نحو استراتيجية سلفية لمواجهة القاعدة

تضطرب آراء السلفيين ومواقفهم تجاه القاعدة، فمنهم المؤيد المتعاطف معها مع الإقرار بوجود الغلو والتطرف والانحراف عن الشرع، ومنهم المعارض لها معارضة لا تقدم ولا تؤخر لأنها معارضة توافق الهوى الرسمي للأنظمة والحكومات ـ دون قصد ـ كما أن بعض هؤلاء يحمل نظرة سلبية غير متزنة للحركات الجهادية المعاصرة ليُدخل القاعدة في صفها فيحصل الاختلاط ويقع الالتباس ويضيع الحق ولا تُصاب القاعدة بأي ضرر من جراء هذه المعارضة، وهذه الفئة من السلفيين تمثل تيار السلبية والانكفاء وفقدان النظرة الشمولية المتكاملة للمنهج السلفي.

والفئة الثانية هي الفئة المنسلخة من واقعها التي تنأى بنفسها عن القضايا العامة كالجهاد والسياسة، وتظن أن السلفية مجرد مؤلفات ودورات ومتون يتم شرحها في بضعة أسابيع.

أما الفئة الواعية المتيقظة لخطر القاعدة فما زالت أقلية في بحر من السلبية ومجافاة الواقع والكفر به، كما أن هذه الفئة لا تصدر في عملها من حرص على الدعوة السلفية حرصاً خاصاً، لأن هذا الحرص يختلف عن الأسباب العامة التي تدفع أي غيور على الدين لمواجهة فساد القاعدة وإفسادها.

فالمقاومة السلفية للقاعدة إن لم تكن منطلقة من معرفة بأهداف القاعدة ومقاصدها في دعوتها وعملها لن تحقق أهدافها ولن يؤتي ثمارها، وستواصل القاعدة تمدداً في إفسادها، ويزداد السلفي غفلة عن مشروع عدوه "القاعدة".

لا بد للعمل السلفي المقاوم للقاعدة أن ينطلق من ضرورة الحرص على مستقبل الدعوة وضرورة بقائها في المجتمعات، وإزالة كل العقبات الحائلة دون وصول مبادئها وأفكارها إلى المسلمين.

إن القاعدة مرض وخطر وبلاء يداهم الأمة ويهدد كل الدول والشعوب، لكننا نجد تهاوناً وعبثاً وعدم اكتراث بمقاومتها والتصدي لها من قبل كثير من النخب المثقفة والجماعات الإسلامية والحكومات العربية، والأشد من هذا أن طائفة من الإسلاميين غير السلفيين والعلمانيين وبعض الأنظمة تسعى دائماً لضرب السلفيين بحجة الإرهاب والتطرف، فتعمد إلى الجمع بين القاعدة والفكر السلفي، وتتعمد ذلك رغم يقينها بأن الطرفين على خصومة وعداوة كبيرة، وأن السلفية الإصلاحية في القديم والحديث هي أعدى أعداء المنهج الثوري المتطرف.

نتيجة لذلك فلا بد من إعداد استراتيجية سلفية لمواجهة القاعدة، تجعل مقاصد الدعوة ومصالحها العليا محور هذه الخطة وقطب هذا الجهاد الذي هو إحياء وتجديد لسنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحاربة المارقين.

والأهداف العليا لهذه الاستراتيجية تتلخص في:

1- التصدي لإيران ومشروعها الشيعي

فجهاد الشيعة والتصدي لخطرهم هو أعظم الجهاد في زماننا، بل أعظم من جهاد المحتل اليهودي في فلسطين والغزاة الأميركان، وهذا يُدرك بالنظر إلى طبيعة العدو ومدى ارتباط إفساده بمعتقده، وإلى واقع المواجهة من الناحية السياسية والعسكرية وأثرها على الأمة.

والتصدي للتشيع من أولى أولويات العمل السلفي لا يجادل في ذلك إلا تلكم الفئة السلفية النائمة الغافلة عن واقعها، والشيعة يشهدون بأن السلفية هم طليعة الطائفة المحاربة لمشروعهم.

فإذا عُلم هذا، فلا بد من التسليم بأن تنظيم القاعدة كتيبة إيرانية ومليشيا شيعية بمظهر ولباس جهادي وصبغة وحلية إسلامية، وهذا أمر لا يحق التوقف فيه، والسكوت عنه بغية البحث والتحقق وانتظار قيام المزيد من الدلائل والشواهد على علاقة القاعدة بإيران.

فالكلام بغير علم محظور في شرعنا، والجدال بغير حجة وبينة حرام في ديننا، وشيخ مشايخ الإسلام لا يحق له الكلام إلا في نطاق علمه وحدود معرفته، فأي مسألة يجهل تفاصيلها ويفتقد أي تصور عنها، فشأنه وشأن العامي سواء لا يحق له الخوض فيها وإبداء الرأي وإطلاق الحكم عليها.

ومن المؤسف القول بأن كثيراً من علمائنا السلفيين مغيبون عن حقيقة القاعدة جاهلون بسياساتها وتحركاتها ودورها في خدمة العدو الإيراني.

2- قطع الطرق أمام الإسلاميين من مناوئي الدعوة

وهذا كما قدّمنا لأن خصوم السلفيين يتعمدون الجمع والخلط بين القاعدة والفكر السلفي، يبتغون بذلك تحريض الحكومات وتأليب الرأي العام ضدها، فلا بد للدعوة من حماية كيانها والتيقظ لعدوها الداخلي المتمثل بالفئات الدينية المخالفة للسلفيين كالصوفية والإخوان وغيرهم من تيار الإسلام الحداثي الليبرالي الذي يصف السلفية بـ"الأصولية النصية الجامدة المتشددة المحافظة" فهذا الاتجاه يجعل من مبادئ السلفية وقوداً للتطرف والفكر الدموي المتشدد، وهو في الحقيقة جهل مركب من جهل بالفكر السلفي، وجهل بأسباب الغلو والتطرف.

فمن أجل ضمان استمرار الدعوة ومواصلة عطائها لا بد من التيقظ لأعدائها وخصومها الذين يحاولون صدها عن تحقيق أهدافها، وصد الناس عنها الخير الذي تحمله للناس، واليقظة والوعي لا تكفي إذ لا بد أن يتبع ذلك خطة عملية واقعية لكيفية التصدي.

3- قطع الطريق أمام العلمانيين

فالعلمانية المتمثلة بالأنظمة أو الأحزاب ومراكز الأبحاث ينصب جهدها على مواجهة الحركات الإسلامية الناشطة والفاعلة على المستوى الفكري العقدي (السلفية)، أو السياسي التنظيمي (الإخوان)، وهي قد تضطر إلى موادعة الإخوان والتعامل معهم، لكنها لا تتقبل فكرة مهادنة السلفيين، ومن أجل ذلك تعمل جاهدة للنيل منهم بشتى السبل، ومن أشهرها وأشدها تأثيراً: الطريقة التقليدية وهي الاتهام بالإرهاب والتشدد والتطرف.

إن لم يبادر السلفيون إلى محاربة القاعدة فسيبادر خصومهم (من العلمانيين والإخوان وغيرهم) لكنهم لن يستهدفوا القاعدة، وإنما سيتركز الجهد على محاربة العمل السلفي بحجة الإرهاب والتطرف، فشعار السلفية في محاربة القاعدة {حتى لا تكون فتنة}، وقول الله تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبين الذين ظلموا منكم خاصة}.

4- التفريق بين الجهاد الشرعي السلفي والعمل الثوري

وهذا أمر ضروري لا بد منه لأمرين:

الأول: لأن كثيراً من العمل الثوري الإسلامي في زماننا نُسب إليه الجهاد واكتسب حصانة نتيجة حُلّته الدينية بالرغم ما يتضمنه من مخالفات وأخطاء يفوق ضررها والفساد المترتب عليها المنكر والشر المراد دفعه، وهذا أمر غفل عنه كثير ممن يسمون بالجهاديين ومن يناصرون هذا الاتجاه، فهم يدعون إلى تطبيق الشريعة ويتخذون ذلك شعاراً ومناراً ومحوراً لعملهم، وهم أول من غيب الشريعة وأسقطوها من حساباتهم ولم يتحروا التقيد بها والالتزام بأحكامها في عملهم المسلح، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولن تفلح الحركات الإسلامية المسلحة ما لم تلتزم بالجهاد الشرعي المقيد بالأحكام والضوابط والمصالح، أما انتهاج منهج عاطفي ثوري قائم على معاني "الحرائر المعذبات المغتصبات، الأرض والكرامة المسلوبة، الحنين إلى أيام الانتصارات والأمجاد" وصبغ ذلك كله بصبغة جهادية فهذا من أعظم الإثم والمنكر الذي ينبغي إزالته إن كان هناك حرص على بقاء الجهاد وبلوغ أهدافه.

إن الأهواء والبدع هي أشد المنكرات التي حاربها السلفيون، لكننا ـ كإسلاميين ـ نغفل عن أهواء الإسلاميين وتجاوزهم الانضباط الشرعي والاحتكام إلى الكتاب والسنة فيما يستجد من قضايا وحوادث، وكل ذلك باسم "العمل الإسلامي والجهادي ومن أجل تطبيق الشريعة"، وهذا من المضحكات المبكيات.

فالقاعدة تعبث بدماء الموحدين كما تشاء، وحماس تتعاون مع إيران والعلويين، والإخوان يتقربون من إيران، والعلماء والسلفيون يلتزمون الصمت إزاء هذا المفاسد، وكل هذه المنكرات والكبائر ترتكب من قبل طليعة الأمة المجاهدة!

وهذا العبث وتلك الأهواء من الإسلاميين الغيورين على الدين ـ ولا يجادل أحد في غيرتهم ـ ناتج من أمرين إما الجهل بالدين ـ وهذا أساس كل مصيبة وبلاء ـ أو عدم الاكتراث بمستقبل الدعوة والدين إذ لا يوجد ما يؤشر على وجود حرص على مستقبل الإسلام في ظل "مراهقة الإسلاميين"، فالنية الحسنة والقصد السليم لا يكفيان لإثبات ذلك، فلسنا مرجئة لنكتفي بما في القلب كدليل على الإيمان، ولن ننجر إلى إرجاء من نوع جديد يمكننا تسميته بـ"إرجاء الجهاديين" الذين يكتفون بصلاح النية دون صلاح العمل فلا بأس بما يقع من أخطاء ومخالفات وطامات إن كانت النوايا صادقة، وكثير ممن يجادل عن القاعدة يحتج بالنوايا والمقاصد دون الأعمال والنتائج، وهذا من أعظم الفساد.

الثاني: أن القاعدة أصبحت حجر عثرة وعائقاً كبيراً أمام إزالة المنكر والأمر بالمعروف وإقامة الجهاد الشرعي، فإن نجحنا في تطهير الساحة من منكرات القاعدة فإن ذلك سيفسح المجال أمام الإسلاميين لإقامة ما يتمكنون من أمر الله تعالى، فلا سبيل للإصلاح والتغيير والجهاد بوجود فساد القاعدة لأنها ستعمد بطريقة أو بأخرى لإفساد عمل المصلحين.

كما أن القاعدة "سلاح أعداء الإسلاميين" في محاربة النشاط الإسلامي، فلو تمكن الإسلاميون من تجريد العلمانيين وكل خصومهم من هذا السلاح فسيكون لذلك أثر عظيم على مستقبل الدعوة إن شاء الله.

تنشط القاعدة في زماننا في سوريا والعراق (مناطق أهل السنة ) ومصر (جزيرة سيناء) واليمن (بعيداً عن مناطق الشيعة الحوثيين) والصومال وباكستان، وينشط معها الفكر الثوري نتيجة طغيان أعداء الدين، وهذا ما يولد تعاطفاً معها وميلاً لجانبها وسكوتاً عن منكراتها، وهذا يستوجب جميع الإسلاميين ـ وفي مقدمتهم السلفيين ـ التحرك العاجل والسعي الحثيث من أجل إيقاف هذه الفتنة أو التخفيف من آثارها وتداعياتها على مستقبل الدين والبلاد والعباد.

إن بقاء الدعوة السلفية قوية صلبة سليمة ثابتة في ميدان يموج بالمخالفين والحاقدين، هو أعظم مصلحة ينبغي العمل من أجلها، ولا يوجد ـ في نظري ـ مصلحة تتقدمها، فإن لم يكن العمل السلفي منطلقاً من هذا الإطار فلن ينجح في البقاء في محيط وبيئة يسعى الإسلامي قبل العلماني إلى طرده منها والتضييق عليه ومحاربة أفكاره ومبادئه.