاب الدينية بدون استثناء وفقا لما نص عليه الدستور. هذه أمور لا تصلح معها الحلول الوسط والمهادنة. الدين بكل بساطة، لا يجب أن يستخدم كسلاح في أيدي القتلة للقتل والسبي والإنتقام.

وفرض تميز فئة عن باقي فئات المجتمع. الدين علاقة روحانية وأسلوب حياة بينك وبين الخالق. بمحض اختيارك، أنت مسؤل عنها وحدك.

هذه خطوات يجب أن تتخذ إلى جانب الحل الأمني. الحل الأمني وحده لا يكفي. خطره أشد من فائدته. الحل الأمني وحده، يجعل التطرف أكثر شراسة. هذا ما تقوله نظرية التطور لداروين. وهذا ما يقوله العلم والعقل.