نزاع قبلي في ليبيا يشرّد الآف العائلات

خراب 400 منزل

مزدة (ليبيا) ـ لا تزال العلاقات بين المجموعات العرقية في جبال نفوسة، التي تقع في شمال غرب ليبيا، متوترة بعد عدة أسابيع من اندلاع اشتباكات جديدة في مدينة مزدة.

وكانت نحو 1.500 أسرة قد فرت من منازلها في شهر مارس/اذار عندما اندلعت اشتباكات بين المقاتلين المدججين بالسلاح من قبيلتي قنطرار والمشاشية في أوائل مارس/اذار، وقد استمرت المعارك لمدة خمسة أيام مما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص، حسبما ذكر رئيس المجلس المحلي للمدينة عبد الحكيم بدران.

وتقوم المنظمات الإنسانية بتقديم الطعام والإمدادات الطبية ومجموعات اللوازم غير الغذائية، بما في ذلك البطانيات ومعدات الطبخ، للنازحين الذين لا يزال بعضهم موجوداً في مزدة.

وقال محمد حسين المقيم في مزدة "لم يكن لدينا ماء أو كهرباء لمدة أسبوعين. تعمدت قبيلة المشاشية إطلاق الرصاص على أنابيب المياه لاستفزازنا وإرغامنا على الرحيل".

وينتمي حسين إلى قبيلة قنطرار، وهي إحدى القبلتين الكبيرتين اللتين تعيشان معاً في هذه المدينة منذ حوالي قرن من الزمان.

وقد سيطرت القوة الوطنية المتحركة، وهي إحدى وحدات الجيش الليبي، على المدينة التي تقع على بعد 180 كيلومتراً جنوب طرابلس، لوضع حد للقتال، لكن السكان قالوا أنهم يشعرون بأن الوضع غير مستقر وأن حوالي نصف السكان قد فروا بالفعل.

مدينة مقسمة

وأصبح وسط المدينة يمثل جبهة للصراع العرقي، الذي أدى إلى نهب وحرق نحو 400 منزل من الجانبين، وفقاً لبدران.

وكانت المدينة مقسمة بالفعل قبل الاشتباكات التي وقعت في مارس/اذار، حيث كان أفراد قبيلة قنطرار يعيشون في الجنوب والغرب، وكانت قبيلة المشاشية تعيش في الأحياء الشرقية والشمالية.

وقال حسين وهو ينظر إلى حطام منزله، الذي يقع بالضبط على خط الحدود الذي يفصل بين أحياء قنطرار والمشاشية "والدي وإخواني وأخواتي يقيمون الآن في منزل أقاربنا في مدينة جنزور في طرابلس".

وتجدر الإشارة إلى أن الطابق الثاني من منزله أصيب بقذائف الهاون خلال جولة سابقة من القتال بين المجموعتين العرقيتين في يونيو/حزيران 2012؛ بينما تم تدمير الطابق الأرضي بالكامل أثناء معارك الشهر الماضي.

وأضاف قائلاً "اليوم، جئت واثنان من إخواني إلى هنا لحراسة المنزل ومنع نهبه".

ويقع مستشفى المدينة العام في منطقة تابعة للمشاشية، مما يجعل من الصعب على أفراد قبيلة قنطرار الوصول إليه. كما أن المبنى يفتقر في الكثير من الأحيان إلى المياه وقد لاذ العديد من الأطباء بالفرار.

وأشارت عائشة إبراهيم، إحدى سكان المدينة من قبيلة المشاشية "قبل الثورة، كانت كلتا القبيلتين تستطيعان تلقي المساعدة في المستشفيات العامة، لكن لا يستطيع أفراد قبيلة قنطرار".

ولا يستطيع المستشفى أن يضمن تقديم العلاج، على الرغم من تلقيه بعض الإمدادات الطبية من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقد تم نقل الجرحى إلى مستشفيات أكبر حجماً في أماكن أخرى في المنطقة، وفقاً لتصريحات محمد السويعي، رئيس الهيئة الليبية للإغــــاثة والمساعدات الإنسانية.

كما تضرر التعليم أيضاً، وقالت عائشة، التي فرت من منزلها في يونيو/حزيران 2012 "في الكثير من الأحيان يتم إيقاف العمل بالمدارس نظراً لخطورة التنقل داخل المدينة".

وفي حين توجد مدارس ابتدائية في أحياء كل من القبيلتين، تم إغلاق المدارس الثانوية منذ يونيو/حزيران الماضي، ولم يعد بمقدور ابنة عائشة الكبرى الذهاب إلى المدرسة. كما أن زوجها غير قادر على الوصول إلى مكتبه في جزء من المدينة تسيطر عليه قبيلة قنطرار.

تقديم المساعدات

وعلى الرغم من قيام اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئة الليبية للإغــــاثة والمساعدات الإنسانية وفيلق الرحمة والهلال الأحمر الليبي والمفوضية السامية للأمم المتحدة للاجئين بتقديم مئات الحصص الغذائية والبطانيات وغيرها من مواد الإغاثة في مزدة والقرى المجاورة، فإن العديد من النازحين قالوا أنهم لم يتلقوا أي مساعدات باستثناء تلك التي توفرها المجتمعات المضيفة.

وقالت نصرة مصباح "وزع الصليب الأحمر المساعدات الإنسانية فقط أثناء القتال"، وتنتمي نصرة إلى قبيلة المشاشية وتعيش في مدينة الشقيقة القريبة منذ أن دمرت ميليشيات قنطرار منزلها في مزدة في شهر يونيو/حزيران.

وتعيش نصرة في مأوى مؤقت مع زوجها وطفلها البالغ من العمر 16 شهراً. كما تقول أنها حامل ولا تملك المال اللازم لشراء الدواء الذي تحتاج إليه.

وقالت أسماء عوان خالق من اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن "توزيع المساعدات عملية حساسة. فليس من السهل الوصول إلى جميع المحتاجين. نحن نحاول أن نولي اهتماماً للأشخاص الذين لديهم احتياجات خاصة، مثل الأرامل ومقعدي الحرب، الذين لا يستطيعون الحصول على المساعدات بأنفسهم".

لكن العديد من النازحين قالوا أنهم يشعرون بتخلي الجميع عنهم.

وفي 14 يونيوم حزيران 2012، غادر رمضان مزدة مع عائلته ووالديه وأسرة شقيقته بعد تدمير منازلهم. "قضينا ليلة في الصحراء جنوب مزدة. ذهبنا هناك لأننا لم نجد مكاناً آخر نذهب إليه".

ويعيش رمضان الآن مع عائلته في مجمع سكني في ضواحي طرابلس، في حي الجبس. يتكون المجمع السكني من 10 شقق، تسكنها عائلات من قبيلة قنطرار.

ويقول رمضان "حتى الآن، لم نتلق سوى مساعدات غذائية من بعض الأشخاص ذوي القلوب الرحيمة، وبالطبع لا أسميها مساعدات إنسانية".

وقالت الهيئة الليبية للإغــــاثة والمساعدات الإنسانية أنه من الصعب الوصول إلى جميع النازحين لأنهم لا يتمركزون في منطقة واحدة.

ضرورة المصالحة

ويعود التوتر بين القبيلتين إلى ما هو أبعد من الحرب الأهلية الأخيرة. ويقول قادة قنطرار أن وجودهم في الجبال يسبق وصول المشاشية بفترة طويلة، ويتهم بعض قادة قنطرار قبيلة المشاشية باحتلال أراضيهم بصورة غير قانونية.

وقال حسين أن " القذافي أعطى الأرض للمشاشية، المعروفون تاريخياً في ليبيا بأنهم أنصاره".

ووفقاً لأفراد قبيلة قنطرار، استقرت قبيلة المشاشية في المنطقة بفضل سلطات الاستعمار الإيطالي، وعززت وضعها خلال حكم القذافي الذي استمر 42 عاماً، كجزء من محاولة لتقويض نفوذ قنطرار.

من جانبهم، يقول قادة مجتمع المشاشية أن قبيلة قنطرار تتهمهم ظلماً بأنهم أنصار القذافي، وأن قنطرار استولت على أراضيهم ظلماً وعدواناً.

وقالت منى، إحدى أفراد قبيلة المشاشية "كنا نحارب معهم خلال الثورة، لكنهم يريدون التخلص منا الآن". وتعيش منى مع بعض أقاربها منذ تدمير منزلها خلال اشتباكات يونيو 2012.

ويسعى خمسة شيوخ من لجنة المصالحة الوطنية، تم تعينهم من مدينة طبرق التي ينظر إليها على أنها محايدة، إلى تهدئة التوتر في جبال نفوسة منذ شهر يوليو الماضي.

وقال عضو اللجنة حسين الحبوني "لقد أخرنا مشاركتنا في أزمة مزدة، ولكننا قدمنا سلسلة من المقترحات منذ اندلاع الاشتباكات التي وقعت مؤخراً".

وفي أعقاب أحداث العنف التي وقعت الشهر الماضي، قامت لجنة المصالحة الوطنية بتكوين لجنة تحكيم مكونة من خمسة قضاة متقاعدين ومنحتهم سلطة المساعدة في حل المشاكل القانونية المتعلقة بالمنازعات على المساكن والأراضي والممتلكات، التي ينظر إليها على نطاق واسع على أنها الأسباب الكامنة وراء التوتر العرقي.

وينبغي الإشارة إلى أن حقوق الملكية معقدة في ليبيا بسبب سياسات إعادة التوطين والتأميم وإعادة توزيع الأراضي منذ عصور الاستعمار وحكم القذافي، وأيضاً لأن القذافي أشرف على تدمير سجلات الممتلكات العامة في عام 1986.

ويقول الحبوني أنهم سيحاولون حل النزاعات ودياً "ولن يتم طرد أي شخص بالقوة. الخيار الأول هو تعويض المالك الشرعي والسماح للأسر بالعيش في نفس مكان إقامتهم خلال العقود الأخيرة".

لكنه قال أن أسباب أعمال العنف الأخيرة تتجاوز مجرد الحفاظ على حقوق الملكية "لو كانت الأزمة في مزدة مرتبطة فقط بقضية الممتلكات، لأصبح من السهل جداً حلها، لكن هناك عوامل أخرى" .

وأضاف أن القوات الموالية للقذافي لا تزال نشطة في مجتمع المشاشية، وأن لجنة المصالحة قد أبلغت وزارة الدفاع بأسماء المقاتلين المزعومين.(ايرين)