نحو الهاوية نسير

بقلم: خالد منصور

في العادة اذهب مرة او مرتين في الاسبوع الى المقهى الوحيد الكائن في مخيمنا، حيث اجلس على ناصية الطريق العام واحتسي القهوة واغوص قي الحديث مع الاصدقاء والمعارف، برغبة كبيرة مني في التعرف على همومهم ومشاكلهم واتجاهات تفكيرهم، ولكي اسمع ايضا الاخبار التي لم اسمعها طيلة الاسبوع - بسبب انشغالاتي الوظيفية بعيدا عن مخيمي - وهو الذي ارتبطت به بشكل اصبحت فيه غير قادر ابدا على هجره او الفكاك منه.
هناك في المخيم ورغم قسوة الحياة، بسبب الفقر والبطالة ونقص الخدمات والاكتظاظ الشديد، والتي ولدت مظاهر العنف والفوضى وشيوع التمرد - الذي بدا ضد الاحتلال اولا وامتد بعدها ليطال القانون والعادات والتقاليد حتى وصل الى الاسرة .. رغم كل ذلك الا انني اجد نفسي مرتاحا جدا لوجوه الناس في المخيم، واستطيع التعايش مع كل السلبيات المنتشرة فيه، وهذا يعود لاسباب كثيرة اهمها انني ابن مخيم - ولدت وتربيت في ازقته واعرف الجوهر الطيب للناس، واسباب ودوافع تصرفاتهم وسلوكهم، واعرف اكثر من ذلك كم يختزنون في قلوبهم وصدورهم وعقولهم من المخزون النضالي، الذي يتفجر دوما في وجه المحتلين كلما حاولوا الاقتراب من المخيم.. واشعر دوما بالانتماء القوي لهذا المجتمع الذي اصبح له مع الايام سماته الخاصة، التي تميزه عن مجتمعات القرى والمدن.
لكن اجواء المخيم وانشغالات سكانه لم تعد هي نفسها كما كانت قبل بضع سنوات، فالحديث بالسياسة الذي كان يطغى على كل شيئ في المخيم (بشكل متميز) تراجع الى حد كبير، وحل محله الحديث عن لقمة العيش - عن الغلاء وعن انعدام فرص العمل وعن النقص في الخدمات وعن امكانية عودة ازمة انقطاع الرواتب - والناس في معظمهم يشكون ويئنون من افة الفقر والغلاء، وهمهم الاكبر كيف يتدبرون احوالهم ويوفرون لعائلاتهم الحد الادنى من الاحتياجات، وعند اقتراب مناسبة كشهر رمضان او افتتاح المدارس يبدا القلق يخنق ارباب الاسر.. وعندما تسال الشباب عن دوافع مشاركتهم بصخب بالغ في حفلات افراح الزواج يقول لك الواعون منهم: انه الفراغ الكبير الذي يعيشه الشباب، او هو محاولة منهم للتنفيس عن الضغوط الشديدة التي يعيشون تحتها. اما السياسة فهي وان كانت لا تغيب عن احاديث الناس-- الا ان الحماس السابق للحديث فيها لم يعد كما كان، فالاحباط الشديد يطغى على الغالبية العظمى، وتراجعت تساؤلاتهم الكثيرة - ليس لانهم يجدون اجابات عليها- ولكن لان كل الاجابات اما ناقصة او تزيد من حالة التوهان والارباك التي يعيشون، حيث غياب تام للافق السياسي، وتنامي الشعور بان الحل العادل للقضية الوطنية اصبح ابعد بكثير عما كان عليه في السابق.
يقول العامة من الناس اننا وبالكاد كنا قادرين على الصمود في وجه الاحتلال ومخططاته حين كنا موحدين وقضيتنا موحدة.. ومع الانقسام الحاصل في القيادة - والذي ادى الى تجزئة الوطن - فان النتيجة المؤكدة كما يقولون هي هزيمتنا، وتحقيق عدونا لمكاسب متسارعة لم يكن يحلم بتحقيقها بهذه السهولة.. ويتنامى الشعور بان الانقسام قد تكرس نهائيا، فغزة مستقبلها سيكون مع مصر، والضفة ستعيش تقاسم وظيفي بين الاحتلال والسلطة الوطنية والاردن.. ويورد الناس امثلة وشواهد تؤكد على صحة اقوالهم بالقول ان 80% من الجهد والامكانيات المالية والبشرية والاعلامية (التي هي بحوزة اطراف الصراع الداخلي) تستنزف في الصراع الداخلي، الامر الذي يجعل عملية الكفاح الوطني ضد مخططات واجراءات الاحتلال اما ضعيفة او ذات طبيعة اعلامية واثبات للوجود..
حرب شعواء يقوم بها الاحتلال ضد شعبنا - من خلال تكثيف مصادرات الاراضي، وهدم البيوت، والاجتياحات، والاعتقالات، وتشديد الحصار، والاجراءات العقابية على الحواجز.. وحرب ضروس يخاض غمارها داخليا يدفع ثمنها المواطن، حيث تنتهك حرياته وحقوقه، وتضرب مؤسساته - التي تقدم الخدمات الضرورية والمفيدة للفئات الشعبية الفقيرة - الاحتلال يستغل خلافاتنا الداخلية، ويعمل جاهدا لتعزيز حالة الانقسام.. يبتز حماس في غزة بعد ان حقق التهدئة هناك. وفي الضفة يبتز السلطة الوطنية ويمارس عليها كل الضغوط لاضعافها وزعزعة ثقة المواطن فيها، وهو يرسل لها هذه الايام رسائل خطيرة من خلال تصاعد وتيرة عملياته، ليقول لها اما ان تقدمي تنازلات سياسية في المفاوضات، فتقبلي بما هو مطروح من حلول هزيلة تنتقص جذريا من الحقوق والثوابت الوطنية، واما ان يكون مصيرك التهميش الكلي مقدمة للبحث عن بدائل اخرى.
اما الحوار الوطني الشامل، فالواضح وكما تقول الغالبية العظمى من الناس في بلادنا، انه موقوف ومجمد ليس لان هناك اطراف اقليمية ودولية تتلاعب به بل وايضا لان هناك في طرفي الصراع من لا يريده ويعمل جاهدا على منعه من خلال التشدد بوضع الشروط، او من خلال التصرف على الارض بما يكريس حالة الانقسام. وتضيع في هذه الاجواء مبادرة الرئيس ابو مازن ومعها الية الحل التي وضعها رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض-- وهي الالية التي ليس مفهوما او منطقيا ابدا رفضها او تهميشها-- لما تحويه من حل ممكن وواقعي لشعبنا من ازماته الداخلية، تمهيدا لحشد كل الطاقات الوطنية في معركة المواجهة مع مخططات الاحتلال..
يقول احد لاجئي مخيمنا: الصراع الداخلي محتدم، وقوى اليسار تسير نحو وحدتها بسرعة السلحفاء، وحركة الجماهير الشعبية لا تجد من يعطيها الامل، ويرسم لها الافق، ولا من يعطيها الاجابة على تساؤلاتها الكبيرة والكثيرة، واكثر من ذلك لا تجد من هو مستعد لتقدم صفوفها وخوض غمار معاركها-- بجراة المناضل المستعد لدفع الثمن. كنا نحلم بالعودة والتحرر والدولة، واليوم ها هو حلمنا يتلاشى ويبتعد اكثر فاكثر، ويبدو ان ساستنا وزعاماتنا (على مختلف الوانهم) استبدلوا ذلك الحلم باحلامهم الخاصة - بممالك وكيانات سخيفة ممسوخة، تحفظ لهم كراسيهم وتبقي لهم حيزا لممارسة نفوذهم-- ويضيف ذلك اللاجئ المحبط اليائس: نحو الهاوية نسير، ولم يعد هناك ما يبعث الامل فينا، فقيادتنا محبطة اكثر منا، والقطيعة والتخوين والتكفير هو السائد في لغة خطابنا ضد بعضنا، وسجوننا في كل مكان مملوءة بمعارضينا، وبسهولة نقوم بتشريع قمع بعضنا لبعض.. بينما يسارع عدونا الخطى لتكريس الوقائع الجديدة على الارض، بحيث سنجد بعد ان نصحو من غفلتنا انه لا مكان لنا نقيم فيه دولتنا.. فنحن بايدينا نهدم كل ما امضينا في بنائه عقود من النضال وما قدمنا من اجله الغالي والنفيس من ارواحنا ودمائنا.

خالد منصور، مخيم الفارعة farman1958@gmail.com