'نصر' سياسي لأردوغان في سوريا لا يرمم انتكاساته في تركيا

محللون يرون أن الاتفاق التركي الأميركي الذي أفضى إلى تعليق العملية العسكرية التركية ضد أكراد سوريا قد لا يصمد طويلا.


تعليق العملية التركية في سوريا انتصار تركي بطعم الهزيمة


اتفاق وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا لن يصمد طويلا


الاتفاق التركي الأميركي لم يرسم نهاية فعلية للعدوان على شمال شرق سوريا


لقاء مرتقب بين بوتين وأردوغان سيحدد مصير العملية التركية في شمال شرق سوريا

اسطنبول - يعتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه حقق نصرا سياسيا وميدانيا من خلال اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية لتعليق العملية العسكرية التركية ضد المسلحين الأكراد في سوريا، لكن الوقائع تشير إلى غير ذلك فالرجل الذي يعيش وهم الانتصارات يقف على أرض رملية مرشحة لتتحرك تحت أقدامه في أية لحظة.

وفي الوقت الذي وصف فيه الرئيس الأميركي الذي يخوض حملة انتخابية رئاسية صعبة وسط تحرك واسع لعزله، وصف اتفاق وقف إطلاق النار بأنه عظيم، يبدو هذا الاتفاق هشّ على خلاف ما تروج له أنقرة وإدارة ترامب ذاته.

ويرى محللون أن الاتفاق قد لا يصمد طويلا فالجبهة بشمال شرق سوريا تبدو ملتهبة أكثر من اللازم مع تعدد أطراف القتال وتضارب مصالح القوى المتدخلة في الأزمة ومع استمرار الدفع في واشنطن لفرض عقوبات صارمة على تركيا، حيث قال زعيم الديمقراطيين في الكونغرس إن مجلس النواب سيصوت الأسبوع المقبل على حزمة عقوبات مدعومة من الحزبين ضد أنقرة.

وقد وصف زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ تشاك شومر ورئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل له وفد أميركي برئاسة نائب الرئيس مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو والرئيس التركي وكبار مساعديه بأنه "عار" على الولايات المتحدة وأنه يقوض الثقة في السياسة الخارجية الأميركية.

لا مؤشرات على نهاية المواجهات في شمال شرق سوريا
لا مؤشرات على نهاية المواجهات في شمال شرق سوريا

 ولم يكن الاتفاق صكا على بياض من الجانبين، كما لم يرسم نهاية فعلية للعدوان التركي على شمال شرق سوريا ولم ينشأ على أرضية صلبة بحيث يمكن ضمان استمراره.

وقد يكون أردوغان قد أحد أهدافه الرئيسية بإبعاد المقاتلين الأكراد عن حدود بلاده وإقامة "منطقة آمنة" بعرض 32 كيلومترا لم يحدد طولها بعد، فيما يريدها الرئيس التركي بطول 444 كيلومترا، لكن نجاح الاتفاق من عدمه يتوقف على المفاوضات مع روسيا، الداعم الأساسي للرئيس السوري بشار الأسد.

ويسود اعتقاد قوي بأن الانسحاب الأميركي من سوريا والاتفاق الهش مع أردوغان لتعليق هجومه على الأكراد، كانت بمثابة هدية للرئيس السوري الذي بدأت قواته ببسط سيطرتها على أجزاء من شمال شرق سوريا كانت إلى وقت قريب خارج سيطرته.

كما دفع الاتفاق سريعا الوحدات الكردية إلى حضن النظام السوري الذي لم يلق أي عناء في الانتشار قرب الحدود التركية في الوقت الذي شدّدت فيه موسكو على ضرورة أن يكون  ضبط الحدود بين سوريا وتركيا بيد القوات السورية الحكومية.

وقال مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى سونر كاغابتاي "تبدو تركيا منتصرة على المدى القريب لأن أنقرة تمكّنت من إحداث شرخ بين وحدات حماية الشعب الكردية والولايات المتحدة".

ولطالما أثار تسليح الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية، أبرز الفصائل الكردية المقاتلة، غضب تركيا التي تعتبرها تنظيما "إرهابيا" وامتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة وحلفاؤها الغربيون تنظيما إرهابيا، لكن الولايات المتحدة تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية العمود الفقري لسلاح البر في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. ويشن حزب العمال الكردستاني منذ العام 1984 تمرّدا مسلحّا ضد تركيا.

استمرار الاشتباكات بعد الاتفاق الأميركي التركي على تعليق عملية نبع السلام التركية
استمرار الاشتباكات بعد الاتفاق الأميركي التركي على تعليق عملية نبع السلام التركية

وأطلقت القوات التركية عمليتها العسكرية الأخيرة في سوريا في 9 أكتوبر/تشرين الأول بعد ما بدا أنه ضوء أخضر من الرئيس الأميركي الذي عاد ونفى أي تأييد للعملية بعد موجة غضب دولي عارم ضده.

وبعدما وجدت نفسها هدفا لحملة عسكرية تشنّها القوات التركية وفصائل سورية موالية لأنقرة، وافقت وحدات حماية الشعب الكردية على انتشار قوات النظام السوري في مناطق كانت لسنوات خارج سيطرتها.

ويقول أنطوني سكينر مدير شركة "فيريسك ميبلكروفت" لتقييم المخاطر إن الاتفاق "يفرض على الولايات المتحدة نزع سلاح وحدات حماية الشعب الكردية وتفكيك تحصيناتها ومواقعها القتالية وهو ما كانت تطالب به تركيا منذ سنوات".

ورأى أن هذا الاتفاق "انتصار للرئيس أردوغان. وقد تم تأكيد ذلك كتابة بموافقة البيت الأبيض على سيطرة الجيش التركي على أراض في شمال شرق سوريا".

وينص الاتفاق الذي ترفض تركيا تسميته وقفا لإطلاق النار، على تعليق تركيا لعمليتها العسكرية لمدة خمسة أيام ووقف هجومها بعد انسحاب وحدات حماية الشعب الكردية.

وقال مسؤول تركي كبير طالبا بعدم كشف هويته "لقد حصلنا تماما على ما أردناه في الاجتماع" مع بنس.

وتابع أن "العملية العسكرية التركية حققت هدفها. سينسحب الإرهابيون من المنطقة الآمنة في غضون 120 ساعة وتركيا ستفرض المنطقة الآمنة".

وروجت وسائل إعلام تركية للاتفاق الأميركي التركي بوصفه انتصارا للرئيس أردوغان، لكن الأخير لايزال يواجه داخليا أزمة اقتصادية متفاقمة لا تبدو نهايتها قريبة.

الرئيس التركي يعتبر أن الاتفاق مع واشنطن على تعليق العملية التركية في شمال شرق سوريا سيفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة

وكتبت صحيفة 'صباح' الموالية للحكومة "انتصرنا على الطاولة (طاولة المفاوضات) وفي الميدان"، فيما أشادت صحيفة 'يني شفق' المؤيدة أيضا للنظام بما وصفته بـ"الانتصار الكبير" الذي حقّقته تركيا في المحادثات.

لكن محللين يرون أن هذا الانتصار الذي تقول الحكومة التركية ووسائل الإعلام الموالية لها إنه تحقق بفضل سياسة أردوغان، قد يكون قصير الأمد.

ويقول المحلل في معهد الأمن وسياسة التنمية غاريث جنكينز إن "الاتفاق سيرفع شعبية أردوغان التي كانت تشهد تراجعا قبل بدء العملية العسكرية في 9 أكتوبر(تشرين الأول) ".

لكنّه أوضح أن ارتفاع شعبية أردوغان "قد يكون قصير الأمد نسبيا. سيتعيّن على تركيا في مرحلة ما أن توقف عملياتها العسكرية من دون تحقيق الأهداف التي حدّدتها".

وقال إن الاتفاق قد لا يضع حدا للعملية العسكرية التركية في سوريا لأن الجيش التركي سيواصل استهداف المقاتلين الأكراد في العراق وسوريا "ما داموا يشكلون تهديدا للأمن القومي التركي".

وسيلتقي الرئيس التركي خلال مهلة الأيام الخمسة نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي الثلاثاء المقبل.

وعلى الرغم من دعم كل منهما لأطراف متباينة في سوريا، تعمل أنقرة وموسكو معا من أجل إيجاد حل سياسي ينهي الحرب على الأراضي السورية.

ويقول المحلل إيجي سيكين في مركز "آي اتش اس ماركيت" إن "المدى الجغرافي للعملية التركية سيتحدد على الأرجح خلال لقاء أردوغان وبوتين"، مضيفا أن "بوتين سيكون صاحب القرار".

ولم تدعم روسيا العملية التركية كما لم تدنها بشكل صريح، إذ يبدو أنها خططت لاستثمار الانسحاب الأميركي والعملية التركية لتعزيز نفوذها على الأرض وأيضا تعزيز المكاسب الميدانية لحليفها بشار الأسد الذي سيطر على مناطق كانت إلى وقت قريب خارج سيطرته من دون خسائر بشرية أو مادية.

وقال أردوغان اليوم الجمعة إنه سيبحث مع بوتين الأسبوع القادم الخطوات التي ستتخذ في "المنطقة الآمنة" المزمعة في شمال شرق سوريا، مضيفا أنه يتعين على موسكو أن تقود الجهود في غرب سوريا لتوطيد السلام.

أردوغان يريد إقامة 12 موقع مراقبة في المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها، محذّرا من أن قواته سترد إذا ارتكبت الحكومة السورية أي خطأ في المنطقة

وأضاف أن محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستفتح "صفحة جديدة" في العلاقات بعد أن اتفقت الدولتان العضوان في حلف شمال الأطلسي على وقف الهجوم التركي في شمال شرق سوريا من أجل السماح للمقاتلين الأكراد بالانسحاب، معتبرا أن جهود أنقرة وواشنطن المشتركة بشأن سوريا ستكون أكثر سهولة إذا أيدت الدائرة المحيطة بترامب نهجه الإيجابي.

وقال "نظيري هو ترامب. مثلما نعقد المحادثات الهامة عبر الهاتف، سوف نعقد أيضا اجتماعات وجها لوجه تفتح صفحة جديدة في العلاقات التركية الأميركية. تأييد الدائرة المحيطة بترامب لنهجه الإيجابي سيجعل عملنا أكثر سهولة".

وأعلن أن بلاده تهدف إلى إقامة 12 موقع مراقبة في المنطقة الآمنة وأنها سترد إذا ارتكبت الحكومة السورية أي خطأ في المنطقة.

وقال أردوغان إن مليوني لاجئي يمكن توطينهم في "المنطقة الآمنة" إذا شملت مدينتي دير الزور والرقة. وتستضيف تركيا 3.6 ملايين لاجئ فروا من الحرب المستمرة منذ ما يربو على ثماني سنوات في سوريا.

ومن المستبعد جدّا أن تهدي موسكو هذا الانجاز لأردوغان فيما لاتزال خلافات كثيرة عالقة بين الجانبين ومنها الوضع في ادلب آخر معقل بارز للمعارضة المدعومة من أنقرة وهي المنطقة المشمولة أيضا باتفاق خفض التصعيد وتشرف تركيا على مراقبتها.

وهدأت الجبهة في ادلب مع انطلاق العملية التركية في شمال شرق سوريا، لكن من المتوقع أن تتجدد الاشتباكات والقصف السوري الروسي للجماعات المتشددة التي يدين بعضها بالولاء لأنقرة.