نظرة على ظاهرة الانشقاقات والتحالفات البرلمانية الجديدة في العراق

بقلم: عبدالغني علي يحيى

نوه مصدر في حزب الدعوة الذي يترأسه نوري المالكي، لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية عن قرب حدوث انشقاقات في الحزب، عازياً ذلك الى "تفرد المالكي بالسلطة وصرفه المال على وسائل اعلام لتحسين صورته الشخصية أمام الرأي العام، فهيمنة الأفراد من أقاربه على مقدرات الحزب" حسب قوله. في وقت نجد فيه ان الحديث عن الأنشقاقات والتحالفات البرلمانية الجديدة يطغي على دونه من الاحاديث، في الوسط السياسي العراقي ويطفو على السطح عند الأزمات والهزات التي تهدد العملية السياسية في العراق بالأنهيار بين حين وحين.

تزامناً مع ذلك التنويه، كان حيدر الملا في أئتلاف العراقية قد أعلن عن إنضمام كتلة الوسط البرلمانية بنوابها العشرة إلى ائتلافه، إلا ان فرحة العراقية لم تدم بذلك الأنضمام إذ بددها انشقاق الشيعي زهير الأعرجي عن العراقية وبحوزته وثائق وأسرار تدين العراقية لخروقات ارتكبوها ويرتكبونها في مختلف المجالات على حد زعمه وبأن اعضاء آخرين في العراقية سيعلنون انسحابهم منها، الأمر الذي أثار قلق وسخط أنصار الأخيرة سيما في الموصل التي ينوب عنها الاعرجي على العراقية. وقبل خروجه على العراقية كان حسن العلوي وهو مفكر شيعي معروف ومعه عدد من النواب قد سبقه في الانشقاق وتشكيل كتلة سماها العراقية البيضاء.

اللافت في الانشقاقات والتحالفات البرلمانية الحالية ان المنشق عن دولة القانون مثلاً غالبا ما يلتحق بالعراقية، والعكس صحيح أيضاً، ما يعني ان الصراع الرئيسي الآن في العراق ومنذ انتخابات يوم 7-3-2010 البرلمانية هو بين العراقية (91) مقعداً، ودولة القانون (89) معقداً ولما كانت الأنشقاقات تكاد تكون متبادلة، ان جاز القول، فأن التوازن بين الائتلافين لن يختل في المستفبل المنظور، والثابت هو بقاء التحالف الوطني الشيعي (159) مقعداً والذي يضم في صفوفه دولة القانون، الأقوى أبداً.

ولقد أخطأ تحالف الوسط في تصريح أدلى به من انه سيشكل مع العراقية جبهة ديمقراطية في المستقبل وبأن هناك شخصيات وسياسيين سيلتحقون بالعراقية، وإذا علمنا ان الأنشقاق من حيث المبدأ خطأ، فان ما يبنى على الخطأ خطأ بدوره، وهيهات التفكير بالديمقراطية في أجواء الاحتقان الطائفي والاثني والديني والانقسامات والتكتلات، فهي، اي الديمقراطية والحالة هذه، لن تكون في متناول اليد بالسهولة التي يراها تحالف الوسط. وأخطأ د.اياد علاوي كذلك لما عد انضمام الوسط إلى ائتلافه دليلاً على تمثيله العراقيين بكل طوائفهم، ناسياً ان ممثل الكل أو الممثل الوحيد للشعب مرفوض في النظام الديمقراطي وغيره ايضا سيما في بلد كالعراق يزخر بشعوب واطياف متباينة لها أحزابها وممثلوها، لذا كان حرياً بالدكتور علاوي وحليفه الجديد البولاني البحث عن صيغ وعلاقات جديدة تقوم على التكافؤ بين المكونات الاجتماعية الثلاثة الكبرى بالاخص: الشيعة، السنة، الكرد، ومكونات اصغر: التركمان والمسيحيين لا الأدعاء بتمثيل العراقية لكل الطوائف الذي يعني الشمولية تماماً، ولاشك انه كلما تأزم الوضع السياسي في العراق وتعقد، فان الظاهرة موضوع المقال ستزداد وتتسع، وهنا لا يسعنا إلا أن نوافق النائبة مها الدوري من كتلة الاحرار، توقعها بحصول مزيد من الانشقاقات والتحالفات لاحقاً.

الحالة المرضية، الخلاف الى حد الأنقسام، نجدها في الحياة البرلمانية الكردستانية العراقية ايضاً، والتي شهدت أكبر أنقسام على أثر تحول كتل: التغيير والاتحاد الاسلامي الكردستاني والجماعة الكردستانية الى معارضة تدعولمحاكاة ما يجري في ليبيا وسوريا واليمن...الخ احتجاجاً على الفساد المالي والأداري واشكال الفساد الاخرى في حكومة اقليم كردستان العراق حسب بيانات تلك الكتل واقرار الحزبين الكبيرين الحاكمين: الديمقراطي والوطني الكردستانيين بها كذلك، والملاحظ في المشهد السياسي والبرلماني العراقي المرصع بالتناحر والصراع، غلبة التهديد بالأنسحاب من الحكومة أو الحزب أو البرلمان او اللجنة الفلانية المشكلة..الخ على غيرها من المفردات في التصريحات والاقوال التي تسبق الانشقاق والانقسام.

أعود إلى تخطئة الانشقاقات والانقسامات البرلمانية التي تذكرنا بتخطئة الانقلابات العسكرية وحتى العديد من ثورات الشعوب وبدرجة اولى الثورات الطبقية الشيوعية وكذلك تخطئة الانشقاقات في الاحزاب، ففي العراق وبلدان أخرى، شهد عقد الستينات من القرن الماضي انشقاقات في الاحزاب العراقية الكبيرة الثلاثة: حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي أضعفت الاحزاب تلك وعموم الحركة الوطنية في العراق، ولم تكن تلك الانشقاقات سوى جزءاً من انشقاقات اكبر حدثت بدرجة رئيسة في بلدان العالم الثالث والاحزاب اليسارية بالأخص، ان قراءة لتلك الظاهرة تقودنا الى تثبيت عدد من الاستنتاجات، وهو ان الانشقاق على أختلافه غالباً ما يقع في البلدان الأشد تخلفاً وفي صفوف فوى تفتقر إلى التجربة، وهذان الشرطان وغيرهما من الشروط متوفران في العراق وبلدان على غراره، في حين لم تشهد احزاب البلدان المتقدمة كالولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا والصين والإتحاد السوفيتي السابق انشقاقات تذكر وان الانشقاقات يتم على الأرجح في الاحزاب التي تتشكل تواً وليس الاحزاب العريقة الحاكمة.

ومن الأمور الجالبة للانتباه، ان الاحزاب التي تتخذ من العقائد سواء الدينية او الدنيوية الماركسية مصدراً لقوانينها هي الاكثر عرضة للانقسام من الاحزاب المتحررة منها من العقائد انظروا إلى تعددية الاحزاب الاسلامية والماركسية داخل البلد الواحد والمبدأ واحد. ومن الأمور اللافتة ان احزاب القوميات والطوائف الدينية والمذهبية الصغيرة التي اصطلح على تسميتها بالأقليات تستجيب اكثر من احزاب الأمم الكبيرة للانشقاقات والتكتلات، فلا عجب ان نرى هذا الكم الكبير من الاحزاب والمنظمات السياسية في المكونين الاجتماعيين الصغيرين التركماني والمسيحي في العراق، ان كثرة الاحزاب فيهما لا تتناسب مع حجمهما الصغير، وكأني بالعقل الجمعي للمكونات الاجتماعية الصغيرة، صغير بدوره صغر مكونه. ومن الأستنتاجات ايضاً، ان مآل المنشق غالباً ما يكون الفشل والعزلة والزوال ان لم يتدارك الموقف ويعود على عجل الى الحزب الذي انشق عنه. ففي العراق تلاشى المنشقون من حزبي البعث والشيوعي، اما طرفي الخلاف في الحزب الديمقراطي الكردستاني فبفضل حكمة قادتيهما فانهم سرعان ما عادا واتفقا فيما بينهما وطويا صفحة الانشقاق بعد صدور بيان آذار عام 1970، وفي ضوؤ التجارب الانشقاقية والوحدوية الكردية ثبت لنا ان عمر الانشقاق والانقسام غالباً ما كان قصيراًفي الحالة الكردية عليه فان عمر الانقسام البرلماني الحالي في كردستان سيكون بمثابة سحابة صيف وقصيراً أيضاً كما أرى. وما نقوله عن أنشقاق والتكتل في الاحزاب يصح سحبه على الانسحابات من الكتل البرلمانية. ان ظاهرة الأنشقاقات والتحالفات والالتحاقات والانضمامات على الصعيد البرلماني أو أي صعيد آخر قلما يكتب لها النجاح بل وتزيد من الطين بلة، مع المعذرة لاستخدامي هذا التعبير المطروق، وسيجلب بالضرر على المنشق والمنشق عنه وكل الشريحة التي يمثلانها.

عبدالغني علي يحيى

رئيس تحرير صحيفة "راية الموصل" - العراق

aL_botani2008@yahoo.com