نظرة حداثيين عرب إلى النص الديني

بقلم: د. أسامة عثمان

لم يكن حداثيو هذه الأيام هم أول من عمل على عقلنة النصوص، فقد سبقهم إليها في العصر الحديث جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وأحمد لطفي السيد، فيما يعرف بالمدرسة العصرانية الحديثة التي تعلي من مكانة المعقول أمام المنقول، لكنها أُتبعت بأصوات أعلى في هذا الاتجاه، وأبعد.
تمثل ذلك في الحداثة العربية التي ترفض النظرة (الإستاتيكية) التي تفترض ثبات النموذج، أو مثاليته، وتنشغل بهاجس التطور والبحث الحثيث عن أشكال جديدة. برؤيةِ تضادٍ بين النص والواقع، ترى في الخصوصية والتشبث بالهوية وتمجيد الماضي انغلاقا على فكر واحد، وسببا لعدم الإثراء من الثقافات المعاصرة.وقد يكون هذا من الأسباب التي تدفع إلى الانزعاج من سطوة النص الذي ما زال ماثلا في البنيات السطحية العربية والعميقة، وإن بتفاوت.
وفي تناقض واضح مع المُنصاعِين إلى النص، الرافضين لجعله في مكان التبعية للمعقول، يدعو أولئك إلى الانكباب على قضايا الواقع ومستجداته والاطلاع على الثقافات الأخرى بفكر عقلاني متنور. في وجه من يعتبرون الدين والوحي مصدرا للمعرفة المتعلقة بالحكم على الأفعال بالحسن أو القبح، المدح أو الذم، وبالتالي تحديد ما يسمح به، ويُحث عليه من الأفعال، وما يحظر ويعاقب عليه منها.
يختلف مفهوم التأويل عند علماء الأصول والتفسير عن مفهومه لدى الحداثيين وما يريدونه منه، ففي حين يعني لدى الأوائل صرف الكلام عن ظاهره -لأسباب يفصلونها- إلى معنى يحتمله، ولا يقبلون أن يتطرق التأويل إلى النصوص الواضحة الدلالة التي تدل على المراد بنفس السماع، من غير تأمل، وعبارتهم المشهورة في هذا السياق تغني عن الإفاضة: لا اجتهاد في مَوْرد نص. فإنه لدى الحداثيين العرب ينحو منحى عميقا يطال النص بالكلية ويصرفه عن وجهته السياسية والتشريعية إلى الوجهة الروحية أحيانا، ويجعل العقل المعاصر حَكَما عليه أحيانا أخرى.
كما يختلف الدافع التأويلي لكل من الفريقين، ففي حين كان الفقهاء وعلماء الأصول والتفسير يؤولون لدواعٍ اجتهادية شرعية ولغوية؛ يحرصون بها على الاقتراب أكثر من مطلوب النص، فإن المحدثين يندفعون في الغالب بدوافع من خارج النص، أفرزتها معطيات الثقافة المعاصرة، وأثرت فيهم عوامل خارجية من قبيل الفجوة الحضارية التي تعاني منها البلاد العربية والهزائم العسكرية التي تُوجت بوقوع كثير من البلاد العربية تحت الاستعمار المباشر؛ فالتبعية؛ ما أفضى إلى الاقتراب من مناهج الغرب، والخضوع لها أحيانا؛ فتعجَّل مثقفون ومفكرون عرب الحكمَ على التراث بالسلبية، بل تجاوزوه إلى النصوص، وحتى القطعيّة منها.
وكان من المفترض أن ينضاف المنحى التاريخي الاستقرائي... لقراءة المراحل التي بدأت فيها الأمة انحدارها، وهل كانت العلاقة بينها وبين مضامين تلك النصوص حينها على أحسن حال؟ وهل ثبت من الناحية الموضوعية تناقض المعالجات التي تدل عليها تلك النصوص للطبيعة الإنسانية المعاصرة، أم هي مناقضة، وهذا طبيعي، للنموذج الغربي، أو حلِّه المقترح؟
وكما أسلفت فقد حوَّل التأويل الحداثيُّ (عند البعض) النصَّ إلى الصفة الروحية. ويلمس هذا لدى الباحث التونسي العفيف الأخضر؛ إذ يقول، مثلا: "الألسنية تعلم النشء أن النص الديني هو تناص، أي ملتقى نصوص تلاقحت عبر التاريخ، وأن كل نصٍ قابلٌ للتأويل؛ لأنه نص مجازي؛ وهكذا يستطيع التلميذ والطالب أن يفكرا في النص المقدس بنفسيهما، وأن يؤولاه حسب مصالح وحاجات الناس ومتطلبات الحقبة التاريخية" وهذا يعني أَنْسَنة النص التي تهدف إلى رفع عائق القداسة؛ ما يغيِّب نصيبا وافرا منه؛ لأن النص الإسلامي _ كما هو معروف_ يتناول القضايا المعيشية والاجتماعية والسياسية أكثر مما تفعل ديانات أخرى يقارب الكاتب النصَّ الإسلامي بها.
وفي حفرياته المعرفية في منظومة الفكر الإسلامي يميل الدكتور محمد عابد الجابري إلى تقديم المعقول على المنقول، مثنيا على نتاج ابن رشد الفلسفي في هذا المضمار، يقول: "إن الروح الرشدية يقبلها عصرنا؛ لأنها تلتقي مع روحه في أكثر من جانب، في العقلانية والواقعية والنظرة الأكسيومية والتعامل النقدي. تبنِّي الروح الرشدية يعني القطيعة مع السينوية (المشرقية) الغنوصية الظلامية".
ويذهب الجابري، مناصرا، إلى كون ابن رشد قد تميز عن فلاسفة المشرق الذين ظلت فلسفتهم محكومة بإشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة، بخلاف المغاربة الذين كان فكرهم الفلسفي أرسطيا محضا.
ما يدل بوضوح على ذهابه إلى إعلاء الفلسفة على الشريعة، وتأويله النص الشرعي، فيما لو عارض البرهان الفلسفي.
ومن معالجات الجابري الدالة على قدر من الانتقائية والاحتكام إلى الإيديولوجيا المسبقة بحثُه في مرجعية الأخلاق إذ يذهب فيه الجابري إلى أن العقل هو الأساس في الحكم، لا الشرع، والمفارقة تكمن في طريقة تعامله مع النصوص الشرعية التي يريدها دليلا على مذهبه.
يستدل الجابري، في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" بأربعة، يقول إنها أحاديث، بالرغم من تلميحه القريب من التصريح؛ إلى أنه لا يعرف مدى ثبوتها: "ومهما تكن درجة هذه الأحاديث من الصحة، فمضمونها العام لا يتناقض مع ما ورد في القرآن".
وهي أقوال يستقيها من كتب الأدب، وكان الأَوْلَى بمقاربة المسألة أن يرجع إلى كتب الفقه وأصوله والحديث، أو أن لا يستعجل الاعتماد عليها قبل التحقق من ثبوتها، ولا سيما أن استدلاله بآيات القرآن الكريم ليس قاطعا ولا كافيا؛ لمَّا كان القائلون بتقديم النقل على العقل قادرين على فهمها على نحو مغاير؛ وهم واجدون في نصوص القرآن الصريحة ما يلزم المكلَّف بعرض المشكلات والمستجدات على النصوص التي تتضمن أحكاما، إما بالتصريح، أو بالاستدلال والاستنباط، بحسب معارف اللغة والشرع، وهي تشدد على أهمية هذا إلى درجة ربطه بالإيمان.
ومثالا على العلماء المفكرين الذين صرحوا بذلك ابن خلدون، إذ قال: "... فإذا هدانا الشارع إلى مُدْرَك فينبغي أن نقدمه على مداركنا ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل، ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما، ونسكت عما لم نفهم من ذلك، ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه".
ومن الجدير بالذكر أن هذا لا يعني إلغاءهم سلطان العقل وحُجيَّته، وهم يرون النصوص الشرعية نفسها تكثر من الدعوة إلى إعمال العقل للوصول إلى حقائق الإيمان، لكنها بعد حدوثه تدعو من آمن وسلَّم بصدق المُخْبِر الذي أوحى بتلك النصوص، تدعوه إلى أن يقدمها في الحكم ولا يقدم عليها وأن يعمل العقل في فهمها لا أن يؤولها لتتوافق وما يراه عقله، ولا سيما إذا كان ذلك العقل محكوما بمرجعيات مُبَاينة. وإذا كانت مدارس فقهية قد أقرت للعقل دورا فإنه الدور الذي لا يتصادم مع النص، أو يتفوق عليه، بل هو الذي يفهم مقاصده العامة، أو علله الخاصة؛ فيقيس عليها، وهو ما يطلقون عليه معقول النص.
وإذا جاوزنا استدلال الجابري بالنصوص إلى ملمح آخر في بحثه؛ فإننا نلحظ أن الفكر المسبق قد دفعه إلى تجاوز الظاهر ؛ ليصل إلى ما يراه إجماعا منعقدا على أن الأخلاق مرجعُها العقل لا النقل. يقتبس الجابري كلاما للماوردي، من كتابه أدب الدين والدنيا أُوُرده كما أَوْرَده ناظرا في تعقيبه عليه:"أسُّ الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله للدين أصلا وللدنيا عمادا؛ فأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه وألّف بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم وجعل ما تعبدهم به قسمين قسما وجب بالعقل فوكَّده الشرع وقسما جاز في العقل فأوجبه الشرع؛ فكان العقل لهما عمادا".

ويفهم منه دون عناء أن الماوردي قد رأى أن حكم العقل مفتقر إلى حكم الشرع؛ ليؤكده؛ ويعطيه الشرعية، وهو ما يتفق مع النظرة الكلية للأشاعرة الذين يميل إليهم الماوردي فقد رأوا أن العقل يدرك الحسن، ويدرك القبح ولكن الحكم على الشيء بالحسن والقبح، وبالتالي كونه حلالا أو حراما هو للشرع وليس للعقل.
ولكن الكاتب يَفهم من قول الماوردي الآنف الذكر غير ذلك؛ فيعقب عليه مباشرة: إذن مرجع الأخلاق، وأساسها هو العقل بدون منازع بل كل ما لا يدخل في مجال ما تعبَّد الله به الناس، أي كل سلوك لم يُدْخله الشرع في العبادات والمعاملات الراجعة إليه فهو من مجال العقل وحده.
وبالرغم من كون الجابري يورد في معرض البحث عن مرجعية الأخلاق الاختلاف في ذلك بين المعتزلة وأهل السنة الذين يورد رأيهم مقتضبا، وهم الذين يقولون بجلاء أن التحسين والتقبيح هو للشرع لا للعقل؛ فإنه بالرغم من ذلك يرى أن هناك إجماعا أو شبه إجماع في الثقافة العربية الإسلامية على أن العقل هو أساس الأخلاق!
ولا يخفى أن مستوى البحث وكلية نتائجه وخطورتها كانت تستدعي ترويا وتحقيقا؛ لما يترتب عليه من تغييب لفاعلية قسم كبير من النصوص للأخذ بالمرجعية العقلية، ما يوجد قدرا مماثلا من البلبلة الفكرية وإرباكا واضحا لا ضمانات في الخلاص منه.
وللتأكيد فإن الفكر الإنساني لا يمكن أن يبدأ من الصفر؛ وليس التراكم الحضاري بدعا في ثقافات الأمم، وما زال حداثيون عرب يعتبرون أنفسهم استمرارا لأرسطو وبناءً عليه، وما زالوا يتحدثون عن راهنية نصوص فكرية أنتجت في الماضي ولا تضيرها الثقافة المتجددة بل تضيف إليها.
والرؤية لدى العفيف الأخضر والجابري تفضي إلى إسقاط النصوص تحت وطأة التأثر بمعطيات هي في أحيانٍ فكريةٌ مغلوطة، وفي أحيان أخرى غير فكرية أصلا. إنما هي من قبيل التقدم العلمي والتقني التي أنتجها العقل الإنساني الكوني ولا تختص بالثقافة الغربية، بل ضاهتها فيها الاشتراكية حديثا وسبقتها الإسلامية غير ضائرها إفادتها من الإغريقية وغيرها كما لا يَضيرها اليوم الإفادة من الغرب وغيره. وتبقى الحاجة إلى بحث الفكر الذي تنطوي عليه النصوص الإسلامية (على صعيده دون اجتزاء أو استباق) ماسة.

د. أسامة عثمان