نحو مراجعات حقيقية لنكبة فلسطين عام 1948

عندما تصاب الشعوب بنكبات حقيقية وهزات سياسية عميقة تنبري الامم تتساءل فيه عن الاسباب التي ادت إلى الكارثة.

الهزائم العادية مثل الهزائم العسكرية عادة ما تؤدي إلى مراجعات ضمن الاطار العسكري، اي تحسين وضع القوات العسكرية من خلال الاعداد والتدريب والتزود بالسلاح.

لكن عنما تصاب الامم بكوارث بحجم كارثة فلسطين فان المراجعات تتعدى الاطار العسكري، اذ لا بد من مراجعة شاملة.الذي قرأ التاريخ الفلسطيني من خلال العديد من المؤرخين الفلسطينيين من عارف العارف إلى دروزة الخ سنجد ان غالبية التركيز كان يتم ضمن اطار ابراز فروقات القوة بين الطرفين سواء لناحية الوضع العسكري او الدعم السياسي الدولي، وكلاهما كانا يصبان بوضوح لصالح الصهاينة. و لا شك ان هذه عوامل لا يمكن تجاهلها لانها لعبت دورا هاما في تحقيق النصر للصهاينة عام 48.

ولن ادخل هنا بهذه المقارنات لانها كتبت كثيرا لكني اعتقد ان الامر لا يقتصر على العوامل المباشره. فهناك عوامل عدة لعبت دورا في اضعاف قوة المجتمع الفلسطيني.

اولى هذه الاسباب هو ضعف الوطنية الفلسطينية التي كانت بداياتها قد بدأت للتو تظهر خاصة بعد الانتداب البريطاني. بمعنى اخر ان مفهوم الكيانية لم يكن واضحا تماما في اذهان الشعب الفلسطيني وهذا له اسبابه التاريخية بالطبع. وهذا الضعف لم يقتصر على فلسطين فحسب، بل وجد في اماكن أخرى في ما كان يسمى الولايات العثمانية السابقة. وقد تحدث الملك فيصل ملك العراق بهذا المعنى عندما قال انه يحكم بلدا تحكمها الروابط العشائرية وليس الوطنية.

لقد ولدت القومية العربية من رحم النضال ضد العثمانيين في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين. وقد تصادف هذا مع ولادة الصهيونية.

وفي الوقت الذي امتلكت الصهيونية الغربية عن المنطقة وعيا بالحدود الجغرافية التي سيقيمون عليها دولتهم وتمت التعبئة على اساسها، كان الشعب الفلسطيني ما زال واقعا تحت تأثير الفكر القومي العربي لان المسافة الزمنية التي كانت تفصل بين تبلور الفكر القومي العربي، وظهور الوطنية الكيانية (التي فرضت كأمر واقع بحكم اتفاقية سايكس بيكو) مسافة قصيرة لم تتح فيها للوطنية الفلسطينية ان تنضج تماما. وبالتالي لم يتبلور وعي وطني فلسطيني واضح تماما في اطار حدود الوطن الكيان.

لقد كانت ثورة العام 1936 بداية تبلور الوعي الوطني في فلسطين والاحساس القوي بالخطر الذي بدأ الناس يلمسونه من خلال الهجرة الصهيونية. لكن هذه الوطنية ظلت في اطار الزعامات العائلية والعشائرية الامر الذي يفسر ضعف الاحزاب التي تشكلت في المدن الاساسية.

وهذا من الاسباب التي منعت من ظهور حزب وطني جامع لاهداف الشعب الفلسطيني الذي بقي موزعا على ولاءات عائلية وعشائرية الامر الذي ساهم في اضعاف قوة مقاومة الصهاينة. المجتمعات ذات الصبغة العشائرية قد تقاتل جيدا وقد تنتج ابطالا. لكن انتاج الاستقلال يتطلب وعيا عميقا بالانتماء للوطن، ويتطلب قوى سياسية ذات بنية حداثية بعيدا عن منطق التقوقع المناطقي والعائلي.