ندوة في البرلمان البريطاني عن الارهاب واسبابه

لندن
وزير خارجية الظل مايكل انكرام، والسفير الدكتور مظفر الامين

نظم النادي البريطاني ندوة في مجلس العموم البريطاني بعنوان "كيف تستجيب الديموقراطية لتحديات الارهاب الدولي" دعي اليها عدد من اعضاء البرلمان البريطاني وسفراء عدد من الدول العربية ومندوبون عن سفارتي روسيا والصين في لندن بالاضافة الى رؤساء نخبة من كبريات المؤسسات البريطانية وعدد من الصحفيين.
وقال الدكتور برهان الجلبي، المنظم لهذا الأجتماع ورئيس سكرتارية الشرق الاوسط في النادي، ان الغرض من الندوة هو محاولة لارساء صيغة فهم مشتركة بين الدول الغربية والعربية للارهاب وتسليط الضوء على مسبباته، خصوصا ذلك المتعلق بدول الشرق الاوسط.
وقال الجلبي "ان الدول الغربية ارست افتراضات مطلقة عن الارهاب وبنت مواقفها على هذا الاساس دون الاخذ بالاعتبار الكثير من العوامل التي دفعت بما يمكن تسميته «ازمة الارهاب» الى الواجهة وفي هذا الوقت تحديدا."
واشار الى ان الدعوة التي وجهت الى نخبة من السياسيين والدبلوماسيين ورجال الاعمال والصحفيين للادلاء بآرائهم في هذا الموضوع الحساس تعكس الاهمية التي يوليها النادي الى العلاقات بين الدول العربية والغرب وحرصه على تعزيز الاواصر بما يخدم الجميع وبشكل متوازن وبناء.
وتحدث الادميرال ريتشارد كوبولد، مدير مركز روسي للدراسات الاستراتيجية والمستشار في وزارة الدفاع البريطانية، عن اعادة النظر في الخيارات الاستراتيجية للغرب وفقا لنوعية التهديدات الحديثة. وقال كوبولد ان احداث 11 ايلول/سبتمبر اعادت صياغة الاولويات بحيث صار من الضروري التحضير لمواجهة اسلحة الدمار الواضح (على حد تعبيره واصفا مهاجمة الطائرات المدنية لبرجي التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون في واشنطن) بدلا من التركيز الكامل على اسلحة الدمار الشامل.
واشار كوبولد الى ان الغرب يحتاج الى وقفة لبحث الارهاب ومسبباته. كما تساءل عن جدية الحاجة الاميركية لحلفاء في العصر الراهن واوضح ان المشاركة البريطانية في حرب افغانستان لم تكن بتلك القوة او التأثير.
وقال الادميرال كوبولد، الذي خدم لسنوات طويلة في قيادة البحرية البريطانية، ان الاجواء العدائية التي يحس بها الغرب في منطقة الشرق الاوسط تفرض عليه اعادة تقييم خياراته الاستراتيجية والعملياتية، وان الحملات العسكرية في المستقبل ستكون بحاجة للمزيد من الاسلحة بعيدة المدى ولحاملات الطائرات التي يمكن ان تغني عن القواعد والتسهيلات المتوفرة حاليا.
وتحدثت الليدي بولين نيفيل-جونز، محافظة هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) والرئيسة السابقة لادارة وزارة الخارجية البريطانية، عن الفوضى الحالية التي تسود العالم والتي تختلف اختلافا جوهريا عن نوعية التحديات ابان الحرب الباردة وما تلاها في عقد التسعينات، وكيف ان الغرب لا يمتلك الكثير من الخيارات لمواجهتها.
واشارت الليدي بولين الى ان الوضع الراهن يفرض حقيقة ان الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على فعل ما تشاء، وان الدور البريطاني مكمل ليس اكثر. وقالت "اننا نعلم ان ثمة مرحلة ثانية من الحرب الدائرة حاليا قادمة خلال وقت قصير. لكنها اشارت الى ان أي ضربة للعراق "يمكن ان تحطم التحالف القائم حاليا".
كما أشارت إلى أن على اوروبا التفكير بصيغة تحول قدراتها الحالية الى قدرات فاعلة على مستوى العالم لكي تتمكن من التأثير على السياسة الاميركية وتكون اكثر ديناميكية في التعامل مع شؤون ومشاكل العالم.
واثارت الليدي بولين مسألة الخلافات بين الولايات المتحدة والسعودية وان الغرب يجب ان يتخذ قرارا حول تلك العلاقة، مشبهة الوضع الحالي بذلك الذي ساد بين الغرب وايران قبل سقوط الشاه. واكدت ان مشاكل الرياض هي مشاكل اجتماعية اكثر منها سياسية وان الضغط الغربي يمكن ان يجعلها تنفجر في أي وقت.
وقال مايكل انكرام وزير خارجية حكومة الظل البريطانية ان العثور على تعريف ثابت للارهاب مهمة صعبة. وضرب مثلا عن طبيعة التغيرات التي حاقت بالعلاقة بين الحكومة البريطانية والتنظيمات السياسية للجيش الجمهوري الايرلندي خلال العقدين الماضيين. وقال ان جيري ادامز، رئيس التنظيم السياسي للجيش الجمهوري الايرلندي، تحول من مطارد باسم العدالة، الى مفاوض كان على الوزراء عدم الافصاح عن اجتماعاتهم به، ليصل اليوم الى عضوية البرلمان وان لديه غرفة في بناية مجلس العموم حيث تعقد الندوة الحالية.
وقال انكرام ان طبيعة المواجهة غير المتساوقة الجارية حاليا بين افراد يشنون هجمات ارهابية وبين دول كبرى هي اهداف للهجمات، غيرت مفهوم الارهاب من الجريمة الى الحرب. لكنه اكد بان احدا لا يستطيع الجزم بمنْ ندعوه ارهابيا ومنْ نسميه فدائيا وصاحب قضية.
واشار الى ان ثمة حاجة الى تعريف عالمي للارهاب يأخذ بالاعتبار طبيعته ومسبباته، وعرّف الارهاب بانه تخويف شعوب كاملة.
ورد السفير الدكتور مظفر الامين، رئيس قسم المصالح العراقية في لندن، على الليدي بولين ووزير خارجية الظل انكرام بان عالما متوازنا ومبنيا على اسس عادلة هو الضمان لعدم قيام الحروب.
وضرب الامين مثلا عن طبيعة الحرب التي يواجهها العراق بالوقت الحاضر والتي تشن عليه عسكريا واعلاميا. ففي الوقت الذي يتعرض فيه الى قصف يومي، ويعاني شعبه من حصار ليس له مثيل في التاريخ، ويموت اطفاله بسبب الامراض ونقص الادوية والاغذية، تصر اجهزة الاعلام الغربية وتصريحات المسؤولين الغربيين على تصوير العراق وكأنه خطر ماحق يتهدد مصالح الغرب. واضاف الدكتور مظفر الامين بان شعب العراق يعاني من ارهاب اميركي بسبب التهديدات المستمرة لشن حرب عليه وبسبب العدوان الاميركي البريطاني المستمر بما يسمى منطقة حظر الطيران.
وقال الامين بان على الغرب ان يقف ويعيد النظر بمواقفه من الدول العربية عموما وان يغير لهجته في التعامل معها. كما دعا المسؤولين البريطانيين الى فتح باب الحوار مع بغداد لحل المشاكل العالقة ان كانوا مخلصين في ايجاد حل لها.
اما السفير القطري، الاستاذ ناصر بن الخليفة حامد بن مبارك، فقال ان الغرب يرى الامور من وجهة نظره وحسب. فلا يمكن محاربة الارهاب دون ادراك مسبباته وآثاره.
وقال السفير القطري بان العرب يرفضون معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية ويكفي 400 سنة من الاضطهاد الاستعماري الغربي المباشر او غير المباشر لخلق ما يكفي من العداء بين العرب والغرب.
وقال السفير ناصر بن مبارك ان بريطانيا لا تستطيع التخلي عن مسؤوليتها لانها هي منْ تسبب بالمشكلة الفلسطينية. وذكر ايضا ان الحرب الدائرة حاليا، ورغم كل ما يقال عن ادوار روسية وصينية وغربية فيها، ما كانت لتنجح لولا مساعدة الدول العربية والاسلامية للولايات المتحدة.
وقال السفير اليمني، الدكتور مطهر عبدالله السعيدي، ان الدول العربية هي الضحية الاول للارهاب وان على هذه الدول ان تدافع عن نفسها. وطرح السعيدي عدة تساؤلات: اين الحل للارهاب على المدى البعيد وليس فقط من خلال الحرب الدائرة حاليا؟ كيف تكون المشاركة في حل المشاكل المسببة للارهاب؟ كيف تطبق الديمقراطية وباية معايير؟ وما هي اسس التدخل ضد الدول واية دول ارهابية؟
وقال براين ويتيكر محرر شؤون الشرق الاوسط في صحيفة الغارديان البريطانية انه من المستحيل التوصل الى تعريف ثابت للارهاب. وضرب مثلا حزب الله الذي تتهمه الولايات المتحدة بالارهاب وقال ان جميع الاحزاب اللبنانية، بما فيها تلك التي تعارض حزب الله ايديولوجيا، تلتف من حوله في مواجهة واشنطن.
وقال نايجل ايفانز، وزير الظل لمقاطعة ويلز، بان التحدي الحقيقي للارهاب هو من الافراد اكثر منه من دول، وانه من غير المجدي اطلاق الاتهامات ضد هذه الدول. واشار الى جانب مهم من المسألة يكمن في دراسة تأثيرات قوانين الارهاب على المجتمعات وتهديدها للحريات الشخصية.
وقال سيرجي فيدرياكوف، المستشار الاول في سفارة روسيا في لندن، بان الارهاب ليس جديدا على روسيا، ولا ان طبيعة الارهاب تغيرت. لكن الجديد هو ان الولايات المتحدة هوجمت وسلطت الانظار على المسألة تبعا لذلك. واشار ان الحلف الراهن ضد الارهاب قد لا يصمد طويلا وان الحاجة تبرز اكثر للتعامل مع مشكلة الارهاب بشكل منهجي، وانه لا يمكن القبول بمعايير مزدوجة تبعا للدول ومواقفها. كما قال ان حل المشاكل الحالية بين الدول يجب ان لا يتم تحت حجة محاربة الارهاب مثلما هو الحال في المواجهة بين الولايات المتحدة والعراق.
وقال بينغ بن، المستشار السياسي في سفارة الصين في لندن، ان الكلام عن تفاهم صيني – اميركي سابق لاوانه لان الاميركيين ليسوا جديين في العمل على ارساء قواعد ثابتة. كما اشار الى ان الحرب على الارهاب يجب ان تبدأ بمحاربة الفقر وان للامم المتحدة دورا مهما تلعبه في مواجهة الارهاب، وان المعايير المزدوجة غير مقبولة.
وقال رولاند شو رئيس شركة شو للنفط والغاز بان اعتبارات الطاقة وحاجة الغرب اليها تفرض تحديات مهمة لا يمكن ان تخرج عن سياق المواجهة السياسية.
وقال الدكتور برهان الجلبي في ختام الندوة بان اللقاء حقق خطوة هامة في فهم وجهات النظر المختلفة وان السياسيين البريطانيين مدعوون لزيارة منطقة الشرق الاوسط بشكل دوري ليلمسوا بشكل مباشر طبيعة الاحداث والمشاكل التي تواجهها المنطقة. كما ان مثل هذه الندوات تمهد لزيارات برلمانية يقوم بها اعضاء فاعلون في الاحزاب البريطانية لمناطق الازمات مثلما يجري الان الاعداد اليه لزيارة وفد برلماني بريطاني رفيع الى بغداد لكي يلمس، وبشكل مباشر، آثار وتداعيات الحصار على المجتمع العراقي.