نصفه فرعون ونصفه نيرون!

بقلم: جواد البشيتي

ليس مبارك الشخص، وإنَّما نظام (وخواص نظام) الحكم الرئاسي المعمول به في الدول العربية، هو ما جَعَل "سيادة الرئيس محمد حسني مبارك" فرعوناً، يَشْعُر (ويُشْعِرونه) أنَّه الأكبر والأعظم من مصر، وأنَّه الذي كان ولم تكن مصر، وأنَّه الباني الحقيقي لهرم خوفو، فإذا انتهى انتهت مصر؛ والعالم كله، وعلى رحبه واتِّساعه، يظلُّ أصغر من عالمه هو؛ وإنِّي لمتأكِّد تماماً أنَّ ثورة مصر ستُدْخِله التاريخ بصفة كونه آخر فراعنة مصر.

في اجتماع قلَّ نظيره للمأساة والمهزلة، قدَّم الرجل الثالث في حزب مبارك (وعلى افتراض أنَّ هذا الحزب يَضُمُّ رجالاً) أحمد عز استقالته، فَقُبِلَت.

لقد أقال مبارك هذا الرجل الذي لم يبقَ من شيء في اقتصاد مصر إلاَّ وتملَّكه شخصياً، وكأنَّ إقالته ستَمُدُّ بالعُمْر السياسي لـ "الحاكم العسكري"، أي لمبارك في آخر رداء يرتديه؛ فَلِمَ أقاله؟!

أقاله لكون الشعب الثائر يكرهه ويمقته؛ فإذا كان هذا هو السبب فَلِمَ لا يُقرِّر مبارك أنْ يقيل نفسه بنفسه؟!

أمَّا السبب الحقيقي فهو أنَّ للرجلين مصلحة مشترَكة في تلك الاستقالة التي من بابها يغادر أحمد عز، فإنَّ في وجوده في خارج مصر ما يعود بالنفع والفائدة عليهما معاً.

شعب مصر الآن، وبعيون لا تغشاها الأوهام، يرى مَنْ حكمه 30 سنة، وكيف كانوا يَحْكمون؛ ومِنْ عيونه ينبغي لسائر أشقائهم أنْ يروا هُمْ أيضاً.

لقد حكموا بجيش أمني جرَّار، معادٍ للشعب، في تربيته وثقافته وتجربته، مزوَّد أسلحةً ووسائل ومعدِّات لا يمكن استعمالها إلاَّ ضدَّ "العدو الداخلي"، ويَفْهَم الدستور والقانون على أنَّهما كل ما ترتئيه وتقرِّره قيادته، ويتحالف مع جموع المجرمين، أو من يُسمُّون في مصر "البلطجية"، ويزرع الخوف والرعب في قلوب المواطنين.

ولمَّا أحسَّ الحكم الفاسد، والذي على يديه قام للفساد (بكل صوره وأشكاله) دولة، بدنوِّ أجله، تسلَّح بـ "الجريمة"، محارباً شعبه الثائر بسلاح "الفراغ الأمني"، فشرع هذا الجيش الأمني الجرَّار، مع حلفائه من "البلطجية"، يروِّع المواطنين ليلاً، يَقْتُل ويحرق ويسرق ويسلب..؛ فما من جريمة إلاَّ وارتكبها "ملثَّموه" بأزيائهم المدنية.

أمَّا الغاية فهي تشديد حاجة المواطنين إلى الأمن الذي لن ينعموا به إلاَّ إذا تخلُّوا عن الثورة، وعادوا إلى بيوتهم، وآمنوا بأنَّ "أمنهم مِنْ أمن حاكمهم"، الذي نصفه فرعون ونصفه نيرون، فإذا أنتم أفقدتموه الإحساس بالأمن يُفْقِدكم الشيء نفسه.

لقد انتفضتم، وثُرْتُم، وشققتم عصا الطاعة على وليِّ أمركم، فذوقوا مُرَّ ما صنعت أياديكم؛ لعلَّكم تتَّعِظون، وتعودون إلى "بيت الطاعة"، تُطلِّقون الثورة ثلاثاً، فتَنْعمون بأمن الغَنَم في زريبته.

هذه هي رسالته إلى شعبه عَبْر هذا "الفراغ الأمني"، والذي هو جريمة كبرى ارتكبها في حق الشعب المصري؛ فهذا "الفراغ" لم يكن إلاَّ أمْراً رئاسياً لرجال "الأمن المركزي" بالخروج من المدن نهاراً، للعودة إليها ليلاً، ملثَّمين، يرتدون ثياباً مدنية، لا يتورَّعون عن ارتكاب أبشع الجرائم في حق المواطنين؛ فإنَّ "الجريمة" هي "أسلوب الحكم" للنظام الرئاسي العربي في رُبْع الساعة الأخير من عُمْرِه.

وفي رُبْع الساعة الأخير هذا، نراهم على حقيقتهم العارية من الأوهام (أوهام الإصلاح السياسي والديمقراطي الذي سيُسْبِغون نعمته على شعوبهم، وأوهام "الحكم الرشيد" الذي سيَنْبُت منهم أنفسهم لا محالة على أنْ يتحلَّى الشعب بفضيلة الصبر).

إنَّهم ليسوا أكثر من لصوص، يفرِّون ويَهْربون، مع عائلاتهم، ومع كل ما سرقوه، من أوطان جعلوها مزارع لهم.

ما هي لعبتهم الآن؟

إنَّها لعبة إنقاذ أنفسهم وثرواتهم الطائلة المتأتية من السرقة والفساد؛ وهم يلعبونها مع قوى في الداخل وفي الخارج لها مصلحة في الإبقاء على كل ما هو ضروري وأساسي وجوهري من نظام الحكم نفسه، على أنْ يُعْطى الشعب من "الإصلاح السياسي والديمقراطي" ما لا يتعارَض مع ذلك.

إنَّهم الآن يُتْلِفون كل ما يصلح لاتِّخاذه مستقبلاً دليلاً على جرائم ارتكبوها في حقِّ شعبهم وبلادهم؛ ويفاوِضون من أجل الخروج الآمن، والعيش الآمن (لهم ولثرواتهم تلك) في خارج مصر.

الرئيس لن يغادر قبل أنْ تغادِر عائلته، ونجليه علاء وجمال، و"ثروة العائلة"، في أمن وأمان، وقبل أنْ يحصل على "الحصانة" التي يريد.

وعندما تلبَّى له مطالبه يتنحى، فتُنْقَل السلطة الفعلية إلى يديِّ نائبه عمر سليمان، ليتقاسمها مع قيادة الجيش، ومع سامي عنان (الذي كان رئيساً لأركان الجيش فأصبح وزيراً للدفاع) على وجه الخصوص.

السلطة الفعلية والحقيقية تظلُّ في "أيدٍ أمينة"، فيصبح ممكناً عندئذٍ أنْ يلبس عمر سليمان (مع شركائه) لبوس "المصلح الأكبر"، فيُهيئ لتغيير نظام الحكم بما يرضي (على ما يتوقَّعون حتى الآن) الشعب، وبما ينأى بالسياسة الخارجية لمصر عن مخاطر هذا التغيير؛ فالرئيس يذهب، ويذهب معه كل المكروهين شعبياً، والشعب يرضى، وقوى السلطة الفعلية تبقى، والولايات المتحدة وإسرائيل تطمئنان.

هذا ما يريدون؛ وهذا ما يتوقَّعون؛ وإلى هذا يسعون؛ لكنَّ "ميدان التحرير" هو وحده الذي سيكون له القول الفصل، فالثورة لن تغادره إلاَّ إلى "الجمعية التأسيسية"، التي فيها، وبها، يمكن ويجب أن يبدأ كل شيء.

جواد البشيتي