نظام الأسد لا يمنح صفة شهيد إلاّ لمن يُقتل دفاعا عنه

حتى الموت لا يعطي فترة راحة

دمشق - في دمشق حتى الموت، لا يعطي فترة راحة من الصراع المحتدم الذي يزحف على العاصمة السورية.

والضواحي التي كانت آمنة في السابق في وسط العاصمة تنزلق نحو الاضطرابات التي تعصف بسوريا حيث يقاتل المعارضون قوات الرئيس بشار الاسد على أطراف المدينة ويكثفون اطلاق الصواريخ على وسطها.

ولا يستطيع أقارب القتلى الذين يسقطون داخل وحول المدينة استعادة جثثهم قبل توقيع أكوام من الأوراق التي تعفي القوات الحكومية من المسؤولية، وهي فقط أول عقبة يتعين التغلب عليها قبل أن يصبح بإمكانهم بدء عملية حداد تخضع نفسها لقيود صارمة.

ولا يمكن وصف ضحايا العنف بأنهم "شهداء" في إعلانات الوفاة التي تلصق على جدران المدينة وفي الأزقة الضيقة ما لم يموتوا وهم يقاتلون في صفوف قوات الاسد.. ولا تقبل سوى عبارات غامضة مثل "بسبب حادث مأساوي".

ولا يمكن نقل الجثامين الى المساجد لإقامة صلاة الجنازة عليها حتى لا تصبح منبرا لاحتجاج ضد الاسد.

وعندما يدفن المعزون أحبائهم في نهاية الأمر تؤدي الصلاة بسرعة تحت بصر قوات الأمن التي تجوب المقابر، تحسبا لأقل استعراض لمشاعر مناهضة للحكومة.

ويسلط مقتل تاجر في دمشق عند نقطة تفتيش قبل بضعة أسابيع ـ فيما وصفها أفراد عائلته المقربون على الفور بأنها وفاة عشوائية وليس لها ما يبررها - الضوء على المخاطر اليومية الجديدة للحياة في دمشق والمحن التي تأتي بعد الوفاة.

وقال أقاربه إن عبودي وهو تاجر في الستينات من العمر وكان يقيم في الحي القديم بوسط دمشق، قتل برصاص قناص من قوات الحكومة بينما كان شقيقه ينقله مع ابنه بسيارته عبر نقطة تفتيش في صباح أحد الأيام لشراء الخبز. وذكر صحفي اسم العائلة فقط لإخفاء هويته.

وكان الرجال يمرون عبر هذه المنطقة بانتظام وكانوا معروفين للجنود الذين يحرسون نقطة التفتيش والذين كانوا يلوحون في الغالب لهم. وفي صباح ذلك اليوم شاهد شقيق عبودي المصاب بصمم جزئي حارسا يشير إليه بالمرور عبر نقطة التفتيش وهو لا يدرك أن حارسا آخر كان يصيح طالبا منه التوقف.

وظن مجند متوتر يوفر غطاء للحراس أن الرجال يحاولون الفرار وفتح النار وقتل عبودي وأصاب شقيقه والشاب الصغير الذي كان يجلس في المقعد الخلفي بالسيارة.

وزاد الألم الذي نال من العائلة على فقد الرجل بسبب البيروقراطية التي أعقبت ذلك.

وقالت زوجة ابن عبودي "تعين عليهم توقيع أوراق تقول ان ارهابيين هم من فعلوا ذلك وإن الحكومة لا علاقة لها على الإطلاق بموته."

وأضافت "لم يفرجوا عن الجثة إلا بعد توقيع كل الاستمارات وختمها ببصمة الابهام."

وقالت وهي تصف زوجها إن "قلبه انفطر" لوفاة والده، إنه وآخرين في الحي تعهدوا بالانتقام من الجندي الذي لم يشاهد منذ ذلك الحين.

ودفن الرجل الذي اشتهر في الحي القديم بإعطاء اموال للمحتاجين والفقراء في مراسم جرت في صمت تحت مراقبة قوات الامن.

وقال افراد بالعائلة إنهم منعوا من ترتيب مراسم كاملة للصلاة عليه في مسجد محلي "لأسباب أمنية".

ومقتل عبودي مجرد حدث واحد في قائمة متزايدة أصبحت الآن جزءا من الحياة اليومية في العاصمة. وكل شخص من سكان دمشق اليوم يبعد خطوة أو اثنتين فقط عن الانضمام لقائمة الخسائر البشرية.

ونسمع بشكل يومي خرق طائرات لحاجز الصوت وغارات جوية تشنها طائرات مقاتلة وقصف من بطاريات الصواريخ الحكومية المتمركزة في التلال التي تطل على شمال دمشق ونيران الصواريخ وقذائف المورتر التي يطلقها مقاتلو المعارضة من على مشارف المدينة.

وفي بعض الأحيان نحصي عدد القذائف وفي أحيان أخرى سمعنا أكثر من عشرين قذيفة لا يفصل بين كل منها سوى ثوان معدودة.

وفي أحد ايام الجمعة سمع دوي وانفجارات قبل صلاة الجمعة من على مشارف المدينة إذ اسقطت المقاتلات الميغ الحكومية قنابلها على منطقة سبينة الزراعية حيث يخرج الناس في الأيام الأكثر هدوءا للاستمتاع بالهواء الطلق وجمع التفاح.

وسقطت قنابل أيضا على ضاحية داريا التي يقطنها سكان من الطبقة العاملة وسيطر عليها مقاتلو المعارضة قبل عدة اشهر، وتحولت إلى مدينة أشباح بسبب القصف المتواصل من جانب القوات الحكومية.

وتقيم اسرة من داريا تتألف من خمسة افراد منذ شهور في الطابق السفلي بالمبني الذي اقيم فيه داخل غرفة مكتظة، تخص حارس العقار.

وفي هذه الأوقات المليئة بالتوتر يشكو الدمشقيون من الاحباط. وينطبق ذلك بوجه خاص على أيام الجمعة التي كانت اليوم الاصلي للاحتجاجات في الاشهر الاولى من الانتفاضة التي تحولت الآن إلى حرب أهلية تقول الامم المتحدة ان 70 الف شخص قتلوا فيها.

وبهدف منع الاحتجاجات تعزز السلطات الأمن عند نقاط التفتيش وتمنع الدخول إلى المدينة من الضواحي وتستجوب السائقين في المدينة لفترات طويلة.

وفي الأيام الحالية نادرا ما يخاطر أحد بالخروج يوم الجمعة. فدمشق اليوم تبدو أصغر وأقل سكانا حيث تقلصت لتقتصر على عشر أحياء تقريبا تخضع لسيطرة الحكومة وتعرف معا باسم "المربع الأمني".

ومع تقلص هذا المربع بدأ الدمشقيون بما يتمتعون به من إحساس بالفكاهة يطلقون عليه اسم المثلث الأمني.

ويشمل هذا المربع الحي التاريخي القديم والأحياء التجارية الرئيسية بما فيها السوق القديم والمتاجر الكبيرة المعاصرة.

ويضم أيضا أحياء الطبقة المتوسطة والبرلمان ووزارات مختلفة وأفرع المخابرات كما يعيش الأسد وأغلب المسؤولين الحكوميين.

وبدأت قوات الأسد بشكل متزايد تنقل المدفعية إلى مركز هذه المنطقة وتطلق نيرانها من المنطقة الكثيفة السكان باتجاه المعارضين في الخارج.

وقال أحدهم "نسمعها تطلق النار وتخترق الهواء." وفر أغلب السكان من البلاد عندما اقترب العنف من منطقتهم وأصبحت الحياة لا تحتمل.