نشيد الأرض والخلود

شعر: منير مزيد
نسيج ألق توهج

كل شيء على الأرض
نفسه من لهب
يستريح على وقدة نار ..
مشهد دائم الاحتراق
يطوقنا بالجحيم
يظللنا الى الأبد ..

يا دوامة العالم المضطرب ..!
يا شجرة الحياة المثمرة بالأوجاع ..!
كل فصول الحزن تتناسل في شراييني
والفكرة شرارة لا تجد حطبا في الموقد ..

الأرض تدور .. تركض
وراء الشمس ..
وأنا أرض … ألهث
وراء الرغبة …
كلانا أعيانا السعي
وراء دخان…
كلانا متعب ومجهد
من عفن السنين ...!
يا للعناء المرّ ..
تمر في خيالي خيول الرغبة
تعدو مسرعة إلى الماء
ولا ماء ..

نسيج ألق توهج
رماد ..
يطفئ جذوة الاحتراق …
الخيوط روح خراب
تغذي خرابا…
لا تسلني شيئا
في كل ثانية شيء يحتضر
عائدا إلى مصيره السابق ….

أيتها الحكمة الأبدية ...!
يا وردة الحرية الصافية ...!
أشباح في مرايا التأمل ..
تحدق في الصمت
تراقب الفكرة
خوفا من انفجار الصمت
من اشتعال الفكرة ..

أيلول أحمر قانٍ
رمادي
آيار باع قميصه وانتحر
والصمت يعوي في الافئدة دما
يلطخ وجه الكبرياء
يستنشق رماد الموت ..

في الغابة الخرساء
روح الظبي الوديع
طريدة…
والنمر مخالب الجوع المفترسة
تنهش وداعة الحياة ..

يسقط الظل متهالكا
بين همسات ريح مرعدة
لزوبعة الموت
تارة يعلو، وتارة يهبط
يلتقطه طائر الشعر
لِيَكُونَ لَهُ عاشقا ومنقذا ...
ويستمر نشيد الحياة ...

لن أبتهل لغير ظلك
ولن تتوقف زقزقة العصافير
لطلوع فجر
يبدد الوهم المأساوي .. .

ها أنذا أسلم نفسي للذة التأمل
ترفرف الرؤية بجناحين مشرعين
في فضاءات الروح
يتأهب الشعر للإنطلاق إلى اللانهاية ...

أراني اقرأ سفر الغيب
وأناجي الله
ليخلصني من عزائي المرّ ...
أبحث عن حلم يضئ كياني
يفجِّر ظلام الصمت العميق
يحمل تباشير الثورة
والإنتصار
يحملنا إلى حب عظيم
يحطم كل الحواجز والحدود ...

في أرضنا يستوطن الجوع والقتل
نساء يحلبن قمرا ميتا
يطهون حجارة الصبر
والزمن يقتات على قمح الهذيان
مأساة لا تنتهي... لا تنتهي

أبداً لن أنسى دموع أمي
لن أنسى من قدموا أرواحهم لأجلنا
ومن أجلنا جميعا
يملأون حياتنا مجدا وأغاني ...
تبتهل عصافير الشعر لذكراهم
وتحلق النوارس وطيور الحرية
في أجواء شعاع الأحلام والظلال ...

وحدك أيها الظل المجنح
تلملم غيمات الحلم الشارد
تنثر وريقات العشق الملونة
فوق المدافن الرمادية
وتطلق نوارس الشعر الصافي
من جرار السحر
لجنيات البحر ...

آه ... ما الذي أثقل صدرك
أشواك الجوع
أو أوساخ الخيبة والإنكسار
أم عفن الصمت الميت فينا ... ..؟

مع من يتصارع حزنك ...؟

غابات بلا أشجار
أشجار بلا عصافير
عصافير بلا أرض، بلا بحر أو سماء..

آه .. ما الذي يُعذّبُك
وكل خيول الشعر
تصهل في روحك
وعلى أرضك
يهبط نشيد السماء
غنيًّا بالرؤئ... بالأسرار....
حاملا صدى أحلام الأنبياء
وأرق الآلهة ....

هناك بين أعشاب الرغبة الظمِأة
وجوه مبعثرة تلمع في الظلام
أضاءتها آلهة الحب والخصب
المعشعشة في ظل الليل....
تَطِيرُ الوجوه عالياً
تقرع أبواب السماء
ترعد...تحرق ذاتها عشقا
لتوقظ كهنة الماء...

يهطل مطرك الليليِ
يغسل آثام النهار
تتهيأ الأرض للعناق الرطب
تكشف عن نهد يتصحر
ينتظر رذاذ القبل
عن فم يرضع حليب النشوة
والإشتهاء
يزهر كرز الحب بين الشفاه...

بروحي العارية أراك
أراك وحيدا تقطف عنب الشوق
من دالية الحب
تعصره خمرا للعشاق
للحوريات
للشعراء
للفرسان...
تهدهد الصخب والجنون
ليناما ملأ الجفون
بين براعم الإسترخاء
تشعل فوانيس الأفكار
تحرق الملل والإيقاع الرتيب
وتملأ ينبوع الحياة
بنبيذ أغاني الفرسان. ...

يا ظلا مليئا بالأحلام
يشتهي الأشعار
ما أجملك
وأنت تمسك الشمس من ذيلها
تقبض على جمر القصيدة...

أبدا لا تغمض عيناك
ارفع رأسك عاليا
َاسْجُدْ للحرف والكلمة
ورتل آيات الماء..

تتباهى بنخيل لا ينكسر
لأشباح يذرون ريحهم السوداء
تتباهى بزيتون يَكَادُ زَيْتُهَ يُضِيءُ
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ...

لا حلم لهم...
لا ظل لهم
غير وهم يحترقون فيه.....
لم يبق غير رمادهم المحترق
على صدر الأرض
وسرعان ما يتلاشى في العدم الكوني....

آه.. أيها الظل
من خلال عيون الإله أراك
من فكر الإله أقرؤك....

أعود واسألك: ما الذي يعذبك.... ؟

عادت أسراب السنونو مبكرة
تعشعش في مرايا الذات
تهمس وتضحك على أوراق الشجر....

يا ظلاً يسابق الريح والعدم
يغزل المعجزات
ويحيل الكون إلى أحواض من الياسمين....

الآن، وبعدما نضجت صيصان الأفكار
وتفتحت براعم عاطفة الحس
وبدت الأنجم عقداً من الفيروز
متناثراً على السفوح....
يفرد الليل جناحيه
ويطير في فضاء السكون
تبدأ الأرض بالنشيد...

كل شيء يذوي في الحكمة الأبدية
يتحول العالم سريعا
إلى وردة من الضياء لا يدركها الخيال
وقلب صاف من قطع البلور
تنبض فيه قصائد الحب. منير مزيد ـ بوخارست