نصف قرن على قيام ثورة يوليو

بقلم: أحمد فضل شبلول

ولدتُ خلال العام الأول للثورة، وبالتحديد بعد قيامها بسبعة أشهر، فأنا من مواليد 23 فبراير 1953 ، وعندما شببت عن الطوق وجدت أن والدي يحب الثورة ويحب جمال عبد الناصر، ويعلق صورته في حجرة المعيشة، خاصة بعد أن أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956، في ميدان المنشية بالإسكندرية، الذي كان والدي يصطحبني إليه، ويشير إلى مبنى الاتحاد الاشتراكي الذي من شرفته أعلن ناصر تأميم القناة. والذي عرفت بعد ذلك أيضا أن ناصر تعرض للقتل عام 1954 في المكان نفسه. بطبيعة الحال أحببت الثورة، وأحببت جمال عبد الناصر، وأحببته صوته عندما كان يخطب، مثلما أحبه والدي، بل أحبته الأسرة كلها، وفي 26 يوليو من كل عام، كنا جميعا نخرج إلى الكورنيش منذ الصباح الباكر، ننتظر مرور موكب الزعيم، الذي يلوح للجماهير مبتسما ابتسامته المصرية الودود. في إحدى المرات رفعني أبي بيديه عاليا، لأرى الزعيم، من فوق رؤوس الجماهير المحتشدة على الكورنيش، وظننتُ أنه نظر إليَّ ملوحا بيديه، فهتفت باسمه، وقلت: (بالروح بالدم نفديك يا جمال).
بعدها أرسلت خطابا إلى جمال عبد الناصر، لم أدر ماذا كتبت فيه، ولكن فوجئت ـ بعد حوالي أسبوعين ـ بمظروف سماوي اللون مرسل لي من رئاسة الجمهورية، وعندما قام والدي بفتحه، وجده من حسن كامل، الذي يعمل في مكتب رئاسة الجمهورية، يبعث لي التحية نيابة عن السيد الرئيس، ويهديني صورة جميلة للزعيم، وكان هذا الخطاب حدثا في العائلة.
كان أبي يعمل رئيس ورشة الخراطة بإحدى شركات الغزل والنسيج في الحضرة القبلية بالإسكندرية، وعندما أدركت بعد ذلك أن عبد الناصر ينحاز للطبقة العاملة، وأن قوانين يوليو الاشتراكية، في عام 1961 أو عام 1962 صدرت ـ في ظاهرها ـ من أجل هذه الطبقة الكادحة، أدركت سر حب أبي للزعيم ولرجال الثورة، ولمحمد حسنين هيكل، ومقاله "بصراحة" الذي كان يقرأه صباح يوم الجمعة بجريدة الأهرام، ثم تستمع الأسرة له، مساء اليوم نفسه، بإذاعة البرنامج العام، بصوت جلال معوض أو صالح مهران، على ما أتذكر.
في صبيحة يوم الاثنين 5 يونيه 1967 كنت قد انتهيت من امتحانات الصف الثاني الإعدادي، واصطحبني والدي معه إلى المصنع. في الساعة التاسعة إلا ربع صباحا، ترك أبي ماكينة الخراطة، وذهب يعد لي ولبعض مرؤسييه أكواب الشاي، ردا للأكواب التي دارت علينا في الصباح الباكر. عاد أبي بعد قليل ليعلن أن الحرب قامت. سألته بتلقائية شديدة: ونحن ماذا سنفعل؟ لم تكن هناك إجابة واضحة، ولكن طمأنني أبي أن الحرب لن تأتي إلى الإسكندرية، وأننا في انتظار أوامر إدارة الشركة، هل سيخرج العاملون والموظفون قبل مواعيد العمل، أم ماذا ستقرر الإدارة؟. قررت الإدارة أن يستمر العاملون في أماكن عملهم، إلى أن تصدر تعليمات أخرى. التف العاملون حول أجهزة الترانزيستور، يتابعون أخبار الحرب، سمعتهم يهللون، فالطائرات الإسرائيلية ـ حسب ما تزعم الإذاعة المصرية ـ تتهاوى في سيناء. في نهاية اليوم كنا قد أسقطنا 86 طائرة. فرحت كثيرا. في اليوم الثاني بدأت تتسرب الحقائق المرة إلينا، ومن الإذاعات الأجنبية عرفنا أننا هزمنا، لم أصدق، إلا عندما رأيت عبد الناصر، في تلفزيون عمتي التي تقطن بالطابق الأعلى من منزلنا بمحرم بك، يبكي ويعلن تنحيه عن الحكم، كنت أنظر إليه في دهشة واستغراب، وهو يقول هذا الكلام، ولكنه لم ينظر لي، مثلما كان يفعل في 26 يوليو وهو يمر على كورنيش الإسكندرية. وبحجم الحب الذي كنت أكنه للزعيم وللثورة، حزنت، وبدأت أفقد الثقة تدريجيا في ناصر والثورة، وأنا في هذه السن المبكرة.
بتلقائية شديدة خرجتُ مع الجماهير التي رفضت الهزيمة، ورفضت تنحي عبد الناصر عن الحكم في 9، و10 يونيه. استمر عبد الناصر في الحكم، واستمر الحزن في داخلي يكبر، وقررت إعادة تقييم موقفي من الثورة ورجالها، ليس على ضوء الحب الذي يحمله أبي والأسرة لعبد الناصر، ولكن على ضوء المنجزات الحقيقية التي قدمتها الثورة ورجالها للمصريين.
بعد أيام، ذهبت لمدرستي (العطارين الإعدادية) لمعرفة نتيجة الامتحان، شاهدت اسمي ضمن كشف الناجحين والمنقولين إلى الصف الثالث الإعدادي، وعلى الرغم من ذلك كنت أحس أنني راسب في كل المواد، وخاصة المواد الاجتماعية.
كنت أريد انتزاع صورة عبد الناصر الموجودة في غرفة المعيشة، حتى لا تكون رقيبة عليَّ أثناء إعادة تقييم الموقف. رفض والدي ذلك، وقال لي: هناك أخطاء حدثت في مسيرة الثورة، ويحاول عبد الناصر تصحيح الأوضاع.
عندما بدأت حرب الاستنزاف عام 1969 قبيل وفاة عبد الناصر، وعندما دمرت القوات المصرية المدمرة الإسرائيلية إيلات. أحسست أن الأوضاع بالفعل تتغير. ولكن في 28 سبتمبر 1970 مات عبد الناصر، ولأول مرة في حياتي أذهب إلى القاهرة، عن طريق القطار المجاني الذي جهزته خطوط السكك الحديدية لمن يريدون المشاركة في تشييع جثمان الزعيم الراحل. في القاهرة، هبطت مع مجموعة من أصدقائي من القطار، وعندما خرجنا من محطة رمسيس، شاهدنا جماهير غفيرة وزحاما لم أر مثيله، من قبل. خفت من الزحام. وقررت العودة إلى الإسكندرية فورا، وعاد معي أصدقائي الصغار.
وجاء السادات إلى الحكم، وفي أول زيارة له إلى الإسكندرية، أخرجونا من مدارسنا الثانوية للهتاف له، وجدتني أهتف لجمال عبد الناصر، بدلا من الهتاف للزعيم الجديد. أحسست أن هذا الزعيم الجديد، سيسير في طريق مغاير للمبادئ التي قامت من أجلها الثورة، والتي حفظناها عن ظهر قلب أثناء دراستنا للمواد الاجتماعية (3 قضاء و3 إقامة). بعد عودتي إلى المنزل، طلبت من والدي أن يحكي لي ما يذكره عن أيام الملكية، وهل الأفلام التي كنا نشاهدها عن تلك الفترة وخاصة أفلام يوسف السباعي مثل "رد قلبي"، تعبر بالفعل عن حقيقة الحياة في ذلك الوقت؟ لم تشف إجابات أبي غليلي، فلجأت إلى القراءة. وبدأت بوادر الكتابة، والشعر، وكانت في البداية هروبا من تلك التناقضات، التي زرعتها الثورة في وجداني. إلى أن تحقق انتصار أكتوبر 1973 وكان أخي محمد ـ الذي يكبرني بخمس سنوات ـ أحد الأبطال الذين عبروا قناة السويس. فبدأ الميزان يعتدل قليلا. ولكن عندما ذهب السادات إلى إسرائيل في عام 1977 سألت: أين ذهبت الثورة، ومبادؤها الستة؟ وعلى الرغم من أن السادات كان أحد الضباط الأحرار، وأنه الذي أذاع بيان الثورة بالإذاعة المصرية، وأنه أيضا الذي أذاع نبأ وفاة جمال عبد الناصر، إلا أنني أحسست أن الثورة ضلت طريقها، وأن مصر في حاجة إلى ثورات جديدة على كل شيء. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية