نحو رؤية ثقافية لمصر (2 / 3)

قضية التنوع الثقافي

• رابعا: إستراتيجية الثقافة - العمل المؤسسي

هو ما يلزم معه اعتبار هدف "المؤسسات الثقافية" الأداة الفاعلة مع بيئتها، وتحقيق شعار "الثقافة للجميع"، من خلال الآتي:

- الإسهام في تنمية الوجدان المصري، ليكون هذا الوجدان قادرًا ومبادرًا ومبدعًا ومعبرًا عن ذاته بحرية.

- التنقيب في التراث الثقافي المصري، واستجلاء كوامنه للإستفادة، منها في تأهيل المواطن، كي يكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع.

- دعم قيم التعددية الثقافية وقبول التنوع والإختلاف، والتباين في الرأي والفكر وحرية التعبير والاعتقاد التي كفلها الدستور.

- الإنفتاح على الثقافات العالمية المختلفة والتفاعل معها، ونشر ثقافة قبول الإختلاف، والإحتكاك المباشر بتيارات الفكر والثقافة والإبداع حول العالم.

- الإهتمام بإحياء دور مصر الريادي في المجال الثقافي، سواء في محيطها العربي أو الإفريقي أو الإسلامي.

- مراجعة القوانين المعنية ذات الصلة بالمطبوعات والنشر، لتنقيتها من أية نصوص تعوق الإبداع الفني والأدبى.

- رعاية حقوق الملكية الفكرية بشتى أنواعها، وتفعيل القانون والتوعية به، ليتجلى فى حيز التنفيذ.

- توجه العمل الجاد لكل الجهات ذات الصلة لدراسة مشكلات قطاع السينما، والمسرح، والموسيقى، وكافة الفنون والآداب. واقتراح الحلول التنظيمية والتشريعية اللازمة للنهوض بهذه القطاعات.

- توفير سبل المشاركة من إدارة البلاد لإنجاز فكرة الإهتمام بالآخر، سواء بشيوع الجمعيات الأهلية الثقافية، أو المساهمة في النشاط المجتمعي الثقافي.

- اعتبار قيمة التسامح التي تزكيها القيم الإنسانية والدينية سمة التعامل بين الجميع، على قناعة بأن من يعيش على أرض الوطن، له الحق في المشاركة في بناء حضارته، والمساهمة في التفاعل مع مجتمعه.

- مراعاة مفهوم الأمن الشامل: أمن الوطن الفكري والإجتماعي والإقتصادي والبعد الأمني التقليدي المعروف.. حيث يعد الحفاظ على الأمن جزءًا مهما من الإنتماء الوطني للفرد والمجتمع، ولا إنتماء حقيقيا فى وطن غير آمن.

* خامسا: إستراتيجية الثقافة - تزكية الهوية والإنتماء

1- وضع شعار "الثقافة للجميع" و"الإنتماء للهوية" في مقدمة النشاطات الثقافية، كهدف إستراتيجى للعمل الثقافي العام.

2- التمسك التام بقيمة الإنتماء وشواهدها، ما ظهر منها وما بطن، وهو ما يتبدى بمظاهر دالة على الولاء لها والإلتزام بمقتضياتها.

3- الدفاع عن الهوية التي تميزنا عن غيرنا، ويمكن الإستفادة من كل التقنيات المتاحة.

4- التربية الوطنية المتفاعلة مع الجماعة وهموم الوطن، سواء بتوفير السلاسل الأدبية والثقافية أو بإقامة الندوات وغيرها.. وكافة أشكال المنتج الثقافي والفني.

5- الثبات والصمود على المبادئ والقيم العليا التي تزكي الإنتماء للوطن.

6- تنمية الوعي بالمحافظة على الملكية العامة وثروات الوطن، برعاية السبل المختلفة، مثل ترشيد إستهلاك الماء والكهرباء، والنظافة للأماكن العامة والخاصة.

• سادسا: إستراتيجية الثقافة – الأمن الثقافي

يبقى الأمن الثقافي مهدداً، إن لم تتحقق صناعة المحتوى الثقافي، ذلك المحتوى المعبر عن كل توجهات الثقافة المنتمية والتي تصون الفرد والمجتمع. الأمن الثقافي هو أحد أوجه الأمن القومي الهامة، وهو الحافظ على كل ملامح وقيم المجتمع الإيجابية.

من هنا كانت أهمية الأمن الثقافي، وضرورة بذل الجهد نحو صناعة المحتوى الثقافي الملائم. فمن جانب تتجه إلى العقول الشابة والأفراد بالقيم المناسبة لهويتنا.

وعلى الجانب الآخر لمواجهة المنتج الثقافي الأجنبي المغرض. وأيضا في مواجهة الأفكار الظلامية في الداخل. حيث تلعب الآن الشبكات الاجتماعية والمحتوى على تلك الشبكة ما لا يمكن تجاهله. وبالتالي يمكن مواجهة المعطيات السلبية لتلك الشبكات. وهو ما يشير إلى قضية هامة تطرحها الشبكة الرقمية، ألا وهي قضية "الذكاء الجماعي".

فكل مجموعة بشرية مرتبطة بالإنترنت بإمكانها نظرياً أن تشارك في إنجاز الأعمال الجماعية. وذكاء كل فرد يمكن أن يعبأ لفائدة الجميع. وبالتالي فإن العمل بصناعة ثقافة ملتزمة ومستفيدة من الذكاء الجماعي من ضروريات الرؤية الثقافية لمصر في الفترة الحالية والمستقبلية.

ولا يمكن تجاهل بقية المنغصات التي تهدد الأمن الثقافي مثل: البث التليفزيوني للافكار المناهضة لهوية والانتماء، وأيضا المطبوعات الورقية المتنوعة التي تسعى بعض المراكز الثقافية الأجنبية لترويجها.

• سابعا: استراتيجية الثقافة – التنوع الثقافي

هناك قضية أخرى في مقابل الوعي بقضية الأمن الثقافي، ألا وهي قضية التنوع الثقافي. فمن غير المقبول بمبرر الأمن الثقافي ننغلق عل أفكارنا وأحوالنا، بل ومن غير الممكن أيضا. فالعولمة هي بلا شك خطر يهدد ثراء وتنوع الثقافات في العالم، لكنها تمثل كذلك فرصة مهمة لكل مثقف منتمٍ لقيم بلاده.

المثقف في عصر العولمة مطالب أكثر بالتمسك بملامحه التراثية وهويته في شتى مظاهر الحياة اليومية وفي الفكر. ومع تطلع الجميع إلى مسايرة العصر بمستجداته، يبقى التوازن الواجب والوعي به في كل تعاملات وأفكار الأفراد والمؤسسات.

وهو ما يلزم معه وضع برامج التقنية الرقمية موضع الإهتمام، ثم مساهمة المؤسسة الثقافية التي تتسم بالتمسك بالهوية المصرية والإنتماء لها، بالمشاركة الفاعلة والتفاعل مع الانترنت.

• وسائل غير نمطية لتفعيل الأهداف

أولا: تفعيل العنصر البشرى. من أهم ما يساعد في تحقيق الرؤية الثقافية لمصر، هو الإستفادة من المورد البشري، وهو ما يمكن أن يتمثل في الآتي:

1- التطوع:

لا شك أن إيمان المجتمع بالتطوع وبالذات في العمل التنموي الثقافي الإجتماعي فيه بعض القصور، وقلة وعي ينعكس على أعداد المتطوعين. ولضمان إستمرارية العمل التنموي وتحقيق ثماره، وجب أن يتم تصميم نظاماً تطوعياً متكاملاً، يمد المشروعات الثقافية بالطاقة البشرية ذات المواصفات الخاصة.

وفي الوقت نفسه يجب أن يكتسب من بذل الوقت والجهد الخبرات والمهارات، التي تجعله قيمة حقيقية وفعالة في تنمية المجتمع، وتعود عليه بالنفع في حياته العملية المجتمعية. لذلك كانت قيمة تزكية فكرة التطوع، خصوصاً ونحن نعيش عهداً جديداً بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو.

هنا تكمن أهمية بناء قاعدة بيانات بالمحترفين من الأفراد ومؤهلاتهم وخبراتهم، والتعرف على مدى الإستعداد للعمل التطوعي. وكذلك إجتذاب غير المحترفين وتأهليهم لممارسة العمل الثقافي في القرى والنجوع والأحياء بالمدن (خصوصا الأحياء الشعبية).

إستراتيجية تزكية قيمة التطوع يهدف هذا الملف إلى بناء جيل من الشباب قادر على المساهمة في التنمية الثقافية في المجتمع، وذلك بالتفاعل مع مجتمعه الصغير (القرية - الحي في المدينة). وهو ما يطلق عليه بناء القادة الثقافيين.

مراحل وإجراءات تنفيذية:

المرحلة الأولى. يتم تنفيذها من خلال اختيار بعض الشباب الراغب في التطوع، والمؤهل بمواصفات حسن السير والسلوك والقدرة على القيادة والقبول لدى الآخر، وغيرها من الصفات التي يمكن تحديدها في قرار إداري منظم.

يتم إعداد هؤلاء الشباب من خلال دورة تهدف إلى تزكية قيمة التطوع ومحاور العمل التطوعى على الأرض.

ثم بدء التفاعل الفردي من هؤلاء الشباب مع الأهل في القرية والحي، وتشجيع إنشاء جمعيات موثقة كمنظمة غير حكومية تهدف إلى الخدمة الثقافية.

المرحلة الثانية. أن تتبنى تلك الجمعيات الصغيرة فكرة تنمية مهارات الصناعات اليدوية والتراثية (صناعة السجاد- مشغولات النحاس، وغيرها). مع إمكانية تسهيل تشييد مصانع صغيرة، والعمل على ترويج المنتج بالوسائل الممكنة في الفنادق والأسواق العامة والمعارض وغيرها. هذا بالإضافة إلى توجه أساسي لمحو الأمية.

المرحلة الثالثة. تلك المرحلة التي يحقق فيها المجموعة المتطوعة القدر المتوقع له من النجاح القريه أو الحي، متفاعلة بالأنشطة الثقافية المختلفة، خالية من الأميه، وقد ساعدت المجموعات من العناصر الشابة على الإنجاز في بعض الأهداف الثقافية، مثل محو أميه كبار السن وغيره.

2 - تشجيع المبادرات الجماعية الشبابية:

وهي تلك الجماعات التي تسعى إلى بناء كيانات ثقافية تعتمد على الأفراد وجهودهم الذاتية (فرق مسرحية شبابية - مجموعات الإنتاج السينمائي الشبابية - الجماعات الأدبية - جماعات الصناعات الشعبية اليدوية.. وغيرهم).

ثم يأتي دور الدعم من مؤسسات الدولة بتوفير الإمكانات الواجبة والدعم للإستفادة من الطاقات الشبابية المتاحة. (مثل قاعات العروض المسرحية - قاعات العروض السينمائية - قاعات الفنون التشكيلية - النشر المدعوم من الكتب المتنوعة والتثقيفية - قاعات الإستماع الموسيقى.. الخ).

أهمية هذا البُعد هو تشجيع المبادرات الفردية والمجموعات الصغيرة، بحيث يتحول العمل الثقافي إلى خدمة مجتمعية. مرة بدعم الدولة للأفراد وتشجيعهم، ومرة بتنشيط الواقع الثقافي ونقل المنتج الثقافي إلى العامة من الناس.

وفي هذا المحور تصبح المؤسسات الثقافية أكثر حيوية ونشاطاً، خصوصاً مع نشر الوعي بتلك الفكرة (وغيرها) إعلاميا، المرتكز على تزكية الإنتماء الوطني، المتمثل في عدة مناحى: (حرية التعبير، والتسامح، والإنتماء الوطني، وحق الإبداع والإبتكار).

ثانيا: تفعيل العنصر المادي (المؤسسات الثقافية)

هناك 18 مؤسسة ثقافية تتبع الدولة، ويمكن التشارك معاً في تحقيق الهدف (الإنتماء الوطني - الثقافة للجميع).

وذلك لتحقيق رؤية جديدة للمنتج الثقافي والطرح الثقافي، فالثقافة ليست هي الإبداع الفني والأدبي فقط، بل هي المعرفة العامة، المعارف المتخصصة في الآداب والفنون، بالاضافة إلى معارف البيئة حول الأفراد.. المتمثلة في المنتج الشعبي والصناعات اليدوية، والفنون الشعبية والملابس، وغيرها.

الإعتبارات السبعة في عمل المؤسسات

- إعتبار "الإنتماء للوطن" التوجه الأسمى والغاية للمؤسسات الثقافية.

- إعتبار "الطفل" هو المستقبل، ويجب أن يلقى كل الإهتمام والرعاية.

- إعتبار "الثقافة الرقمية" هي السلاح المعرفي الآن وفي المستقبل.

- إعتبار "العنصر البشري" والكوادر الادارية من أهم عناصر تفعيل أي نشاط ثقافي.

- إعتبار "الترجمة" هي القناة الموصلة إلى العالم، وصورتنا في عيون العالم.

- إعتبار تلك المؤسسات مراكز تنوير ثقافي (المكتبات الكبرى التي تبلغ 130 مكتبة، كما أن لدار الكتب والوثائق القومية وحدها 38 فرعا - قصور الثقافة – المتاحف - هيئة دار الأوبرا المصرية.. الخ).

- إعتبار "الأمية" قضية قومية، وعلى المؤسسات دورها في مواجهتها.

ويمكن التوقف مع هيئة قصور الثقافة للأهمية الخاصة في تحقيق الرؤية الثقافية لمصر:

• الهيئة العامة لقصور الثقافة"

تعد مؤسسة "قصور الثقافة" من أهم المؤسسات الثقافية بالبلاد، نظراً لأنها تضم حوالى 540 وحدة ثقافية (بين القصور والبيوت الثقافية)، منتشرة في كل ربوع البلاد. بالتالى يمكن توظيفها في:

- تزكية المفاهيم والقيم الثقافية عموما والإنتماء خصوصا.

- توفير الكثير من احتياجات الطفل الثقافية.

- رعاية مراكز إنتاج المشغولات الشعبية (بما يتناسب كل بيئة).

- إكتشاف المواهب والطاقات الشبابية.

- إعداد وتنفيذ برامج محو الأمية.

- تنظيم دورات في المهارات المختلفة، والتقنية الرقمية.

ينظر إلى تطوير أعمالها من خلال الآتي:

• إستقلالية كل إقليم ثقافي إداريا (حيث كل إقليم يضم من 3 إلى 5 محافظات).

• متابعة الإلتزام بالأهداف العليا، في كافة النشاطات.

• تنشيط الدورات التدريبية في كافة المعارف الثقافة والفنية مثل (الموسيقى- الفن التشكيلي – المسرح - السينما وغيره) بأسعار مناسبة وتضيف ماديا لميزانية الإقليم.

• تنشيط الدورات التدريبية لتنمية الكوادر الادارية.

تأهيل الإداريين الثقافيين:

لكي تتحقق تلك الرؤية والريادة، لا بد أن نتعرف على الموارد البشرية (في مجال الثقافة) في المجتمع وإمكانيات أفراده، خصوصا المحترفون من المبدعين والفنانين والمثقفين الأكادميين والباحثين، ثم من الإداريين وهم من أهم عناصر تفعيل المشاريع الثقافية.

ثم دمج تلك الطاقات والتنسيق بينها مع أعمال وبرامج وحدات الهيئة العامة لقصور الثقافة.

ثالثا: التسويق الثقافي

يعد تسويق المنتج الثقافي من أهم التوجهات الواجب مراعاتها، فلا قيمة لكتاب أو عرض مسرحى وغيره، إن لم يطالعه أكبر عدد ممكن من المتلقين والقراء. وهو ما يمكن تحقيقه من خلال:

- القوافل الثقافية، بالإنتقال إلى كافة ربوع البلاد من خلال (المكتبات المتنقلة - الفرق المسرحية الشبابية - مسرحيات الطفل.. الخ).

- التنسيق مع وزارة الصحة وكليات الطب وغيرها، لتشكيل الحملات المتكاملة لخدمة القرى والمناطق النائية.

- الإعتماد على الإذاعات والقنوات التليفزيونية المحلية بأقاليم مصر، للإشتراك والتعاون فى تقديم المنتج الثقافي.

- تطوير موقع الهيئة على الشبكة العنكبوتية.

Ab_negm2014@yahoo.com