نسخة جزائرية من "أيّام إسبانية بين كتالونيا والأندلس"

الشعر في صفائه النادر ومحنته وحرقة صوره ومعانيه، هو ما قاد الشاعر والإعلامي نور الدين بالطّيب لأن يقد خلاصة تجربة عميقة ومميّزة في الكشف والاكتشاف.


لا يحتاج الزائر العربي إلى تحليل ليفهم العنصرية بل أحيانا الفاشية التي تكنّها قطاعات واسعة من المجتمع الإسباني للعرب


فسحة مع الكتابة بكثير من شجن الكينونة وأدبية الرغبة، تلك الرغبة المتصلة بالكشف والاكتشاف

الرحلة عنوان لافت من عناوين الإنسان منذ إقامته على هذه الأوض. ألم يدوّن رحالة ومؤرّخو العالم القديم أخبار ومعلومات عوالمهم وأحوالهم. كما أنّ البحر كان الشاهد على رحلة العرب إلى الآفاق، للتجارة وللامتلاء بشيء من المغامرة في هذه الجغرافيا الكونية. هل نذكر رحلة سلام ترجمان في القرن الثالث للهجرة إلى بلاد الصين، أم رحلة قدامة بن جعفر في القرن الرابع للهجرة، أم البيروني الذي رافق السلطان في القرن الخامس للهجرة في فتوحاته بالهند ليستقر بها نحو 40 سنة، أم الإدريسي ورحلاته إلى الأندلس والمغرب ومصر والشام ليتحفنا بـ «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق». 
وتتتالى القرون ليبرز الرحالة عبداللطيف البغدادي وابن بطوطة صاحب أكثر من ربع قرن في دروب الرحلة التي اختزلها في «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار». وابن خلدون وغيرهم لنقرأ فيما بعد عناوين ظلّت منارات تضيء شيئا من تواريخ الناس الذين ذهبوا تاركين لنا «رحلة ابن فضلان» و«سلسلة التواريخ» للتاجر سليمان ومروج الذهب للمسعودي وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي و«تحفة الألباب ونخبة الإعجاب» لأبي حامد الأندلسي وتذكرة بالأخبار عن ايفاقات الأسفار لابن جبير و«التعريف بابن خلدون» و«رحتله شرقا وغربا» لابن خلدون  وصولا إلى الطهطاوي وكتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز". وهكذا إنّ المعرفة والإطلاع والتواصل مثّلت دوافع بارزة لمختلف الرحلات التي تنقل خلالها وعنها تفاصيل الحياة ودقائقها وفي ضروبها المختلفة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
من هنا كانت فسحتي مع هذا التأليف الذي نحن بصدده (وصدرت مؤخرا النسخة الجزائرية عن دار ضمة للنشر والتوزيع). توغّلت فيه وأنا أتذكّر «الحلل السندسيّة في الرحلة الأندلسية» للأمير شكيب أرسلان. ترى ما الذي جعل هذا الفتى الأسمر القادم من بوابة الصحراء، دوز يمضي مع المغامرة، وقد ألفناه الشاعر الذي يبثّ القصائد حينية وأشواقه في زمن تبدّل فيه الناس، وتداعت فيه القيم من صدق ومحبّة وحميمية. ما الذي أخذه إلى هذه الفسحة الجميلة مع الوجدان غوصا في دهشة الأمكنة والتواريخ والأحداث في بقعة شهدت أمجاد العرب وانتكاساتهم أيضا؛ غرناطة الأندلس، والآن إسبانيا.

سرد يعيد قراءة الأشياء، الأمكنة، التواريخ، الذاكرة والقصائد في بعدها الجمالي الساحر وهي تبث عطورها في الأرجاء ومنها القصيدة التي كان يردّدها لوركا التي سبقت موته 

إنّه الشعر في صفائه النادر ومحنته وحرقة صوره ومعانيه. نعم هذا ما قاد الشاعر والإعلامي نورالدين بالطّيب لإهدائنا خلاصة تجربة عميقة ومميّزة في الكشف والاكتشاف، عندما ناولني كتابه الأخير «أيام إسبانية» بين كتالونيا والأندلس، ونحن بصدد حديث عام عن الثقافة والمشهد الشعري وما جاورهما. 
أحسست بأنّ الرجل مأزوم بالسؤال بل بالأسئلة. أسئلة الحياة في تجاويفها ومنعطفاتها منذ قدم الناس إلى يومهم هذا. شعور حاد فيه البهجة الممزوجة بالانكسار في شجن نادر. أنهيت جولتي في هذا الكتاب وانتهيت إلى ما انتهى إليه المؤلّف الذي تعاطى مع الكتاب بحنين وألم وانتشاء حيث كانت الفقرة الأخيرة موجعة إذ يقول فيها: «عندما غادرت مطار غرناطة كنت أسأل نفسي: من صنع التطوّر العلمي والفني والثقافي والفكري في الأندلس؟ هل فعلا هم العرب أم شعب آخر يشاركنا نفس الاسم؟ لا أعرف، وربّما ليس مهمّا أن نعرف فالعرب الذين صنعوا ذلك المجد كانوا شعبا آخر لا صلة لنا به!»
نعم.. إنّها العبارة في عنفوان حيرتها وبراءتها وخساراتها ولكن.. إنها أحزان الشاعر صاحب «القصائد الموحشة» و«أمطار الصيف» و«أنت أيتها العزلة» و«القصائد» و«كعشبة في الرّمال» و«دوز ذاكرتي» وغيرها من الأعمال المتصلة بالمسرح والسّيرة والسيناريو...هي دوز ذاكرة الشاعر الذي وهبنا عطور فسحاته في إسبانيا بين كتالونيا والأندلس.. كيف نسمّي هذا الكتاب.. شعرا.. أم أدب رحلة أم رواية أم سيناريو اجتمعت فيه لغة القص وعجائب التواريخ وشواهد المدن التي اندثر أهلها، أم بورتريهات بحروف الحب مع شيء من أحزان الشاعر الشاهد على أيامه وأحوال العرب، وهو يتجوّل في الأمكنة لتأخذه ببهائها النادر وتأسره بسحرها العائد إلى أنامل وسواعد وأفكار العرب المسلمين الذين عمّروا بها طويلا.
ثمّة حبكة في هذا السّرد الذي ألّف فيه الكاتب نورالدين بالطّيب بين تفاصيل الرحلة والفلاش باك تجاه تواريخ يعرفها الناس، وهي معلومة للتلاميذ والطلاب ورجال الأدب والسياسة ولكنّها في هذه الحكاية التي عنوانها «أيّام إسبانية» صارت تمتلك لونا آخر من المتعة والبهاء والتشويق. إنّ تعدّد زيارات الشاعر لإسبانيا جعلت الرحلة متعدّدة النّظر تجاه العناصر والتفاصيل بل إنها صارت متجدّدة باختلاف الأزمنة ليبرز معها تطلّع الشاعر إلى دقائق أخرى وتفاصيل من شأنها أن تثري هذا العمل الإبداعي وتغيّر من مجاريه في السرد واللغة والصور. 
يقول المؤلف في الصفحة 13: «زرت إسبانيا مرارا، وعرفت مدنا كثيرة فيها لكنّني مع كلّ زيارة اكتشف شيئا جديدا في إسبانيا التي مازالت إلى الآن وبعد خمسة قرون من طرد العرب منها تعاني عقدة التفوّق العربي ولا يحتاج الزائر العربي إلى تحليل ليفهم العنصرية بل أحيانا الفاشية التي تكنّها قطاعات واسعة من المجتمع الإسباني للعرب، وإذا استثنينا مقاطعة كتالونيا التي تتميّز بانفتاح كبير على كلّ الثقافات ويحظى فيها العرب بتقدير كبير رغم أنهم لم يقيموا فيها أكثر من سبعين عاما لإعداد معركة بواتيه، فإنّ أغلب المقاطعات الأخرى تواجه الحضور العربي المتمثل في المهاجرين بكثير من العنصرية...».
في إسبانيا التقى الشاعر عددا من المبدعين والمثقفين والمسؤولين وتماهى مع علاماتها وأعلامها ومعالمها وأخذته أمكنتها الثقافية والمتاحف وتفاصيل الحياة اليومية والأصدقاء. وكل شيء ولكنّه في النهاية لم ينس دوز التي ظلت حاضرة في هذا الكتاب المدوّن للرحلة الإسبانية باعتبارها مهمة الشاعر ودافعه الأوّل للاكتشاف والتواصل مع الآخرين وإبداء المحبّة الباذخة والصّفاء النادر. يقول في الصفحة 21: «في كلّ مرّة تقودني ظروف العمل أو السياحة إلى إسبانيا أتذكّر تلك الأيّام البعيدة في واحتي الجميلة والبعيدة دوز، عندما بدأت أحلم بالسفر إلى أماكن غامضة. كنت أسافر عبر أجنحة النجوم التي ترصّع سمائي إلى أن يأخذني النّوم...». بهذا الشوق والحلم والبراءة، نفذ الشاعر إلى إسبانيا وكأنه يقطف ثمار حلم قديم. كان طفلا يحرس النجوم ويحلم. وكان شابا أخذه الشعر إلى جنان اللغة وظلالها فصار عاشقا للوركا والبياتي ولرفائيل ألبرتي وتوغّل في الألوان ليهب شيئا من المحبّة ألوان خوان ميرو وبيكاسو وسلفادور دالي.
إنّه الشاعر الذي قاده حلم طفولته إلى الاكتشاف لتظل دوز البوصلة والملاذ في عالم نسي تاريخه وبهاء لحظاته وأمكنته النادر. وهنا يقف الشاعر شاهدا على الأحداث وحاملا للأسماء والأرقام والتواريخ. ديدنه تحديث الناس بالعراقة والأمجاد والقراءة المتفطّنة التي تقول بجوهر الشعر وهو يعانق تقاطع المضارات والتقائها في لون من التجاور والتحاور والتداول. والذاكرة عنوان آخر من العنارين الجميلة في هذا السرد المشوّق يقول المؤلّف في الصفحة 22: «كان المطر يغسل شبابيك المقهى الصغير وكانت ذاكرتي سابحة في بحر من النور والبهجة، ها أنّني مرّة أخرى وحيد في برشلونة. عرفت مدنا في الشرق والغرب وسافرت كثيرا لكنّني لم أعرف مدينة في فتنتها ولا دفئها. هذه المدينة الساحرة المتاحف والموسيقى والحمام. مدينة صاغ معمارها غاودي الذي أقام له الكتالونيون في كل شارع متحفا وذكرى..».
ذكر الشاعر نورالدين بالطيّب متحف الفن الحديث Pedrera وحيّزا من المعمار الإسباني الذي أسّسه وصمّمه غاودي، ومن أعماله الشهيرة حديقة بارك غويل Parc Guell وكنيسة ساغرادا فاميليا Gara du Familia وكازاميه Casa miaa وهي إحدى تحف هذا العالم «حيث انطلقت أشغالها سنة 1882 ولم تنته إلى الآن وهي مزار لآلاف  السياح كل يوم يقفون في الطوابير لاكتشاف هذه التحفة المعمارية النادرة».
لقد سعى الشاعر نورالدين بالطيّب في هذا الكتاب إلى أن تكون صياغة النص أدبيّة، ونلمس ذلك في جوانب من سردية هذا العمل حيث تقرأ في الصفحة 25: «بعد توقف قصير في شارع الرميلة كان عليّ أن أواصل رحلتي في المدينة الساحرة.  

trips ethics
الطبعة الجزائزية

إلى أين؟ سألتني الصديقة الشاعرة الكتالونية كنصول فيدال: إلى متحف بيكاسو... قلت. سرنا تحت سماء فبراير أذكر ذلك في زيارتي الأولى إلى جيرونة، بابلورويس الشهري باسم بيكاسو أعظم عبقريات القرن العشرين في الفن التشكيلي قال عن نفسه: "كنت في طفولتي أرسم مثل كبار الرسامين وانتهيت في شيخوختي بأن أرسم مثل الأطفال".. وهو القائل أيضا: «أنا لا أبحث لكنّني أجد...».
 تذكرت افتتاني بهذه الجملة البديعة الإيقاع وأنا أتجوّل في المتحف الذي يحمل اسمه في المدينة العتيقة ببرشلونة في القصر الذي ذكّرني مدخله بصبّاط مدينة تونس العتيقة. انحناءات الأزقة والنوافذ الصغيرة. بيكاسو الذي انتحرت زوجته ماري تريز بعد وفاته شنقا في مستودع بيتها لأنّها لا تتحمل الوحدة بعده. له أكثر من حكاية مع الرسم والنساء والعبقرية.
جانب آخر من الحكاية ينطلق من الطوابير المنتظرة للدخول إلى متحف غاودي حيث يكتشف المؤلف عوالم أخرى تصحبه ذاكرة قوية فيها حكاية المعتمد ابن عباد وعشقه لاعتماد التي بنى لها قصرا رائعا سماه باسمها. وبين كتالونيا وجيرونا وبرشلونة لقاءات مع أصدقاء ولقاء مع الشاعر في رحاب جمعية فانفي حول كتاب «دوز ذاكرتي حيث يقول بالطيب: «وأذكر يومها أنني قرأت نصّا باللغة العربية ترجمه صديقي عبدالحميد القماطي إلى الفرنسية ومنها ترجمة الصديق لويس من جيرونة إلى الكتالونية...». 
يقول أيضا في الصفحة 50: «أتجوّل في أزقّة جيرونة الصغيرة في الصباحات، أستمتع بمشهد أواني الزّهر في الشرفات هذه الخصوصية الإسبانية التي حملها العرب معهم من بغداد من الجنائن المعلقة، أدخل حانة صغيرة في شارع رميلة الطويل في التلفزة صور لمجازر غزّة. في الكتاب تاريخ العرب في الأندلس وصولات طارق بن زياد وموسى ابن نصيّر وصولا إلى قولة عائشة المعروفة لابنها أبي عبدالله "أجل فلتبك كالنساء ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال" عند سقوط غرناطة. ويستعيد نورالدين بالطيب هذا التاريخ متسائلا وناقدا ومتحسّرا ومتفائلا. إنها قراءة أخرى لحيّز من تاريخ إسبانيا العربي وذلك ضمن جولة بين ثنايا منجز حضاري عربي إسلامي منه بالخصوص قصر الحمراء بجبل الريحان. متعة يقترحها هذا الكتاب الذي يمكن أن يكون مفيدا في الأوساط المدرسية ليتعرف التلاميذ على جانب من التاريخ بشكل أدبي فيه التشويق وأحيانا بتقنية الترافلينق السينمائية.
"أيّام إسبانية" فسحة أخرى مع الكتابة في تخوم الرحلة بكثير من شجن الكينونة وأدبية الرغبة، تلك الرغبة المتصلة بالكشف والاكتشاف.
سرد يعيد قراءة الأشياء، الأمكنة، التواريخ، الذاكرة والقصائد في بعدها الجمالي الساحر وهي تبث عطورها في الأرجاء ومنها القصيدة التي كان يردّدها لوركا التي سبقت موته بالحديث عنه بالصفحة 136:
في البستان
سألقى الموت
سأكون قتيلا
قرب شجيرات الورد
كنت ماضيا، أماّه
لأجني الورود
 وفي البستان
لقيت الموت.