نحو انهاء الخلط الفادح بين الجماعات الدعوية والأحزاب السياسية

مازال البرنامج السياسي للاخوان المسلمين أقدم الحركات الاسلامية العربية يثير في نفسي الكثير من الجدل والأسئلة حول مدى أهلية الحركة الاسلامية العربية لتصدر المشهد العام وممارسة دور الطرف الغالب أو الراجح أو الشريك في الحكم.
ما حققته هذه الحركات من رصيد جماهيري نتيجة رفعها لشعار الاسلام هو الحل، أو لشعار تطبيق الشريعة الاسلامية كبديل عن المنظومة التشريعية القائمة، أو تركيزها في خطابها على تطبيق المشروع الاسلامي جلب لها بلا شك الكثير من الأنصار والجماهير وذلك لما في لفظ الاسلامي كرصيد تاريخي وحضاري وتوحيدي وأخلاقي من جاذبية فطرية لا يمكن المجادلة فيها.
تفاصيل ما هو اسلامي في التشريع والنظرة للمرأة والفنون ونمط الادارة السياسية، علاوة على استصحاب البعض من قيادات هذه الحركات لصورة الشيخ العالم الذي يجمع بين المكانة الروحية والدينية مع الأهلية السياسية يجعلني مع جزء كبير من النخبة العربية والاسلامية أمام مخاوف حقيقية من التوظيف والاستغلال السيئ لموجات الضغط الجماعي من أجل بسط سلطان الاصلاح السياسي.
الألفاظ التي يقدم بها قادة الحركات الاسلامية للناس في وسائل الاعلام - فضيلة الشيخ - مولانا - حجة الاسلام - اية الله - فضيلة العلامة...- بالاضافة الى الطريقة التي يدير بها الكثيرون الحملات الحزبية التعبوية أو الانتخابية والتي ترتكز على كثرة الاستشهاد بالنص الديني سواء كان في محله أو غير محله، مع تقديم النفس في صورة المناضل من أجل حماية القيم والتشريعات الدينية في مواجهة سلطات رسمية توسم بالفساد الأخلاقي والاستهتار، كل ذلك يجعل الرأي العام والشارع في مواجهة أحزاب من نوع خاص لها القدرة الحتمية على اكتساح البرلمانات وتهديد التوازنات وتغيير التشريعات وتشكيل نموذج مجتمعي منغلق لا يحظى بكثير من التأييد بعد التلظي بنار سلطاته (انظر تذمر الشارع السوداني بعد انقلاب حسن الترابي والحالة الايرانية التي بدأت تشهد تراجعا شعبيا في ظل انتكاس للحريات، والحالة الشعبية في غزة في ظل استعمال حماس لعنف الأجهزة في مواجهة نضالات مدنية لحركة فتح...).
لقد استطاعت الحركات الاسلامية المحافظة والأكثر شعاراتية والأكثر توظيفا للفضاء الديني والأكثر استثمارا لشعارات التهليل والتكبير وتحرير فلسطين، استطاعت أن تكون الأكثر جماهيرية في الانتخابات والأكثر نجاحا في تحويل المطالب من الرفاه والتنمية والنهوض العلمي والاقتصادي الى مطالب لا يخرج مدارها في كثير من الأحيان عن تأجيج الصراعات الداخلية والتوثب بالجبهة الداخلية نحو صراعات اقليمية ودولية لاشك في أن المنطقة العربية والاسلامية في غنى عنها.
واذا كنا قد قلنا مرارا وتكرارا بأنه لا بأس لدينا من وجود أحزاب ذات مرجعية فكرية اسلامية، الا أن هذا لا يعني بالضرورة القبول بنماذج لأحزاب ليس لها من برامج سياسية الا شعار الاسلام هو الحل أو شعار تطبيق الشريعة الاسلامية من زاوية الفقه الجنائي!
الأحزاب كما وسبق أن أشرنا الى ذلك في معرض نقدنا للبرنامج السياسي للاخوان المسلمين لها اليات في العمل والتأطير وهي لا تقوم حتما على تحويل حياة الناس الى خطب وعظية وارشادية لا هم لها سوى التحدث عن مبشرات الهداية وعواقب الضلال.
هناك برامج عملية تفصيلية لابد أن تقدم للناس بمجرد الاعلان عن الحزب وطواقمه البشرية، فقضايا الفقر والمرض ومشاكل البيئة والتعليم والتنظيم الاداري ومعالجة قضايا التضخم وعجز الميزان التجاري وتطلعات البحث العلمي ومشكلات الشباب وقضايا التغطية الاجتماعية ومشكلات العطالة وحاجيات التقاعد...، كل هذه القضايا وغيرها لا يمكن حلها بشحن الناس بالخطب الدينية أو بالحديث عن فضل السلف الصالح رضي الله عنه وأرضاه أو بصيحات التهليل والتكبير في الساحات العامة أو بالتظاهر قبالة سفارات الدول العظمى!
اننا في كثير من الأحيان نقف أمام حالة تسطيح اسلاموي لمشكلات الناس وتحديات المجتمع الى الدرجة التي يصبح فيها الحديث عن منظومة حزبية مدنية عقلانية بديلة ورصينة من قبيل اصطياد الوهم في بحر من السراب.
واذ عرفت أحزاب عربية أو أعجمية ذات مرجعية اسلامية الكثير من التألق والنجاح والتصدر السلس للمشهد السياسي العام، فان ذلك مرده الى نسبية الطرح ومدنية الهيكلة والوضوح البرامجي الذي يبتعد بالخطاب الاسلامي عن تهييج العواطف ودغدغة الوجدان، حيث أن تجربة حزبي العدالة والتنمية في المغرب الأقصى وتركيا لم تقوما على استعراض أمجاد المسلمين في الماضي أو على التغني بما فعلته الدولة الادريسية أو نظيرتها العثمانية في عصور ولت ومضت، وانما سعت عمليا ومن منطلق فهمها المتحضر والمتمدن والمتطور للاسلام الى تقديم حلول وعلاجات حقيقية لمشاكل مجتمعاتها ودولها ابتداء من الاقتصاد مرورا بالسياسة وصولا الى العلاقات الدولية- الحالة التركية طبعا.
الحركات ذات المرجعية الاسلامية لابد أن تفهم بعد سلسلة متتالية من الاخفاقات والنكسات أن دور التهييج الشعبوي والتضخيم الاعلامي والسياسي من خلال لعب دور الضحية في مواجهة سلطة الجلاد، ليس له من معنى حقيقي في ظل ضحالة الزاد الفكري والعلمي والسياسي والتربوي لكثير من كوادرها وهو ماساهم في صناعة هياكل تنظيمية ضخمة يقودها في كثير من الأحيان دعاة ومبشرون يتقنون الحديث عن الجنة والنار وعذاب القبر واليوم الاخر والقضاء والقدر واللباس الاسلامي والاختلاط وفقه العبادات...في مقابل جهل تام بفقه تسيير الأحزاب الحديثة وكيفية استيعاب الطاقات الفكرية والسياسية المبدعة وادارة الدولة المدنية الحديثة وفي ظل غيبوبة كبرى عن استيعاب ماشهده العالم من ثورات معرفية وعلمية واقتصادية لازال الجسم العربي والاسلامي بعيدا عنها.

مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي، رئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية reporteur2005@yahoo.de