نحن وسامسونج

يقول رجل أعمال أميركي "أرسلت إلى شركة سامسونج للاطلاع على طريقة أداء الموظفين للعمل ومعرفة سبب تفوقهم، وقد دهشت لدرجة الدقة المطبقة لديهم، وأينما نظرت، رأيت المدير العام، كيف له أن يتنقل بهذه الصورة؟" استنتج رجل الأعمال الأميركي أن المدير العام له وظيفة في سامسونج مختلفة عن بقية الشركات، ولكن في الحقيقة فهي ليست مختلفة، ولكنه كثير الظهور والاختلاط بالموظفين حرصا منه على حسن سير العمل. وبالفعل فإن تجول المدير في كافة الأقسام بشكل يومي والحوار مع الموظفين وإعطاء تغذية راجعة لهم يبعث فيهم الحماس، ويشعرون بأهميتهم وأهمية العمل الذي يقومون به.

شاهدت بعض الأفلام على يوتيوب عن شركة سامسونج وهذا خلاصة ما فهمته. في البداية قام المسئول التنفيذي بعقد اجتماعات لمدة أسبوع مع رؤساء الأقسام للتأكد من وضوح الرؤية والرسالة التي تتبعها الشركة، وقام بطباعة دليل الموظف لكافة الموظفين وأوعز للمدراء بتخصيص أسبوع دراسي لهذا الدليل لضمان فهم الجميع للدليل. كما قام المسئول بتركيب نظام تسجيل خاص بالصوت والفيديو يرتفع تلقائيا لما يسمونه سحابة Cloud، أي أنها تذهب إلى المسئول والمدراء، مع توضيح هذا النظام للموظفين، لكي يعرفوا أن كل ما يقومون به مسجل، فإذا ظهر أن هناك أخطاء فنية، فإنهم يعودون إلى السجل لتحديد مصدر الخطأ، والتعامل معه. وإذا حدث سوء تفاهم أو شجار بين الموظفين، يعود المسئول إلى السجل لمشاهدة ما حدث بالضبط والبت في الخلاف. وبهذه الطريقة، يتصرف الموظفون بمستوى مهني مرتفع جدا، وفي الواقع أن هذه طريقة رائعة لضبط سير العمل، إذ أن تسجيل كل شيء بالصوت والصورة والايميلات وكل حركات الموظفين يحول دون استهتارهم بالعمل أو التنمر على بعضهم البعض، وهو ما يحدث كثيرا في مجتمعنا العربي، إذ يرفعون أصواتهم دون حياء. وحبذا لو يستخدم هذا النظام في المدارس، لكي ينضبط الطلاب ويساعدوا المعلم على الشرح وإدارة الصف. أما من يجادل بالقول بأن هناك انتهاك للخصوصية، فالخصوصية لا تكون في مكان العمل.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن موقع مبنى سامسونج عبارة عن مدينة متكاملة يتوفر فيها مراكز التعليم والتدريب والرعاية الطبية والمطاعم والصالات الرياضية والحدائق، كما أن داخل المصانع مكان مريح وواسع ومضاء جيدا ويوجد تكييف مركزي ونظافة منعشة.

أما من حيث التدريب والتطوير والأبحاث والابتكار، فإن مراكز التعليم والمختبرات مجهزة بأفضل المعدات، والموظف الذي يتمكن من الابتكار، يسجل الابتكار باسمه وتحفظ له الملكية الفكرية، ويكافأ مكافأة مالية مجزية نظرا لأن الشركة ككل تستفيد من الابتكار، وعند تقييم الموظف، يؤخذ بعين الاعتبار تحقيقه لمؤشرات الأداء ومستوى إنتاجيته، وبذلك يكون هناك تمايز بين المجتهد والكسول. ومن السهل جدا التحقق من ذلك بالرجوع إلى سجل الموظف الذي كان يرصد تحركاته وأداءه للعمل.

بالطبع هناك من يقول أن هذا النظام تضييق على الموظف، ولكن في الحقيقة أن مكان العمل ليس للاسترخاء، وعندما يكون هناك نظام صارم يطبق على الجميع، يكون الجميع راضين ومرتاحين نفسيا، وطالما أن الرواتب والامتيازات مرتفعة، فالكل مستعدون لتقبل هذا التقييد وبذل ما بوسعهم لكي يحافظوا على مستوى معيشة مرتفع لهم ولعائلاتهم. كما أن ازدهار الشركة وزيادة أرباحها تضمن لهم استمرار وظائفهم، فمن هو الموظف الذي سيترك عملا براتب مرتفع ورعاية صحية ومدينة متكاملة ومجهزة بكل شيء لهم ولعائلاتهم، وليس هناك موظف مفضل على الآخر، وهناك عدالة في الترقية والمكافآت واستمرار في التدريب والتطوير، كما أن الصرامة والحزم مطبقة على المسئول قبل الموظف العادي، فما المشكلة بالتقييد والتضييق؟ أليس ذلك يصب في مصلحة الدولة والشركة والموظفين؟