نحو ديكتاتورية الولي الفقيه في إيران؟

بقلم: نجاح محمد علي

أشاد المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية آية الله علي خامنئي الإثنين 3 أغسطس/آب بتصويت الإيرانيين "غير المسبوق" للرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي وصفه بأنه "رجل شجاع، وعامل مُجدّ وذكيّ"، وذلك في مراسم تنصيب اتّـسمت بغياب مُلفت لقادة المعارضة ولرئيس مجلس الخبراء هاشمي رفسنجاني، ولأسرة الامام الخميني الراحل عنها.كما أنتقد السيد خامنئي الخواص، ووصفهم بأنهم أخفقوا في الامتحان ولن يشفع لهم تقليدهم للامام الخميني في الاستمرار في خداع الشعب...
في يوم تنصيب محمود أحمدي نجاد، الرّئيس المُـنتهية ولايته، الذي أعلنه المعارضون المحتجّـون على "تزوير الانتخابات" يوما للنّكبة، يتذكّـر الإيرانيون (ومعهم كل الذين أيدوا الثورة التي أطاحت بالنظام البهلوي في فبراير/شباط 1979)، كيف كان الخميني يتعاطى مع الجمهورية الإسلامية التي اقترحها على الشعب، فقبلها في استفتاء، اعتبر أيضا أحد الحلول الدستورية لأيّ أزمة، ربما تمرّ بها إيران.

لقد كانت مقبرة "جنة الزهراء" المحطة الأولى لآية الله روح الله الخميني، عندما جاء إلى وطنه قادِما من منفاه في باريس، وهناك أطلق مقُـولته الأولى التي تضمنت الكثير من الدّلالات، ليس فقط بشأن رؤيته لصلاحيات الولي الفقيه "قائد الثورة الإسلامية ومن بعد نجاحها في قيادة الجمهورية الإسلامية"، بل لكي يقول للعالم أيضا إن للشهداء الأموات حرمة يجب أن لا تُدنّس بذريعة تفريق المجتمعين لتأبين ضحايا مظاهرات احتجاجية.
يومها قال الخميني في مقبرة "جنة الزهراء" بضواحي طهران: "أنا الذي أعيِّـن الحكومة بدعم وتأييد من الشعب"، و"أنا الذي أضرب بدعم من الشعب وبقبضتي هذه فَـم حكومة بختيار"... فأسقطها ثمّ عيّـن حكومة ثورية مؤقّـتة، لكنه استعجل صِـياغة دستور للبلاد لكي يُـصبح كل شيء قانونيا في إطار دستور، اعتُبر يومذاك "ميثاقا بين الشعب والولي الفقيه".

وجرت في عَـهد الامام الخميني (فبراير/شباط 1979 – يونيو/حزيران 1989) انتخابات عديدة وحصلت منازعات وصراعات بين أقطاب النظام الجديد وبرزت انشقاقات بين تياراته، لكنه التَـزم عموما الحِـياد الإيجابي لصالح أبناء الثورة، وجعلهم يلتزمون بالقانون الذي حظي بتأييد أغلبية الشعب.

وعندما عجز القانون عن حلّ خلاف اندلع بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، أمر الخميني باختِـراع مجمع تشخيص مصلحة النظام، ليُـصبح الفيصل في حلّ منازعات المجلسين، ولو كان ذلك على حساب أحد طرفي المعادلة: الدستور أو الإسلام.
تنصيب أحمدي نجاد! رغم كل الاعتِـراضات على نتائج الانتخابات الرئاسية، قام خليفة الإمام آية الله علي خامنئي بتنصيب أحمدي نجاد رئيسا لولاية ثانية..

المراسم جرت في حسينية الإمام الخميني، التي هي مقر خامنئي، يلقي فيها خطاباته، وكان يُـفترض أن يحضرها بحسب السُـنّة المُـتعارف عليها، كبار مسؤولي النظام الحاليين والسابقين، كما حضرها سفراء الدول المُـعتمدة في إيران، حيث قام المُـرشد خامنئي بصِـفته "الولي الفقيه"، بتنفيذ رأي الشعب بحسب الفقرة التاسعة من المادة مائة وعشرة من الدستور.
وينصّ الدستور الإيراني على أن الولي الفقيه، هو الذي يؤيِّـد صحة انتخاب الشّـعب للرئيس، بعد أن يحصل على أكثرية الأصوات ويعد أن يؤيِّـد مجلس صيانة الدستور صحة الانتخابات.. لكن تنصيب أحمدي نجاد يواجه مشكلة أساسية، لأن المعارضين، وهم ليسوا مجرّد "مثيري شغب"، كما تعرّفهم السلطة المُـمسكة بكل أسباب القوّة والبطش، يرون أن تنصيبه ليس دستوريا من واقع أن الولي الفقيه استبق مراحِـل الانتخابات وأعلن صحتها، وذلك قبل أن يبت بها مجلس صيانة الدستور.
كذلك، فإن المعترضين على نتائج الانتخابات طعَـنوا في قرار السيد خامنئي، مستندين إلى الدستور الذي يخوِّلهم تقديم شكوى إلى ديوان التفتيش، ومن بعده إلى رئيس القضاء المكلّـف بإقامة العدل ورد الحقوق، وتمّ تجاهل طعونهم من قراءة جديدة روّج لها متشدِّدو التيار المحافظ، وهي أن الولي الفقيه (خامنئي)، هو من يمنح النظام وكل مؤسساته المشروعية..
وأيّـد مراجع دين كبار طعون المرشحين المعترضين، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، ودعوا إلى إلغاء نتائج الانتخابات.. وأفتى كل من آيات الله حسين علي منتظري وأسد الله بيات زنجاني ويوسف صانعي وآخرون، بعدم شرعية تنصيب أحمدي نجاد. ودعا بيات زنجاني إلى مقاطعة الحكومة المقبلة، لأنها غاصبة، وكذلك رأى رجل الدين البارز سيد جلال الدين طاهري أصفهاني..

وبحسب السنّـة المتّـبعة، فأن رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ورئيس مجلس الخبراء، يفترض أن يشارك مراسِـم التنصيب، غير أن موقع الكُـتلة الإصلاحية في البرلمان، أعلن أن هاشمي رفسنجاني لن يحضرها، كما لن يحضرها الرئيس السابق محمد خاتمي، برغم أنه تلقّـى دعوة بهذا الصّـدد كونه رئيسا سابقا، وقد أعلن خاتمي أنه لن يشارك فيها لأنه يعتبر أحمدي نجاد سارِقا لأصوات الشعب..

أما مهدي كروبي، وهو رئيس برلمان سابق، وأن العادة جرت على أن يُـشارك في تنصيب الرئيس رؤساء البرلمان السابقون، فقد أعلن أنه يعتبر حكومة أحمدي نجاد غير شرعية وغير دستورية وسيُـقاطع مراسم تنصيبه، كما سيبقى في خطّ المعارضة ضد أحمدي نجاد.

وبعد تنصيبه، يجب على الرئيس الجديد أن يؤدّي الأربعاء 5 أغسطس اليمين الدستورية أمام البرلمان، وسط تهديدات من المعارضين أنهم سيزلزلون الأرض تحت قدميه... في يوم تنصيبه، الذي يصادف ذكرى الثورة الدستورية "المشروطة" عام 1960 وما فيها من معانٍ عن الحرية والإلتزام بالدستور. كذبة كبيرة! استبق المحافظون مراسم تنصيب أحمدي نجاد بمحاكمة الكثير من أقطاب الإصلاحيين ونشر اعترافات شكّـك فيها الجميع، حتى هاشمي رفسنجاني.
المحاكمة أكّـدت مجددا معادلة بات يؤمن بها الكثير من العاملين في وزارة الإستخبارات الإيرانية، وهي أن سجون طهران ومعتقلاتها، التي يدخل لها المعتقلون أبرياء، يجب أن يخرجوا منها جواسيس ومخرّبين وتائبين ومؤمنين حتى النّـخاع بكل تفسيرات ولاية الفقيه، كما يريد المحقِّـقون والإدّعاء العام.
فما قاله أبطحي في قاعة المحكمة وما بعدها للتلفزيون الإيراني، لا يخرج عن كونه موقِـفا سياسيا من أشخاص، كما أن "إيمانه بولاية الفقيه"، ليس هو مربَـط الفرس في القضية. فزعماء الإصلاح لا ينفكّـون يردِّدون أنهم مع نظام ولاية الفقيه، لكن المُـثير في شهادته التي كانت في البداية تُقرأ من أوراق بيده، هو أن "تزوير الانتخابات كذبـة كبيرة أطلقها الاصلاحيون لانطلاق الاحتجاجات"..؟!
قبل ساعات فقط من اعتقاله، بُعيْد المظاهرات العارمة التي اجتاحت طهران ومعظم المدن، كان أبطحي أكّـد مجدّدا أن الانتخابات مزوّرة وأن المظاهرات للإحتجاج عليها نقلها الدستور في المادة 27، غير أنه انقلب على نفسه وعلى الإصلاحيين، وظهر "نادما تائبا مقرّا بذنبه معترِفا منيبا مذعنا.." في الجلسة الأولى لمحاكمته التي ستظل في الوجدان الإيراني تسجّل للمحقِّقين في وزارة الإستخبارات الإيرانية "مدى التزامهم بنظام الجمهورية الإسلامية"..
سأل أحد هؤلاء المحققين صحفيا معروفا اعتقلته وزارة الإستخبارات ذات يوم، لا لشيء سوى "لتفرك أنفه"، كما أخبروه بعد إطلاق سراحه: "ما هي الجهة الأجنبية التي تتجسّس لصالحها"؟ فأجاب وهو يكتب على أوراق فوقها ترويسة "النجاة في الصِّـدق": قمت بالمشاركة في تأسيس جهاز الموساد عام 1948، ولم يكن عمر الصحفي تجاوز عند اعتقاله الثلاثين. فقال المحقق: لا يا أخي اذكر لنا أشياء معقولة كي نصدِّقك!".

وهذا هو حال محمد علي أبطحي اليوم، إذ أكدت وقائع كثيرة أن وزارة الاستخبارات انتزعت اعترافات من أشخاص بالخيانة، منهم القيادي الوطني عِـزت الله سحابي ثم برّأته محكمة الثورة، التي تضج بالقُـضاة العدول الشّجعان الذين لا يلتزمون بما تُريده منهم وزارة الاستخبارات، وهو ما يرجوه كثيرون لأبطحي ورِفاقه الذين أكدوا مرارا وتكرارا "تأييدهم لنظام الجمهورية الإسلامية وعدم انحرافهم عن نهج ولاية الفقيه".
لكن عن أي ولاية فقيه نتحدّث؟
كما ذكرنا في مقالات سابقة وأيّدتها الوقائع، خصوصا خطاب رفسنجاني يوم الجمعة التي أمّ فيها الصلاة في طهران، فإن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران أخرجت معركة الأوفياء للجمهورية والإسلامية، كما أرادها الإمام الخميني، إلى العلن وإلى الشارع، فالإمام الخميني كان يؤمن بأن مشروعية النظام تنبثِـق من إرادة الشعب، وحتى الولي الفقيه، فهو أيضا يحصل على مشروعيته كونه مُجتهدا عادِلا جامعا للشرائط من نصوص دِينية (يختلف الفقهاء حول صحّتها أو إطلاقها وصلاحيات الولي الفقيه)، ولكنه "لكي يكون مطاعا، تثنّـى له الوِسادة، فعليه أن يحصل على مقبولية من الناس". هذا هو لبّ المشكلة القائمة الآن في إيران.
فمن جهة هناك فريق يضمّ مراجع مهمة، (منهم يوسف صانعي الذي كان يشرح في حياة الإمام وجهة نظر السيد الخميني حول ولاية الفقيه، بواسطة التلفزيون ولم يعترِض عليه الإمام)، ويُـمثِّـله حاليا في المواجهة السياسية هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومير حسين موسوي، يرى أن مشروعية النظام ومؤسساته تنبع من الشعب، ويؤيد الحفاظ على الجانب الجمهوري من النظام إلى جانب إسلاميته، كما يرى هذا الفريق أن المعيار دائما هو صوت الشعب، وأن لا يتم أي تجاوز للدستور.
وهناك فريق آخر يرى غير ذلك تماما، لأنه يعتقِـد أن "المشروعية تأتي أولا من الله إلى النبي إلى المعصوم إلى نائبه الولي الفقيه، الذي يضفي بنفسه على النظام بكل مؤسساته، المشروعية، حتى مع تجاوُز الدستور". ويذهب هؤلاء إلى أكثر من ذلك بالتنظير للولي الفقيه كشخص، بدلا من ولاية الفقيه كنظرية للحُكم كانت مدفونة في بطون كتب أحياها الإمام الخميني الراحل، وهم يعارضون (ويكفِّـرون ويخرجون من الملّـة) من يفكر مجرّد التفكير في استعراض مادّة دستورية عن صلاحيات مجلس الخبراء، وهي محصورة في: "التنصيب والعزل والإشراف".
حتى مجلس الخبراء هذا يريد بعض الفقهاء اليوم تحويله إلى مكان للتأييد، بدلا من كونه مجلِـسا يتركب من فقهاء مُـجتهدين، عيّـن الولي الفقيه بالإنتخاب، وهو يُـشرف على أدائه لعزله إذا فقد شرطا من شروط القيادة. فهل تتجه إيران اليوم إلى "ديكتاتورية الولي الفقيه"؟! نجاح محمد علي، دبي