نص خطاب الرئيس العراقي في ذكرى حرب الخليج

الرئيس العراقي يلقي خطاب ذكرى حرب الخليج

بغداد -ألقى الرئيس العراقي صدام حسين خطابا بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لحرب الخليج الثاني فيما يلي نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
«ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا أصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعفو عنا واغفر لنا وأرحمنا، أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين».
صدق الله العظيم
أيها الشعب العظيم .. أيها المجاهدون، رجالاً وماجدات ..
أيها النشامى فرسان العروبة، والوطنية، والأيمان، رجال العراق البواسل في قواتنا المسلحة الباسلة ..
يا أبناء أمتنا المجيدة حيثما كنتم في وطننا الكبير، أو في المهجر…
أيها الأصدقاء في العالم ..
السلام عليكم ..
أن اليوم هو يوم في المنازلة العظيمة، أم المعارك الخالدة أنه يوم مجيد أغر على طرف شعب العراق الأبي وتأريخه، وهو بداية العار الكبير لمؤججي ناره على الطرف الآخر.. أنه أول يوم من بداية الصفحة العسكرية الكـبرى في تلك المنازلة … بل هو أول يوم في هذه المنازلة … ذلــك لان الله أراد لأم المعارك أن تستمر حتى يومنا هذا ..
في تلك الليلة الليلاء، التي كان كل ما فيها يدل على الظلمة، التي تملكت عقول المعتدين واستقرت في نفوسهم المريضة وصدورهم الخاوية من الأيمان، حتى وصلوا إلى ذلك الحقد اللعين، ليشعلوا بغداد بقنابلهم وصواريخهم، ولكن بغداد لم تحترق، وكانت تبدد الظلمة بمشاعلها الخاصة، وأهم ما كانت تستعين به، بعد الله، هو مشاعل ضوء الأيمان، التي كانت ترسلها حمية الرجال من الصدور العامرة بالأيمان والمحبة … والعامرة بالإحساس بدورهم لما أراده الله لهم … فبدد الضوء الظلام، ومن خلال عتمة ذلك الليل، ووسط لهيب الحرائق، التي كانت تنبعث من كل مكان، كان الأمل والتفاؤل مستقرين على قاعدتهما، وكانت إرادة الأيمان وحمية، ومعاني الشرف والحق، يتشكـل ما يعبر عنها في كل زناد يقدح، وجنان ثابت، ليقول للكفر: لا … وللباطل: لا، وللظلم: لا … ويقول: نعم، لكل ما أراده الله خيراً، وأمر به عباده الصالحين … فغلب ضياء الأيمان، في إشعاعه، ألسنة نيران الباطل، فبهر ذلك الإشعاع وضوءه كل من أراد للباطل ان يندحر، وللحق أن ينتصر، وبهت الذي كفر… لينهزم الظلام، والقتل والتدمير، والتعالي بالشر على منبع الخير: أرض العرب، ووطن العرب… أرض الله… أرض العراق.. موطن نبي الله إبراهيم عليه السلام.. وكانت الماجدة البهية ترسل زغاريدها كأنها تعويذة، ودعاء إلى الله أن يحمي الأبناء والآباء والاخوة والأحبة ..
ومع كل طلقة مدفع وصاروخ، ومع ثبات الرجال في خنادق القتال وميادينها، كان الله، وهو ولينا، حاضراً، حيث أتكل عليه المؤمنون، ومع ما أزاحه هواء بغداد الحبيبة من دخان الحرائق، وما أطفأه منها ذلك المطر الذي هطل في تلك الأيام كأنه مسخّر ليعين على إطفاء الحرائق، حتى صار لونه من الدخان اسود، كانت شمس الحقيقة ترتفع، مع الصمود، فوق بداية الأفق للبعيد والقريب ..
ومع معرفة تفاصيل ما حدث لبغداد، وكيف صمدت أم وأخت العرب والعراقيين، وصمدت معها كل مدن العراق وقراه، سهولاً وصحارى، اهواراً وجبالاً، مع الجبل المؤمن الصلب.. الرقيق: العراق.. ازداد يقين الناس بإمكانية الصمود بوجه الباطل لمن يؤمن بالحق ويذود عنه، وازداد يقينهم بدور بغداد.. ومعه انكشفت بتفاصيل كثيرة، حقارة العدوانيين وضآلتهم، وسوء الشر الذي في نفوسهم والصدور..
ومع ما أصاب بنت العرب وقبس ضوء الإنسانية، وأم العراقيين: بغداد من جروح وكدمات، بقي وجهها سالماً، بهياً، مشرقاً، زاهياً بالأيمان، معافى، لم يلطخه عار، أو يحفر فيه ما يعيب، وبقيت تحمل، مع علامات الفضيلة والمجد، أوسمة الاستحقاق، وعلامات الارتقاء إلى الدرجة التي أرادها الله لها ..
فحمداً لله، وبه نستعين، وليخسأ المجرمون ..
أيها الاخوة ..
أيها الأصدقاء ..
في تلك الظروف، أو نحوها، وما بعدها، قلنا إن أمريكا ستنزاح من القمة إلى بداية السفح بعدها، مع سقوط أول قنبلة تطلقها على بغداد، ولن تستقر على القمة التي تربعت عليها قبل السابع عشر من كانون الثاني عام 1991، ولن تستطيع بعد ذلك معاودة الصعود إليها ابداً، ولم اكن في ذلك الحدس أستحضر الماضي فحسب، اعتماداً على قانون صعود الحضارات وهبوطها، ذلك لان المسؤولين الأمريكيين لم يؤسسوا، حتى الآن، حضارة وفق نظرتنا لمعاني الحضارة العميقة الشاملة، وانما أسسوا للقوة مدنية خالية من الالتزام الأخلاقي، والمعاني التأريخية المستندة إلى ما يرضي الله، والرسل .. وان واضعي ركابها فوق سروج جيادها كانوا، وما زالوا، تدميريين للنفس الإنسانية، وللبناء الإنساني القائم على الأيمان والمودة، وانهم في هذا، كانوا أقرب إلى العبثيين منهم إلى حداة أي دور بنّاء في الإنسانية، عدا عن ان من يضرب بغداد، رمز العرب والمسلمين، وحاضنة حضارتهم، وجزء مجيد وعميق في تراثهم وعبقريتهم، وفعلهم العظيم من أجل الحق ضد الباطل، بل القلب من هذا وفيه مدة ثمانمائة عام، وما لها من رعاية الله، الذي ينظر، وهو في الأعالي، ويعرف الحق فيعزه في تصرف أهله، ويعرف الباطل ويذله في أهله، لن يجعل، في ضوء كل ذلك، فعل من يستهدف بغداد، يعود إليه بما يسّره، ويجعله يغمض جفنه مطمئناً قرير العين ..
ولقد نظر بعضهم، وربما بينهم من العرب، وكثر من المسلمين، وأكثر من هذا وذاك بين الناس في العالم، إلى ذلك الحدس، بأنه حدس تمنيات في أحسن أحواله، وبعضهم قال عنه انه محض خيال، وربما اتهمه آخرون باتهامات قاسية وفق ما أوحى لهم بذلك هواهم، وهواجس نفوس من كانوا ينظرون إلى أن صعود أمريكا إلى القمة هو آخر لقطة في صورة العالم، وبعدها لن تكون هناك قمة، ولن يحاول أحد أن يصعد إليها ليتربع فوقها.. وأنها نهاية العالم، مثلما كانوا يأملون، أو وفق ما أوحت به نفوسهم الخائفة والخائبة ..
ألا خاب ما فعلوا، وما يأملون، وما أوحي لهم به ..
والله اكبر .. والله اكبر ..
انظروا، أيها الاخوة، ألم تتدحرج أمريكا من القمة، إلى بداية السفح التالي بعدها ؟ وإذا كانت هي الأقرب إلى القمة، من ناحية المسافة التي ينظر إليها الناظر الآن، فأن قرب مكان السقوط من القمة لا يعني القرب من القمة دائماً لمعاودة الصعود، ولا يكون فرصة عليها، وفي حالة أمريكا لن يعني غير القول، بثبات ويقين راسخ، أن أمريكا أبعــد من الآخرين عن فرصة معاودة الصعود إلى القمة الآن ..
قد يقول قائل لصاحب الخطاب : كيف تقول هذا، في الوقت الذي ترى وتسمع كيف تصول أمريكا وتجول بقوتها العسكرية التدميرية ؟! وأعود لاقول إن الصعود إلى القمة لا يحققه امتلاك القوة الغاشمة، وانما تلزمه قوة عقل وضمير أنساني مرهف، وقلب مؤمن يكسب الناس ليعينوه في الوصول إليها، والاحتفاظ بها لزمن طويل .. وان الحصان الجموح يقتله إطلاقه من مربطه من غير راكب، أو لجام .. ذلك لان حفرة في طريقه قد تودي به، أو تكسر إحدى قوائمه فينتهي دوره على أساس خصائص مهماته ..
نعم، أيها الاخوة، أن انفلات أمريكا قاتلها وانه طريق تدحرجها إلى حيث الحضيض لا محالة، ولا أظن أن أحدا من المختصين والمهتمين بتأمل جانب أساس من المستقبل، على أساس ما يرونه أو يسمعونه من الحاضر.. لم يعد يقول بما أقول به الآن، وما قلته قبل إحدى عشرة سنة من الآن ..
لقد جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول، وردود فعل أمريكا عليها، لتكشف على نطاق واسع كيف أن أمريكا سائرة لتجعل العالم كله بقلبه، وكثراً منه بلسانه، وحتى لو جاء فعل قلة من الناس بيده، ضدها، وضد دورها، الذي تقوم به، أو أنها خططت لتقوم به، ولا يلغي هذه النتيجة القول : ان أمريكا قادرة على الضرب والتدمير، ومتمكنة ممن يقّدر الله له ميتة أو شهادةً، بسبب عدوان أمريكا، وانما يؤكدها، بل يسّرع بها، وإذا كان السقوط في غيرها يتطلب فاصلة زمنية طويلة، فان ردود الفعل الأمريكية بعد الحادي عشر من أيلول عام 2001، وعدم مراجعتها للأسباب قبل سعيها لمعرفة المسببين، والانتقام منهم، وعدم اتّعاظها لتكون أمام دروس جديدة، كل ذلك جعل الزمن يتسارع ليشهد السقوط مع الشاهدين، وسيكتب لابناء هذا الجيل إن يشهدوا ذلك، ما لم تغيّر أمريكا طريقتها في التعامل، ليس مع العالم فحسب، وانما مع نفسها ايضاً، ومن خلال النظرة إلى نفسها، والتصرف على هذا الأساس بأنصاف وعدالة، والى النظرة إلى صلتها ودورها في العالم، والطريق الصحيح إليه.. وإذا كانت بعض الإمبراطوريات قد استخدمت الأساس في معاودة الصعود إلى مسافة مقبولة بعد مكان سقوطها.. فان السقوط الأمريكي ليس بعده صعود إلى أي مرحلة مقبولة.. ذلك لان صعود أمريكا ابتداءً إلى حيث صارت، كان بلا أساس قوي وعميق وراسخ ..
ترى هل يفعلون ما هو صحيح ؟ أعيد نفس التساؤل، الذي قلته في قمة عمان، في شباط عام 1990، وأجيب نفس الإجابة، بعد كل تلك الأحداث، وبعد مضي اثني عشر عاماً: ليتهم يفعلون، ولكنهم لن يفعلوا، وانهم، لا محالة، إلى الهاوية سائرون ..
أيها الاخوة ..
أيها الأصدقاء ..
لقد واجهتنا، وواجهت شعبنا وجيشنا في منازلة ذلك اليوم، وما بعده، صعوبات بمستواها.. وكان الأصعب فيها مواجهة أي شئ لم نعرفه معرفة الممتحن به.. ورغم ان القيادة أعدت للمواجهة آنذاك، وفق ما تأملته في الاحتمالات، واسندت استنتاجاتها بما لديها من معلومات عن العدوان والمعتدين، ولكن هل يكون أداء من يمتحن وينجح في مادة أو شأن، المكرر فيه أكثر من المستجد، أعلى وافضل، أم أقل، ودون ذلك !؟ ندعو الله سبحانه أن يجنب شعبنا وامتنا شر الأشرار ونواياهم، ولكننا نجيب بثبات ويقين: إن شعبنا قد عرف أين الحق، وأين الباطل، وعرف مواطن قوته، واستخدمها، وابدع فيها بأذن الله، وتعامل مع أي حالة ضعف فيه، وتغلب على ما يستوجب، ليستمر ركب المسيرة باتجاه أهدافها، واقتنع بنفسه ومساره اكثر منهما في العام 1991، وعرف أعداءه الأساسيين، أو المتغيرين والمتلونين الظاهر منهم والباطن، وأعد لهم، وتعمق أيمانه بدوره وفق ما أمره الله به، وازداد تعلقه بحبله سبحانه، والاتكال عليه.. وهو بعد كل مسار العدوان منذ إحدى عشرة سنة، يردفه عدوان مستمر حتى هذا اليوم، فلن يفاجئه شئ وحال مما تحسّب له وأعد له ..
وسيكون الله سبحانه، هو القادر على أن يجعل المؤمنين يبصرون ما حولهم وما أمامهم وما لم تره الأعين الاعتيادية، وسيكون المستقبل له، مثلما هو الحاضر ..
وسيكون ابن تأريخه وتراثه، ونبت أريج رسالة أمته ..
وسيخزي الله القوم الكافرين ..
وما النصر ألا من عند الله العزيز الحكيم ..
تحية إلى كل صديق لأمتنا وشعبنا، كان يعترض بصوت مسموع، أو حتى لو كان همساً، يحقق به مضمون قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فأن لم يستطع فبلسانه، فأن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الأيمان)
صدق رسوله الله صلى الله عليه وسلم
تحية إلى كل مؤمن غيور، والى كل عربي أصاب قلبه وجع ضربات العدو على جيش العراق وشعبه، وعلى ممتلكاته وشوامخه الحضارية والتأريخية..
وتحية خاصة لمن خرج من بيته مدفوعاً بعوامل الحمية القومية المؤمنة، أو عوامل ومعاني الأيمان بوجه عام، أو بمعاني الإنسانية لما أراده الله للبشرية من صلة، ليقول للطاغوت: لا .. ويحتج على فعلة ذلك التحالف الشرير، وعلى استمرار العدوان والحصار حتى يومنا هذا ..
وطوبى لمن سقط مضرجا بدمائه بسبب ذلك، ونرجو أن يتقبله الله شهيداً في جنات النعيم، ومنه، سبحانه، القوة والثبات والعزم..
طوبى وعليين في ضيافة الرب الرحيم لشهداء العروبة والأيمان والحمية الوطنية، وأهل مشاعل الحق ضد الباطل ..
طوبى لشهداء أم المعارك..
وعاشت امتنا المجيدة..
عاشت فلسطين حرة عربية.. اللهم اكتبنا مع محرريها..
عاش العراق، واهله، وجيشه..
وعاشت بغداد ..
والله اكبر ..
الله اكبر ..
الله اكبر ..
وليخسأ الخاسئون ..
(المصدر: وكالة الانباء العراقية)