نحو سياسة خارجية سعودية جديدة

بقلم: عبد العزيز الخميس

يطرح البيان التاريخي لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حول الوضع في الشقيقة سوريا، أسئلة متعددة، قد تكون إجاباتها صعبة الطرح والوصول اليها. لكن قراءة هذا البيان قد تحمل بعضا من فهم السياسة السعودية وطريقة صنعها وايضا رغبة في دفعها للأمام نحو ما ينفع أمتنا العربية والاسلامية.

تتحدث السعودية دائما عن عدم تدخلها في شؤون الدول الاخرى. لكن هل المنطق الذي يردده بعض المسؤولين والموالين للنظام فيه شيء من المنطق. الحقيقة ان القائل يغفل انه لا يمكن لدولة ان تغض الطرف عما يحيط بها تحت مسمى عدم التدخل في شؤون الآخرين، خاصة إذا كان التدخل لا بد منه لتصحيح أوضاع أو للمحافظة على مصالح مهمة إن كان للسعودية او لأمتها العربية او الاسلامية او حتى للمجتمع الدولي.

اذا ما هي قصة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. قد أجد ان التفسير الصحيح هو ان السعوديين لا يتدخلون درءا لتدخل الأخرين في شؤونهم، أو إذا كان الأمر لا يعنيهم، أي لا يقومون بتدخل في أزمة سياسية محلية لا تؤثر عليهم او تعرض المنطقة لتغيرات قد لا تكون لمصلحة السعوديين او للمنظمات التي يعملون ضمنها كمجلس التعاون الخليجي او جامعة الدول العربية او الأمم المتحدة.

لكن ما هي درجة تصنيف أن ما يحدث في بلد عربي لا يؤثر على السعودية. المنطق يقول أن دولة كبيرة مثل السعودية بمركزها عربيا وأسلاميا وعالميا خاصة وان السعودية ضمن العشرين دولة عالميا المؤثرة على الاقتصاد الدولي يتيح للسعودية التحرك لضمان مصالحها دون اعارة التصنيف الحالي اهتمام.

لذا يمكن لنا ان نصل الى حقيقة مهمة وهي ان على السعودية ان تلعب دورا اكبر مما هي مكبلة نفسها به من مبادئ كعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فأي حراك سياسي في دائرة الدول ذات الإهتمام السعودي يؤثر على المملكة.

عربيا، السعودية إحدى الدول المهمة والمؤثرة بثقلها القومي والديني والإقتصادي، لذا عليها ان تكون اكثر حركة ووقوفا بجوار الشعوب العربية لا الانظمة وزعمائها فقط.

قد يقول البعض ان السعودية نظام مثلها مثل غيرها من الانظمة العربية التي تفتقد للديمقراطية. هذا صحيح لكن السعودية ليست نظاما فقط بل هي رسالة عربية واسلامية، هي مكة والمدينة قبل ان تكون الرياض، هي قبلة المسلمين ومهد العروبة. رأينا كيف ان الزخم الشعبي ضد ما يحدث في سوريا حث النظام السعودي على الوقوف بحزم ضد نظام بشار الأسد. ونرى الآن تداعيات الموقف السعودي داخليا حيث رحبت شرائح منها من لا يكن للنظام السعودي عشقا ولا مودة لكنها مثلها مثل بقية المواطنين ترى ان على بلادها واجبا كبيرا لايقاف المذابح الواقعة في سوريا. الألم السوري وحد السعوديين الا من لم يرحمهم ربك لقبول القرار الملكي لمضمونه الانساني وليس السياسي فقط.

تحتاج السعودية ان تلعب دورا راجحا حكيما في المنطقة. تحتاج الى ان تقترب من عذابات مواطنيها وتنطلق الى عذابات الأخرين من أشقائهم في العالمين العربي والاسلامي.

لا نريد من السعودية ان تصبح ايران اخرى تبكي على غزة وتوغل في قمع مواطنيها في الاحواز او طهران او مشهد او بلوشستان. نريد من النظام السعودي ان يصنع في بلاده نموذجا للتسامح والمحبة والحقوق.

صحيح ان النظام السعودي لم يرتكب مجازر ضد مواطنيه، لكن هناك ملف الاعتقال التعسفي الذي يجب ان يغلق بمبادرة تاريخية من الملك عبدالله. نريد ارساء انظمة تتيح التعبير عن الرأي المسؤول والمحاسبة والشفافية. لا نريد ولي فقيه سعودي يرى لنا ما يعتقد خيرا ونحن لا نشارك في صنع رؤيته ونجعلها رؤية وطنية جامعة.

جعل الموقف التاريخي للملك عبدالله في سوريا من مواطنينا فخورين ببلادهم بعد ان كانت عرضة للتنابز بسبب استضافتها لزين العابدين بن علي وعلي عبدالله صالح.

قد يقول الموالون للنظام ان الأول دخيل، ومن عادات العرب استضافة من يلجأ اليهم. ولكن للدخيل ايضا قوانين واعراف عربية وهي ان يرد الدين الذي عليه لمن هرب منهم بعد ان ظلمهم. في عرف العرب يسمى زين العابدين بن علي بدخيل عق، اي انه لاجئ لضرر اقدم عليه تجاه اناس اخرين وليس دخيل حق وهو من هرب ولجأ للاخرين لأنه اخذ بثأره من قاتل ابيه مثلا. اما الرئيس اليمني فهو لا يزال رئيسا لم يخلع بعد، وهو يعالج ووصل الى السعودية وهو شبه محروق تماما ومن لجأ اليك لعلاجه فلابد ان تكون شرعتك الانسانية والاسلامية واعزا لك لعلاجه. لكن قاتل الله ما فعله هؤلاء الدخلاء فقد اوجعوا اهلهم حتى لم يغفروا لهم زلة حتى وهم طرداء او محروقون. لكن ربك بالمرصاد. فاحدهم بعد ان كانت الابرة لا تتحرك في بلاده الا بأمره اصبح يتلحف سحب جبال السروات والثاني بعد ان كان وجهه مبيض بوحدة شعبه اصبح مسود الوجه لا يعرف هل يعود لوطنه ام يبقى حيث هو والأخر يا ويلداه قاده شعبه على سريره للمحكمة، في اول محاكمة اعرفها لرجل طريح الفراش يلعب في انفه.

عودة للسياسة السعودية التي تأتي مواقفها متأخرة بل وقد لا تأتي، ففي الموضوع العراقي نعرف ان السعودية اتهمت بالتخلي عن العراق في ازمته. وقد يقول بعضنا أن العراق وقع تحت احتلال رفضته السعودية حسب تصريحات صانع سياستها الأمير سعود الفيصل. لكن حان الوقت الان ان تتجه السعودية الى العراقيين قاطبة لا لتدعوهم لاجتماع في مكة. فقد عودنا بعض العرب على الحنث بوعودهم ونسيانهم قدسية قسمهم امام الكعبة. لا نريدها حافلة بالطقوس الدينية فقط بل نريد من النظام السعودي ان يقف مع العراق، نريده ان يطرح امام نوري المالكي صيغة تعاون لمصلحة العراق والعرب والمسلمين جميعا. نعرف جيدا ان وقيعة من المحسوبين على ايران في مكتب المالكي هي من أخرت الصلح السعودي العراقي لكن نعرف ايضا انه يجب علينا ان نتحرك ليس حبا وعشقا للمالكي بل للعراق وشعبه، وبدلا من ان نتهم بتصدير الارهابيين يجب ان نصدر ورودا للعراق وحبا لأهله الكرام سنة وشيعة عرب واكراد.

نريد سياسة عربية صلبة ضد التدخل الايراني في العراق، فإما ان يكون العرب في العراق والعراق في كل دولة عربية، مصالح وتعاون وتعاضد لا شيعة فيه ولا سنة بل أمة عربية واحدة فقدت رسالتها الخالدة بسبب ايران والغرب وغيرهم ممن لا يريدون لهذه الأمة الوقوف على قدميها.

نريد السعودية حين يحدث في العراق ما لا يسر أهل العراق، ان تقف مع الحق فإن اساء رئيس عراقي الى اهله كما حصل مع الاكراد او اهل الجنوب او ما حصل بعد الاحتلال الاميركي على اهل الموصل والرمادي، نريد من نظامنا ان يقف ليقول ما قاله ضد النظام السوري بالأمس.

نريد سياسة المملكة ذات طابع انساني، صحيح ان المصالح هي السياسة الحقيقية، لكن من أهم مصالح السعودية هو ان يعيش العرب في ظل أنظمة إنسانية ترعى كرامة أهلها.

في الشأن الداخلي السعودي، تحدث السعوديون كثيرا عن مملكة الانسانية، والسؤال هل تنحصر انسانية المملكة في فصل التوائم فقط. صحيح ان فعل الخير واجب وجزا الله من اقدم عليه وايضا واقعي القول ان السعودية اكثر دولة تصرف على المساعدات من دخلها القومي في العالم، لكن نرتجي من مملكة الإنسانية ان تكون إنسانيتها في الداخل والخارج. هؤلاء الفقراء السعوديون في بلد غني يحتاجون الى انسانية القائد والموظف البسيط، اين هي الاجهزة التي تشد عضد مواطننا وتفصله عن توأمة الفقر. اين هي اجهزة الشؤون الاجتماعية عن مطالب الناس التي تزداد.

مملكة الانسانية ليست حصرا على حوادث معينة ولا يجب ان تنتظر ان تبلغ اعلاميا، بل يجب ان تكون هي من ينقب الارض عمن يحتاجها.

نريد من مملكة الانسانية ان لا تنسى اخوتنا في البحرين، نقف مع وأد الفتنة الطائفية التي تقف ورائها ايران وعملائها، لكن علينا بعد ان ارسلنا مصفحاتنا ان نرسل صحائفنا الطيبة، ان نقترب اكثر من الشعب البحريني ليس فقط بدعم ميزانية حكومته بل وبمشاريع مباشرة لمساعدة الشعب البحريني الذي يعاني من الفقر. الجزيرة القطرية التي سلطت الضوء على البحرين بطريقة اعلامية غير حيادية كان على مموليها ان يبثوا مع البرنامج حزمة مساعدات للمعذبين هناك كما عمروا في جنوب لبنان.

نتمنى ان يعمل الجميع في مجلس التعاون للوقوف امام اي تصنيف مذهبي في البحرين فإيران العدو الثاني بعد اسرائيل لا تعيش مؤامراتها إلا في زواريب وأزقة الفقر في البحرين وغزة وجنوب لبنان والسيدة زينب. فقر اخوتنا يغنيهم، وغناهم يكف اذى الفرس عنا.

نريد أنظمة انسانية ولا نريد انظمة اسنانية حادة القضم وفاسدة ومنتهكة لكل الاعراف الحقوقية.

حينما يصرخ حقوقي غربي ضد الانتهاكات التي تحدث على اراضينا لا يصرخ الا لأننا منحناه الفرصة، وهو لا يتكلم من فراغ ففراغنا الحقوقي والانساني هو من منحه هذا الحق.

حينما يتحرك العاهل السعودي لنصرة اخوته وابنائه في سوريا نشكر له ذلك ونغبط انفسنا ان بلادنا فعلت ما بحت حناجرنا في المطالبة به. ويمكنكم الرجوع للمقال على الرابط:

http://www.middle-east-online.com/?id=112764

نريد ان نشكر ونقول للمحسن احسنت، لكن ايضا نريد ان نوجه للقادة العرب في الدول التي يقال انها تحررت اين انتم عما يحدث في سوريا. وايضا لأخوتنا في مجلس التعاون نسألهم هل القرار السعودي بسحب السفير صدر دون ان يكون ضمن قرار جماعي خليجي مما يدل على رغبة سعودية في ارسال اشارة قوية ان لديها موقف يندرج ضمن مصالحها وتعبيرا عن حجمها السياسي والاسلامي والعربي. قد يقول البعض ان قطر بادرت الى ذلك. صحيح. لكن كان بسبب الاعتداء على سفارتها وان وجب شكرها على موقف قناة الجزيرة في تغطيتها لما يحدث في سوريا من مذابح.

يرى البعض ان التفرد السعودي بقرار سحب السفير والموقف القوي ان هناك تباين داخل مجلس التعاون يتراوح بين دول لا ترى ان اتخاذ قرار بسحب السفراء او التنديد باستعمال القوة مناسب في الوقت الراهن نقول لهم كونوا عونا لنا في ان يصبح مجلس التعاون ودوله تعاون على البر والتقوى ودعم للعرب في ازماتهم الحالية. نريد السياسات الخليجية أن تنبع من مصالح، لكن أهم المصالح هي ان تقف مع المظلوم خاصة اذا كان اخيك العربي او المسلم.

واخيرا نريد ان تغلب على سياساتنا المصالح الانسانية، وهي من يجعل منطقتنا أمنة مستقرة بأهلها، قد يكون ذلك حلما، وقد يكون للصيام دورا في ان الحلم كبر حجمه.

عبدالعزيز الخميس

للتواصل مع كاتب المقال على التويتر