نداء شرارة وتحرير فلسطين

ذات الصوت الأجمل

منذ أن وصلت المتسابقة الأردنية في برنامج "ذا فويس" في موسمه الثالث إلى التصفيات النهائية وتوصيف "المحجبة" يرافق أخبارها، وحتى فوزها بلقب أحلى صوت اقترن بوصف الفائزة المحجبة، في حين لم نقرأ أي وصف للمظهر الخارجي لأي مشترك في هذا الموسم وفي المواسم السابقة، فقد تابعنا مشتركات ذوات شعر أشقر وأسود، طويل وقصير وناعم وخشن، يلبسن فساتين طويلة أو قصيرة، ومنهن يضعن قبعات على رؤوسهن، ورأينا مشتركين ذكورا يطيلون شعورهم ويرتدون طاقيات وقبعات، ولم نقرأ خبرا مفاده أن صاحب الشعر الطويل مثلا يشعل مسرح "ذا فويس" أو صاحبة القبعة تفوز باللقب أو ذات الرداء الأحمر تصل إلى النهائيات، أو.. الخ.

ومنذ أن اعتلت نداء شرارة مسرح "ذا فويس" وهي تقارع حلما رسمته بكل ثقة وطموح وإصرار مدرب على الصعود بكل قوة وإيمان بصوتها وموهبتها العالية، في ظل ميكانيزم مجتمعات لا تعمل لصالح المرأة إلا بالقدر الذي تزيح فيه كل مشروع إبداعي لها خارج الحياة.

هي تقارع حلما نصبته بين عينيها، والآخرون أعداء الفن والحياة يستمتعون في ممارسة الكراهية ونقد كل ما هو جميل في الحياة ويناقشون موضوع حجابها وإساءتها للمرأة المسلمة باشتراكها في برنامج غنائي وإعطاء صورة مسيئة للمرأة المحجبة، وكأنه لم يبق قضية في هذا العالم المحموم بالشر والتطرف إلا حجاب نداء شرارة ليتم طرحه في كل محفل وفي كل وسيلة تواصل، وكأنه مطلوب من نداء أن تحرر فلسطين وتحل مشاكل الدول العربية بدلا من اشتراكها في البرنامج، أو مطلوب منها أن تشرح وجهات النظر الخلافية حول الحجاب وحول الفن وحول الحياة.

والإعلام ساعد في تكريس هذه الفكرة إذ لم نقرأ خبرا واحدا لم يصف نداء شرارة بالمحجبة، وماذا يعني أن تكون محجبة، إنه قرارها أو قرار المجتمع أو العادات والتقاليد، لا فرق فهو في النهاية مظهر خارجي وقناعة داخلية لا علاقة له بصوتها الجميل ولا بفوزها ولا بتحديها لظروفها المادية حيث نشأت كما قرأنا في أخبارها في "عمان الشرقية".

لماذا لا نقول إن نداء شرارة صنعت قصة نجاح كبيرة، على الرغم من كل الظروف المحيطة بها بدءا من الأسرة الرافضة والمجتمع الذي حارب فكرة غنائها كونها محجبة، صنعتها بإرادتها الأنثوية المخلصة للجمال وبشخصيتها الواثقة التي طرحتها على مسرح البرنامج منذ أول أغنية لها، لماذا لا نقول إنها لم تقدم أية تنازلات بما يخص مظهرها، وظلت متمسكة بإيمانها بقناعة هذا المظهر الذي اختارته، لما لا نقول بدلا من مهاجمتها ومحاربتها أنها صاحبة رسالة واضحة، وهي أن الموهبة الحقيقية للمرأة لا ترتبط بتسليع وتشييء كما هو شائع كثيرا.

لدى الذين يكرهون الحياة موهبة خلاقة ومثيرة للاهتمام في قتل الإبداع، والمبررات غالبا جاهزة في قوالب سوداء، فعشرات المنشورات انتشرت بسمومها على مواقع التواصل الاجتماعي تحارب الصورة التي أعطتها نداء شرارة للمرأة المسلمة، والسؤال الذي يلح علي: أية إساءة ستنقلها نداء إلى العالم عن المرأة المسلمة؟ كيف تسيء ابنة الثالثة والعشرين ربيعا بصوتها الجميل وموهبتها المتميزة ومظهرها الواثق إلى صورة المرأة؟ هل يجب أن تكون المرأة خارج الحياة حتى تعطي الصورة المشرفة للمرأة كما تريدها مرآة المجتمع الذاهب إلى وأد كل ما هو مختلف وخارج عن التنميط والرتابة؟.

أعتقد أن نداء شرارة بغنائها ومشاركتها في البرنامج وفوزها باستحقاق اعتمادا على صوتها فقط فتح آفاقا كثيرة للفتيات اللواتي منعهن ارتداؤهن الحجاب من تحقيق كثير من أحلامهن في التمثيل والغناء والموسيقى خوفا من محاربة المجتمع لهن، فقد كونت نداء شرارة قاعدة عريضة من المشاهدات الفتيات اللواتي رأين في خطوتها الجريئة مثالا للمرأة الصامدة القوية التي جدفت بعكس أمواج الأفكار السائدة الثابتة منذ مئات السنين تجاه المرأة.

أقول ليس مطلوبا من نداء شرارة أن تصحح وجهة نظر العالم حول غناء المرأة أو حتى غناء الرجل، فهناك الكثيرون الذين يتبنون بكل حماس إبعاد الأرواح عن الجمال أو تقود جيشا لتحرير القدس وتستغل صوتها للنداء للجهاد بدلا من الغناء، فهنالك أيضا من يتكسبون بما يكفي بأبواقهم المزعجة.. ليس مطلوبا من نداء شرارة حتى تخفف من كآبة العالم سوى أن تغني.