ندوة: خيارات قبول الاتفاقية الأمنية أحلاها مُر

متى يستقل العراق عن أميركا؟

لندن - تحت عنوان "الإتفاقية الأمنية.. آفاقها وتداعياتها على مستقبل العراق" نظمت رابطة علماء الدين في بريطانيا الجمعة ندوة جماهيرية استضافت فيها الإعلاميين العراقيين الدكتور نضير الخزرجي وصلاح التكمه جي .
في البدء أعطى مدير الندوة الشيخ فاضل الخطيب صورة عامة عن عنوان الندوة السياسية وتطلع العراقيين في الداخل والخارج إلى معرفة نتائج الاتفاقية من سلبيات وايجابيات وآثارها على مستقبل العراق السياسي.

الخزرجي: 1930 مع بريطانيا = 2008 مع أميركا تناول الإعلامي والباحث العراقي، مدير "الرأي الآخر للدراسات" في لندن، الدكتور نضير الخزرجي في ورقته محاور عدة من الاتفاقية، اذ سلط الضوء في البداية على الفصل السابع من فصول ميثاق الأمم المتحدة السابعة والعشرين والمتضمنة لمائة وإحدى عشرة مادة، حيث يضم الفصل السابع، وليس البند السابع كما يشاع خطأ، على ثلاث عشرة مادة وهي المواد 39 إلى 51، وتخول المواد 39 و40 و41 مجلس الأمن الدولي استخدام القوة لتنفيذ قراراته وإلزام الدول المعنية العمل بها.
وعن العلاقة القائمة بين الفصل السابع وعقد الاتفاقية الأمنية بين العراق وأميركا رأى الخزرجي أن العراق وحتى يخرج من طائلة الفصل السابع، فهو بحاجة إلى أن تقدم القوات الأجنبية في العراق التي تقودها الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي تقريرا إيجابيا تعلن فيه جاهزية العراق للانسجام مع المجموعة الدولية دون الحاجة إلى إلزامه بالفصل السابع، أي أن تقدم واشنطن تقريرا تعلن فيه صراحة أن العراق لم يعد يشكل تهديدا عسكريا لدول الجوار، وفي حالة عدم توقيع الاتفاقية فانه من المستبعد جدا أن تقدم واشنطن على مثل هذه الخطوة، وبالتالي يظل العراق أسير الفصل السابع الذي يعوقه عن عمليات البناء والإعمار ويجعل عائداته النفطية نهبا للدائنين.
ورأى الخزرجي أن العراق اليوم يمر بما مر به عام 1930 عندما وقع اتفاقية مع بريطانيا أتاحت له وفقها الدخول في عصبة الأمم المتحدة عام 1932، فالعراق كان حينها واقعا تحت طائلة الانتداب البريطاني، وحتى يدخل عصبة الأمم المتحدة يشترط فيه الاستقلال التام أي الخروج من ربقة الانتداب، وحتى يخرج من أسر الانتداب كان عليه أن يوقع اتفاقية مع بريطانيا تنظم عمل وجودها في العراق.
ولما كان التفويض المقدم إلى القوات الأجنبية في العراق سينتهي بحلول 31/12/2008، فان أمام الحكومة العراقية خيارات عدة أحلاها مر:
أولا: أن تقوم الحكومة العراقية بعقد الاتفاقية قبل نهاية العام 2008 في عهد حكومة جورج بوش الجمهورية المنتهية ولايتها في آخر ساعة من يوم 19/1/2009م، والقبول بآخر ما توصل إليه المفاوضان، والظاهر أن الأمور تسير بهذا الإتجاه.
ثانيا: إذا فشل الطرفان في عقد الاتفاقية يتراجع مجلس النواب العراقي عن قراره السابق الذي قدمه في كانون الأول/ديسمبر 2007، الذي سمح بموجبه للقوات الأجنبية بالبقاء في العراق لمدة عام فقط، ويمدد لهذه القوات لعام آخر.
ثالثا: أن تستمر المفاوضات في ظل التفويض الجديد المقدم من مجلس النواب العراقي، مع رغبة لدى البعض بإشراك الأمم المتحدة كشريك ومراقب في الوقت نفسه.
رابعا: أن يمتنع مجلس النواب عن تقديم تفويض جديد، وحينئذ تقع عملية تنظيم وجود القوات الأجنبية وانسحابها في فراغ قانوني محلي ودولي، من حيث أن موافقة مجلس الأمن الدولي على وجود القوات الأجنبية في العراق مشروطة بموافقة الحكومة العراقية، والأخيرة بحاجة إلى تفويض مجلس النواب.
وفي هذه الحالة يكون أمام القوات الأجنبية خيار البقاء في العراق كقوات محتلة من غير غطاء دولي، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت، أو أن تنسحب على طريقتها الخاصة مما يربك العملية السياسية والأمنية في العراق، وهذا الوضع المتشابك يضع العراق على مفترق طرق ويفتح مستقبله السياسي على كل الاحتمالات المحمودة والسيئة ومنها العودة إلى المربع الأول قبل نيسان/أبريل 2003.
وتحدث الخزرجي عن حيثيات استبدال اسم الاتفاقية من "الاتفاقية الأمنية" إلى "اتفاقية سحب القوات الأميركية من العراق" واستحقاقاتها على المستويين العراقي والأميركي، كما أجرى مقارنة بين الاتفاقية المزمع توقيعها والاتفاقية الأمنية بين أميركا وكوريا الجنوبية، ورأى أن الاتفاقية الأخيرة لم تمنع من وقوع انقلابين عسكريين في كوريا الجنوبية خلال نصف قرن من الوجود العسكري الأميركي، ورأى أن هناك قناعة لدى جميع الأطراف المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الممثلة لكل مكونات الشعب العراقي، ومن ورائها المرجعية الدينية المساندة للعملية السياسية في العراق، بان الاتفاقية هي واحدة من استحقاقات التغيير الذي حصل في 9/4/2003، ولكن التفكير والجهد منصبان على الخروج من هذه الاتفاقية بأقل الخسائر الممكنة بما يحفظ استقلال وسيادة ووحدة العراق ويجعله متحررا من ثقل الوجود الأميركي والفصل السابع معاً.

التكمه جي: امتيازات لطرف قوي على حساب آخر ضعيف في الورقة الثانية، تطرق الكاتب والإعلامي مدير "المرصد العراقي" في لندن صلاح التكمه جي، إلى تفاصيل اتفاقية التعاون الثقافي والاقتصادي والسياسي، وأعطى نبذة مختصرة عن اتفاقية سحب القوات الأميركية من العراق وموقف دول الجوار من الاتفاقية الأمنية، مذكرا أن الاتفاقية هي وثيقة استندت على مذكرة إعلان النوايا بين بوش والمالكي في 26 \11\2007.
واتفق فيها الطرفان على إجراء مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية بين الحكومتين قبل انتهاء المدة القانونية لتواجد القوات الأجنبية في العراق الذي مدد تواجدها بطلب أخير من الحكومة العراقية لمجلس الأمن الدولي الذي منح غطاءا قانونياً لها لمدة سنة وذلك بموجب القرار رقم 1790، اذ تتناول الاتفاقية نوايا التعاون والصداقة بين الدولتين المستقلتين، وتحقيق السيادة الكاملة في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية.
ونوه التكمه جي إلى أن الاتفاقية تتكون من محورين: الأول ويتألف من 11 مادة ينظم العلاقة الطويلة الأمد في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية، مشيرا إلى أن هذا المحور لم يحدث جدلاً سياسياً وإعلاميا مثلما هو الأمر في المحور الثاني، وغالبية القوى السياسية العراقية رحبت بإقرار معظم مجالات التعاون لما فيه مصلحة العراق وتطويره ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وامنيا.
أما المحور الثاني المؤلف من 31 مادة، فيتعلق بالوجود المؤقت للقوات الأميركية في العراق وأنشطتها وانسحابها منه، وقد أثير الجدل الواسع حول الاتفاقية الأمنية (سوفا) وتم تبديل أربع مسودات حتى استقر الأمر على المسودة الأخيرة التي تم تغيير اسمها فيما بعد إلى "اتفاقية الوجود المؤقت للقوات الأميركية في العراق وأنشطتها وانسحابها منه".
وقد عرّفت المسودة الأخيرة الاتفاقية بأنها تنطلق من تعزيز أمنهما المشترك (العراق وأمريكا) والمساهمة في السلم والاستقرار الدوليين ومحاربة الإرهاب في العراق والتعاون في مجالات الأمن والدفاع ومن خلال كل ذلك ردع التهديدات الموجهة ضد سيادة وامن ووحدة أراضي العراق. وهذا التعاون يستند على مبادئ الأمم المتحدة واحترام سيادة العراق واستقلاله.
وعلق التكمه جي على المواد كلها، مؤكدا أن المواد المثيرة للجدل في اتفاقية سحب القوات هي المواد 12 الخاصة بالولاية القضائية للجندي الأميركي أثناء الواجب العسكري وخارجه، حيث ترفض بغداد أن تكون السلطات القضائية الأميركية هي المرجع الوحيد.
والمادة 19 الخاصة بالبريد الأميركي، حيث تطالب بغداد بإخضاع البريد للتفتيش والرقابة، منوها في الوقت نفسه أن المفاوض العراقي استطاع أن يحقق عددا غير قليل من النجاحات، منها المادة 9 المتعلقة بالمجال البري والجوي حيث ستعود السيطرة للحكومة العراقية حال تنفيذ الاتفاقية.
والمادة (21) الخاصة بالاحتجاز، اذ لا يجوز لقوات الولايات المتحدة توقيف أي شخص أو إلقاء القبض عليه (باستثناء التوقيف أو إلقاء القبض على عضو من القوة أو المكون المدني) إلا بموجب قرار عراقي يصدر وفقاً للقانون العراقي وعملاً بالمادة الرابعة، وفي حال قيام قوات الولايات المتحدة بتوقيف أشخاص أو إلقاء القبض عليهم يجب تسليمهم خلال 24 ساعة إلى الحكومة العراقية.
والمادة (22) المتعلقة بعقد اتفاقات ثنائية بين العراق ودول أخرى. والمادة (24) التي حددت مدة انسحاب القوات الأميركية، وألزمت واشنطن بها.
ومن النقاط الرئيسة في هذه الاتفاقية أن أسس العلاقة القانونية بين القوات الأميركية والحكومة المركزية تستند على وجوب احترام القوانين والأعراف والتقاليد والمواثيق العراقية عند القيام بعمليات عسكرية.
كما تتعهد القوات الأميركية بردع كافة التهديدات الداخلية والخارجية ضد جمهورية العراق ولتعزيز التعاون لدحر تنظيم القاعدة في العراق والمجموعات الأخرى الخارجة عن القانون، وتجري مهام العمليات بالتنسيق الكامل مع الحكومة العراقية وتنفذ جميع تلك العمليات مع الاحترام الكامل للدستور العراقي والقوانين العراقية والقوانين الدولية ويكون تنفيذ هذه العمليات متماشياً مع سيادة العراق ومصالحه الوطنية، ويتفق الطرفان على مواصلة جهودهما في تعزيز قدرات العراق الأمنية.
واختتم التكمه جي حديثه ببيان مواقف ومخاوف دول الجوار والمعارضين للاتفاقية بالنقاط التالية:
أولا: تمهد الاتفاقية لشرعنة الاحتلال الأميركي في العراق.
ثانيا: تجعل الاتفاقية العراق في المحور الاستراتيجي الأميركي وهذا ما يستلزم تحييد العراق في الصراع مع إسرائيل.
ثالثا: تعطي الاتفاقية نصرا للإدارة الأميركية بعد هزيمة مشروعها للشرق الأوسط الكبير.
رابعا: تقدم الاتفاقية امتيازات لطرف قوي (أميركا) مقابل طرف ضعيف (العراق) الذي يمر بمرحلة من نقص في السيادة وتحيطه قرارات دولية مجحفة لا تجعله في موقع ند وكفؤ مع الطرف الأميركي.
خامسا: تمهد الاتفاقية لسيطرة أميركية على الموارد النفطية العراقية.
بعد ذلك أجاب المتحدثان الخزرجي والتكمه جي على عدد غير قليل من الأسئلة التي عرضها الحاضرون حول تفاصيل وجزئيات مسودة الاتفاقية، ثم ختم الخطيب الندوة السياسية الجماهيرية التي عقدت في حسينية الرسول الأعظم، بالتأكيد على أن الحكومة العراقية وحتى تنجح في عقد اتفاقية متوازنة، عليها أن تشرك علماء القانون وأن تستمد قوتها من وحدة الشعب العراقي وأن تستفيد من إرشادات المرجعيات الدينية الحريصة على وحدة العراق واستقلاله وسياده ومكانته.