نحو رؤية ثقافية لمصر (1 / 3)

إعلام ثقافي جاد

• مقدمة

ينبغي أن تحتل الثقافة ـ بمفهومها الشامل وأفرعها المتعددة ـ مكانتها في مقدمة أولويات إستراتيجية العمل الوطني. فهي القوة الناعمة الأكثر تأثيراً، في مواجهة تيارات الإنحراف ـ السياسي والإجتماعي والأخلاقي ـ الوافدة والمصطنعة.

لا يجب أن تقتصر الثقافة علي ثقافة الوطن فحسب، فإن معرفة الثقافات الأخرى يساعد على تقييم وتقدير الثقافة الوطنية المصرية. وهو ما يعني أن ملف "الترجمة" له مكانة متقدمة، كما لملف توظيف "التقنية الرقمية" في التناول الثقافي للمعارف.

ولن يتحقق الإنجاز الثقافي المتوقع والمرجو، إلا إذا حصل أبناء الوطن على القدر الكافي من الثقافة مع التربية والتعليم، التي تنعكس على من يتحلى بالسلوك الحضاري، وتحقيق ما يمكن أن نطلق عليه بـ "عدالة ثقافية"، تماماً كما نطالب بالعدالة الإجتماعية.

إن دور الثقافة هو إعادة صياغة البنية الذهنية للإنسان المصري، بحيث يكون قوة بناء في تلاؤم مع معطيات القرن الواحد والعشرين، دون الإخلال بمقومات شخصيته الحضارية. ويجب أن تصبح ثقافة فعل وتغيير وبناء.

ولن يتحقق ذلك إلا بثقافة تسعى إلى تغيير شامل وفق رؤية شاملة، مع توظيف كل الإمكانات المتاحة. إنها مهمة في حاجة إلى بناء "الآلة الثقافية" التي تتحمل وتنفذ مع الشعور بالمسئولية، من خلال توظيف كل المؤسسات الثقافية والعناصر البشرية.

• المشهد الثقافى الآن:

- بدت الحياة الثقافية المصرية طوال السنوات الثلاثين الأخيرة، فيما قبل الثورة، من ممارسات تخلو من البوصلة الثقافية، تلك التي تعني التوجه إلى كافة أطياف الشعب، وعلى طول أرض مصر وعرضها. - تشهد الحياة المصرية منذ قيام الثورة، مشهدا ثقافيا متعاركا، حيث التيارات السياسية والفكرية الظلامية، ويجب مواجهتها ثقافياً. - وهنا تقع المسئولية على كاهل المثقفين المستنيرين - من التيارات والفصائل الفكرية والثقافية كافة، مع تأسيس "رؤية" ثقافية تحافظ على أهداف الثورة (الثورتان).

إن غياب الرؤية الإستراتيجية أدى إلى فشل التنمية في مصر، ما يلزم تأسيس مجتمع معرفي ينعم بالعدالة الثقافية، مع قيم الهوية الوطنية وتزكى الإنتماء له.

• الثقافة والأمن القومي: الأمن القومي "هو أساس وجود الدولة، وأحد أهداف سياساتها العليا، لتعزيز إستقلالها السياسي والإنسجام الإجتماعي، ويضمن الوحدة الوطنية والقومية للدولة.

وهنا تأتي الثقافة الإيجابية التي تحمل قيم الإنتماء، كي تصنع السياج حول تلك المفاهيم. بالتالي فإن الخطاب الثقافي هو همزة الوصل بين المهتمين بشئون الفكر والثقافة والرأي، وأبناء المجتمع وبسطاء الشعب، وتزكية ما يعرف "الثقافة الجماهيرية" أو "الثقافة للجميع"، بالإضافة إلى ثقافة التخصص، لتنمية الوعى الجمعي. كما يتسم الخطاب الثقافي الإيجابي بالسعي نحو تغيير اتجاهات فكرية سلبية، قد تهدف إلى هدم الدولة، أو الأمن الداخلي، ويهدد الأمن القومى.

لذا أصبح الخطاب الثقافي المدني ضرورة ملحة، بعد توغل الفكر المتطرف، الذي جذب بعض الشباب والبسطاء، وجعلهم أداة لتنفيذ المخططات التي أضرت بالبلاد. وهو ما يتطلب معه خطابًا ثقافيًا مدنيًا، وتوعية الأجيال الجديدة بأهمية الإنتماء، ثم تتشارك لتفعيل الخطاب الديني.

• الوعى بأهمية الثقافة

توعية وتثقيف المجتمع بمختلف مستوياته، يعد من أكثر العوامل تحريكاً للرأي العام والمجتمع، في اتجاه الرقي والتقدم، ومساعدته في إستيعاب أهمية التطور العلمي والصناعي والإقتصادى والإجتماعى بالتالي. وذلك ببناء الأفراد وتأهيلهم وتطوير قدراتهم بحيث يتم استيعابهم لفكرة (الإبداع).

إن الابداع مع التقنية الرقمية والعصر الجديد، لا يقتصر على الفنون والآداب، هو الإجابة عن السؤال: كيف تشارك في حل مشكلة ما، ولتكن مشكلة حياتية تقليدية، والبحث عن حلول جديدة ومبتكرة لها؟

• الثقافة دليل التميز ووسيلة الإنتماء

الثقافة متنوعة الأشكال والمناحي، على المستوى المحلي والعالمي. لتحقيق رؤية شاملة (عامة ومتخصصة)، لا بد أن يكون المتلقي محوراّ مركزيا ً لكل المشروعات. كما يجب أن يكون الجيل الجديد (طفل – شباب – طلاب – عمال - فلاحين) والباحثون على دراية بأحدث وسائل التثقيف (فنون التقنية الرقمية)، وبكل الوسائل التثقيفية المختلفة، لإنجاز الأهداف الكبرى من خطة التنمية الثقافية وتحقيق الإنتماء.

ولا بد أيضا من تحفيز وزيادة عدد الأفراد (والمبدعين) الذين يرجون الإطلاع على الثقافة والإبداع العالمي، وهو ما يمكن أن يتحقق بمزيد من النشاط بمحور "الترجمة"، وتطوير دروب المؤسسة المعنية بالترجمة.

• أهداف الرؤية الثقافية لمصر

تهدف الرؤية الثقافية المرجوة لمصر، إلى تبني وتنفيذ العديد من المشروعات والأفكار التي تسهم في تحقيق الأهداف التالية:

أن تساعد جيلاً صاعداً ليتخذ خطوات ثابتة نحو المزيد من الإنتماء للوطن، والتميز الثقافى:

1- إعطاء الطفل أولوية أولى في العمل الثقافي، ودعم الوحدات الثقافية الخاصة بالطفل، والعمل على التواصل بينها، من أجل المزيد من التنسيق والتعاون لخدمة الثقافة (أو إنشاء المجلس الأعلى لثقافة الطفل).

2- دعم تلاميذ المدارس، وطلاب الجامعات بكل الوسائل المختلفة ثقافيا.

3- تعزيز مساهمة الشباب الموهوب في كل المجالات الأدبية والفنية.

4- تعزيز وتفعيل القيادات الإدارية الشابة المتواجدة بالمؤسسات الثقافية.

5- المشاركة في المهرجانات والمعارض الدولية داخل وخارج البلاد.

6- تعزيز دور النشر الخاصة الجادة، وخاصة التي يقوم عليها الشباب.

7- دعم المجموعات الشبابية في الأنشطة الفنية المختلفة.

8- الإهتمام بتثقيف وتقديم الموهوبين من الشباب ذوي الإحتياجات الخاصة.

• العمل على شعار الثقافة الجماهيرية "الثقافة للجميع" بكل الوسائل:

1- توفير الأوعية الثقافية في القرى والنجوع من خلال الإنتقال إليها.

2- التواصل بين المؤسسات الثقافية المختلفة، من أجل المزيد من التنسيق والتعاون.

3- تعزيز "الترجمة" من وإلى اللغة العربية.

4- التسويق الثقافي الجيد، مع تطوير الدوريات الورقية والمنتج الثقافي، وتوفير سبل توزيعه وعرضه وبيعه.

5- التنسيق والتشارك مع المؤسسات الإجتماعية كافة التي تعنى بالطفل والمرأة.

6- وكذلك التنسيق مع هيئة الإستعلامات، وغيرها من المؤسسات المعنية بشؤن المصريين بالخارج. (حيث أهمية مخاطبة الطفل المصري والأفراد بالخارج).

• دعم العنصر البشري الإداري، بأحدث المتابعات الثقافية، وقواعد الإدارة الناجزة.

• والتعرف على كل مثقف ومبدع في كافة مجالات الثقافة والإبداع، ليسهم في التنمية في النشاط الثقافى الإبداعى.

• وتشجيع تشكيل فرق عمل ثقافي في تكامل وتعاون مثمرين، من خلال فكرة "التطوع" في مجال التثيف وتنشيط العمل الثقافى.

• تعزيز المتاح من المؤسسات الثقافية.. (الحكومية والخاصة).

• إعطاء الثقافة الرقمية ما تستحقه من اهتمام، لملاحقة العصر الجديد.

• وضع خطة عمل فرعية بكل المؤسسات الثقافية، لتحقيق هدف تزكية الهوية والإنتماء.

• وضع رؤية مستقبلية للنهوض بكل المؤسسات الثقافية.

• متابعة ما تم إنجازه سلفا والمتاح للبناء عليه، بعد بحث كل المعوقات وتذليل تلك العوائق.

• التوجهات العملية للإستراتيجية الثقافية:

أولا: إستراتيجية ثقافية – تعليمية: تعد الأهداف الإستراتيجية للثقافة منقوصة وغير كاملة، إن لم تتكامل وتتناسق مع الأهداف الإستراتيجية للتعليم. ويلزم التنسيق الكامل عبر عدد من النشاطات، توجه إلى الأطفال والفتيان والشباب، وذلك من خلال:

# وضع خطة قومية للتعريف بمفهوم "الإنتماء للوطن" بالإضافة إلى المفاهيم الإستراتيجية، في المناهج الدراسية والعملية التعليمية، والنشاطات الثقافية.

# وضع خطة قومية للإستفادة بإمكانات التقنية الرقمية على كل أشكالها، والمساهمة في الترويج للتقنية الرقمية بالمدارس والجامعات.

# رعاية الشعارات الوطنية، وذلك بالإهتمام بالمناسبات الوطنية والدينية، والعمل الإحتفاء بها وترويجها.

# إتاحة إمكانية مناقشة الأفكار والآراء حول قضايا الوطن والمواطنين، بتشجيع ودعم النشاطات الثقافية (صحف الحائط - الفرق الفنية المسرحية - الفنون التشكيلية وغيرها..).

# التعريف بالتراث والإعتزاز بالموروثات الإيجابية التي تحمل فى طياتها قيم الإنتماء والقيم العليا.

# توفير كل ما من شأنه التثقيف الميدانى، بعيداُ عن الكتاب المدرسي، مثل تنفيذ الرحلات الثقافية للمواقع الأثرية، وزيارة المتاحف، وحفلات مسرح الطفل وغيره.

# تنظيم مسابقات أدبية وفنية لتزكية مفهوم الإنتماء، كما في مجال التنسيق الحضاري والحفاظ على التراث، والمناسبات الوطنية.. غيره.

# توفير "كارنيه أو بطاقة خاصة" يسمح بدخول تلك المواقع الثقافية (متاحف - دور المسرح - المواقع الأثرية) بلا مقابل، أو بأسعار رمزية.

# تزكية وتنشيط المسابقات الثقافية، في القراءة والفنون، أثناء فترة الأجازة الصيفية، ويمنح الفائزون جوائز.

# إتاحة فرصة ممارسة الحوار واحترام تقاليد التحاور الإيجابي، مهما كان الإختلاف في وجهات النظر والرأي. وجعل مصلحة الوطن تحت مظلة القيم العليا هي الهدف والغاية، بتنظيم الندوات واللقاءات بين كبار المثقفين والشباب داخل دور العلم.

# ممارسة المشاركة المجتمعية للصغار والطلاب في رعاية ومتابعة شؤون المجتمع الثقافية والعامة، والمساهمة في الحلول المتاحة الممكنة. واعتبار العمل التطوعي في الشأن العام، جوهر ثقافة المنتمى إلى بلاده.

ثانيا: إستراتيجية ثقافية- إعلامية

لا يمكن أن يتطور العمل الثقافي بدون إعلام ثقافي جاد. حيث إن "الإعلام الثقافي المتخصِّص": هو الإعلام الذي يعالج الأحداث والظواهر والتطورات الحاصلة في الحياة الثقافية، ويتوجه أساساً إلى جمهور نوعي مَعْني ومهتم بالشأن الثقافي.

إن رواج الإعلام الثقافي يعنى التعبير عن مرحلة معينة من تطور الحياة الثقافية في البلاد. الإعلام ليس أداة للترويج والتواصل فحسب، إن مجال الإعلام الثقافي المتخصِّص هو رصْد وعرض وتحليل ونقد الإنتاج الثقافي يكل مكوّناته؛ حيث إن المفهوم العلمي للثقافة واسع وعريض، إذ الثقافة تعني كل ما أضافه الإنسان إلى الطبيعة من فكر، وعلم، وإبداع في كل مناحي الحياة الإنسانية. ولكن المفهوم الأكثر إستخداماً وإنتشاراً، يكاد يقصر الثقافة على فعاليات محدِّدة مثل الفكر، والأدب، والفن، والمسرح، والسينما، والموسيقى.‏

إن المنتج الثقافي بكل صوره وأشكاله يتداخل مع الإعلام في ترابط وثيق. إن الإعلام الناجح يعتبر الشريك الحقيقي في تكوين الأدوات الفكرية، والمفاهيم والمنظومات، والقيم الفاعلة في إطار الثقافة وإنتشارها، بل إن الإعلام يكون مساهمًا، فاعلاً في توليد الثقافة، ونشْر المعرفة.

إن مصطلح الإعلام الثقافي يُقصد به: رصْد ما يتاح على الساحة الثقافية من نشاطات ثقافية، ثم تبليغها للمتلقّي عن طريق الوسائط الإعلامية المعروفة والمتواجدة كالراديو، والتلفاز، والنت، والهاتف الجوّال، والمجلات، والصحافة المكتوبة.

إن الهدف الأساس من الإعلام الثقافي هو توصيل المعرفة إلى المتلقّي؛ حيث الثقافة والإعلام هدفهما مشترك وواحد، هو مخاطبة الناس، والإتصال بهم عن طريق الصورة، وعن طريق الصحيفة الورقية، والصحيفة الإلكترونية، وكذا طريق الصوت، كل ذلك وفْق الوسيلة المتاحة.

ملاحظة: إن المحتوى الإعلامي الثقافي بوجه عام يغلب عليه عدم التعامل مع عامة المتلقين بمهنية إعلامية، تقدم ثقافة مصنوعة بعناية دقيقة لذلك الجمهور العريض.

إن التغييرات التي طرأت على مظاهر السلوك الإنساني في هذا العصر الذي لم يعد فيه وجود لأي حواجز ثقافية أو فنية، حيث دخلت أجهزة الإعلام كل بيت وانتشرت. كما القنوات الفضائية. وقد أصبح الكمبيوتر الشخصي مرافقاً للإنسان في كل مكان. هذه الوسائط الاعلامية تضع أصحاب القرار الفاعل في النشاط الثقافي، أمام طرف خفي/ ظاهر قد يتناقض مع رؤيته وتطلعاته، ما يلزم معه إعطاء الإعلام الثقافي الإهتمام الواجب.

إن العلاقة بين منظومة العولمة ومفهوم الحضارة في مجتمع المعلومات، في حاجة إلى تحاليل ضافية ودراسات معمقة، ذلك فالمنافسة كانت تقوم بكل درجاتها وأنواعها داخل حدود الوطن نفسه، أما الآن مع عصر العولمة، فهي تؤدي إلى غياب البعد الوطني أو القومي، حيث تعني العولمة الإنصهار في مصنع عالمي واحد وسوق عالمية، تهيمن عليها الشركات العابرة للقارات، وبالتالي لها مؤثرتها الفكرية والثقافية، ويلزم الإنتباه إليها.

ثالثا: استراتيجية الثقافة – الصناعات الثقافية

بناء على كل ما يثيره الإعلام المعاصر (بعد تقدم التقنية الرقمية) فالتساؤل اليوم: أي تشكيل ثقافي يمكن الحديث عنه؟ هل هو المضمون المحلي الذي تتوارثه جيلا بعد جيل؟ أم الثقافة السيبرانية التي ستكيف المجتمع في شكل جديد؟

وهل يمكن طرح موضوع علاقة الثقافة بالإعلام من منظور تقليدي؟ أم هل يتعين ربط المفهوم الجديد للثقافة بالشبكات الحديثة للمعلوماتية (شبكات الانترنت) وبالتجهيزات الرقمية التي قد تتجاوز الإنسان في ذكائه وطاقته الإبداعية وتقدر على التأثير في سلوكه، وستتغير حاجاته في مظهرها وفي مضمونها وستوجه سبل الإبداع نحو مستقبل آخر، مؤثرة في أجهزة الإعلام ذاتها بعد أن تأثرت بها طويلا.

كلها أسئلة ثقافية وإن بدت أنها تتعلق بالإعلام والتقنية الرقمية. وهو ما يثير السؤال حول "الصناعات الثقافية"؟

لا توجد في مصر صناعات ثقافية، بالمعنى الحقيقي أو بالقدر الكافي، نقول معه إننا نحقق فيه الإكتفاء الذاتي كاملا، وبالشكل الفاعل في تشكيل الثقافة، باستثناء تجميع أجهزة التلفزيون وصناعة ورق الطباعة وخامات الطباعة، مع الاعتماد على استيراد نسب مختلفة من المنتج من الخارج. وحتى اليوم لم توفر الإمتيازات والتسهيلات والحوافز لتشجيع المستثمرين على إقامة هذه الصناعات. مثل تخفيض الجمارك وسرعة الإجراءات للخروج من الميناء الجوي أو البحري.. وهكذا.

ليبقى في النهاية ضرورة التوقف مع ملف الصناعات الثقافية، خصوصا فيما يتعلق بالآلات والأجهزة الخاصة بفنون السينما والمسرح والنشر الورقي وخلافه. وهو ما يلزم البحث وتذليل كل المعوقات، بالتنسيق مع الأجهزة المعنية.

Ab_negm2014@yahoo.com