نشر الغسيل السياسي في العراق!

بقلم: مهند حبيب السماوي

أراني بت مقتنعاً أشد الاقتناع أن العراق اليوم يمر بحالة من الفوضى على الصعيد المؤسساتي تُرخي بظلالها على المشهد السياسي بمجمله على الرغم من التحسن الأمني النسبي الهش الذي تشهده العاصمة بغداد وبعض المحافظات الأخرى بفعل عدة عوامل إجتمعت وتكاتفت وأدت الى هذا النجاح والتحسن الأمني الذي نأمل أن يستمر ويتواصل ويتطور من افضل الى الأفضل لا أن يتقهقر ويرتد على نحو مؤسف كما حدث يوم الجمعة الدامي السابق في سوق الغزل حيث سقط فيه عشرات الشهداء والجرحي في تفجير إرهابي بربري قل نظيره في التاريخ المعاصر للانسان والحيوان على حد سواء .
وتتجسد هذه الفوضى في أحدى أهم مظاهرها وتجلياتها في التصريحات الغريبة المثيرة لألف علامة استفهام والتي تنطلق من بعض المسؤولين في الحكومة العراقية أثر اقالتهم من مناصبهم ومراكزهم التي تسنموها في الحكومة، حيث ما أن يصدر أمر باقالة هذا الموظف من منصبه حتى تبدأ صحوة الضمير لديه فتنطلق التصريحات منه حول دائرته والفساد الذي ينخر جسدها وكيف كان هذا الموظف المُقال من منصبه يعمل جاهداً ليلاً ونهاراً من أجل كشف هذا الفساد وتعرية أسبابه وفضح المسؤولين عنه أمام الرأي العام العراقي من اجل خدمة العراق ووطنه الجريح !
وأشعر بصورة مؤكدة أن ذهن القارئ الآن يستذكر الكثير من هؤلاء الذين أطلقوا مثل هذه التصريحات بعد خروجهم من منصبهم، ولعل أخر صيحات وموضات التصريحات الرنانة في هذا الشأن قد تمثلت فيما قاله موسى فرج الذي تسنم منصب رئيس مفوضية النزاهة بعد هروب رئيس المفوضية العليا للنزاهة السابق القاضي راضي الراضي الى امريكا أثر خلافات ومشكلات مع السلطة لا نرى متسعاً للحديث عنها الآن، كما تمثل قضية نقل جعفر الموسوي المدعي العام في المحكمة الجنائية الكبرى الى السليمانية احدى هذه القضايا المثيرة للاستغراب والحزن والتساؤل في نفس الآن .
حيث نلاحظ ان موسى فرج كان قد ظهر في لقاء على العراقية وهي قناة الحكومة الرسمية وهو يتحدث عن منصبه وماذا سيعمل ووو..... بل ان المقدم توقع أخيراً ان يتسنم المنصب رسميا خلال اسبوع، ولكن قد تفاجأنا باقالته من منصبه وتعيين شخص أخر بدلاً عنه ...ثم ظهر في الفضائيات وبدأ يهاجم الفساد ويتحدث بكلام لم يقله في لقائه مع قناة العراقية وهذا ما آلمني ودعاني الى كتابة هذا المقال حيث بدأ بمهاجمة الفاسدين والمفسدين ولوح بالكثير من الأشياء ممن لم يصرح به كما أشرت في لقاءه مع قناة العراقية !
أما جعفر الموسوي فقد صرح بالعجب العجاب بعد أن صدر امر اقالته او نقله للسليمانية. فعندما كان في منصبه لم يكن يمتلك الجرأة أن يتكلم او ينقد الطرف الأخر المسؤول الا انه وبعد اقالته نراه يهدد بكشف الفساد الاداري والمالي في المحكمة الجنائية، بل الأدهى من ذلك انه لوح بكشف الفساد الأخلاقي في المحكمة وهذا أمر مثير للعديد من الأسئلة كما أشرت، أذ اننا يمكن أن نفهم الفساد المالي والإداري بسبب وجود ضعاف النفوس والمفسدين والحرامية! اما وجود فساد اخلاقي فهذا ما يدعو للعجب العجاب !
وفي الواقع أنا شخصياً لم ارغب بمناقشة ما قالوه قبل وبعد الإستقالة. فلو فتحت هذا الباب لما استطعت غلقه بسهولة وربما ساحتاج الى بحث طويل لنماذج كثيرة أطلقت تصريحات بعد خروجها من منصبها، كما أني لا ارغب في إدانة أحد من الأطراف سواء كانت الجهة التي أقالت المسؤول او الموظف الذي فضح الفساد في مؤسسته بعد خروجه منها، بل رغبت في توضيح قضية محاولة نشر غسيل موظف ما لدائرته الحكومية - وهو غسيل قذر وقذر جداً - بعد خروجه من المنصب، بينما كان ساكتاً و(مغلس كما يقول العراقيون) حينما كان فيها، والأولى به ان يقوم بذلك اثناء بقائه في المنصب لا ان يقول ذلك بعد خروجه منها الا اذا كان فضحه لهذه الأمور قد سبب له الفصل والإقالة فحينها سوف نحترم تصريحه ونُدين الآخرين الفاسدين في دائرته بل وحتى الحكومة ان قبلت بذلك وتسترت عليه .
فعلى المسؤول العراقي - وكل موظف في الدولة هو مسؤول مهما كانت درجته الوظيفية - ان يُساءل نفسه وينقدها مرات عديدة قبل أن يفكر بادانة الآخرين ومحاسبتهم، وعليه أن تكون مبادئه وتصريحاته حينما يخرج من منصبه منسجمة مع ما كان يقوله حينما كان متربعاً على عرش المنصب بين كرسيه ومكتبه الذي صرف عليه الملايين والراتب الضخم والحرس الذي يسير أمامه وخلفه في شوارع بغداد ويُطلق النار في الهواء من اجل الحفاظ على حياته الغالية المقدسة التي هي من طينة اخرى تختلف عن طينة المواطن العراقي المسكين !
ثم على المسؤول المُقال من منصبه أن لا يكون بوجهين وأن لا يتعامل بازدواجية مع قضيته، وعليه ان يُصرح بهذه الأمور وهو في وظيفته حتى حينها اذا أقيل من منصبه فسوف نصدّق أنه كان صالحاً ويسعى لخدمة بلده لانه اذا كان "دينك هو ما يمكن ان تقوم به بعد ان تنتهي الموعظة في الكنيسة" كما يقول جاكسن براون، فإن إخلاصك وصدقك يجب ان يكون ايها المسؤول والموظف الحكومي هو ما تصرح به وانت في داخل وظيفتك مواجها ذاتك ومواطنيك المساكين الذين ينتظرون منك العمل والصدق والإخلاص لهم، لانك - برأيي - عندما تدين الآخرين في مؤسستك الحكومية بعد ان تخرج منها فأنك تدين ذاتك وسلوكك سواء شعرت ام لم تشعر بذلك ! مهند حبيب السماوي Mohanad.habeeb@yahoo.com