نحن .. والجزيرة

1

بداية لست من العشاق الدائمين لأي قناة فضائية أو أرضية، وفي نفس الوقت لا أميل إلى مقاطعتها بالكلية. فكلا الموقفين يعبران عن نظرة متطرفة. بل ابحث عن الفائدة العلمية والثقافية والتاريخية في أي وسيلة إعلامية كانت، لأنني افضل الانفتاح المعرفي والثقافي المفيد على الانغلاق على الذات الثقافية لان أهمية التزود بالثقافة والمعرفة لنمو فكر الإنسان وإدراكه كأهمية الطعام والشراب لنمو جسمه.

همي الإعلامي هو هم كل عربي يبحث عن الخبر والحقيقة حيثما كانت. ولذلك لا أتعجب إذا ما رأيت عجوزا أو شيخا كبيرا في منطقة نائية عن المدنية ليست له توجهات ثقافية مسبقة يقلب موجات الأثير بأصابعه متنقلا من عالم لآخر بحثا عن أي صوت ينقل له أخبار العالم ومستجدات الأحداث، فهولا يهتم بجنسيتها ولا تاريخها؛ فقط يهتم بالخبر أو الحدث. كما انه لا يهتم كثيرا إذا ما جاءه الخبر مجردا أو متلبسا ببعض النوايا ولن يطيعك بالعدول عنها لأنه ببساطة لم يجد البديل المقنع في جودته. والجودة الإعلامية تعني السرعة والمتابعة والانفراد بصرف النظر عن الرغبات أو الخلفيات.

تلك مقدمة أراها ضرورية للحديث عن قناة الجزيرة التي أصبحت بطريقة عرضها للبرامج ومتابعتها للأحداث وبأسلوبها المنفرد والجريء في نبش القبور قضية في حد ذاتها مما زاد من شعبيتها وكرس الاهتمام بمتابعتها في المنطقة العربية مما أدى إلى تشجيع التوجه الإعلاني والدعائي نحوها.

العاصفة العربية الرسمية هدأت نتيجة لهدوء أسلوب القناة في العرض على الأقل مقارنة ببدايتها القوية وغير المسبوقة التي أثارت عليها الإعلام العربي داخل وخارج الجزيرة العربية. حينها، بدأ الكتّاب يتقدمهم رؤساء التحرير في أقطار تدعي حرية الصحافة، في كتابة المقالات الهجومية وكيل الاتهامات لها بالعمالة والانحياز مع اختلاف الدوافع والمنافع. بل وصل الأمر مع بعض الدول العربية إلى القطيعة الدبلوماسية مع دولة المقر. تصوروا، في عصر العولمة والتكتلات تقطع الدول الشقيقة علاقاتها الدبلوماسية مع بعضها بسبب برنامج أو خبر سياسي!

لقد أخذت قناة الجزيرة حيزا كبيرا في أذهاننا ومنتدياتنا وخصصت لها المقالات؛ الكل يبحث والكل يرجح بين عدة منطلقات وأهداف وخلفيات لهذه القناة. فبعض الجهات اتهمتها بالإسرائيلية. والبعض قال إنها أميركية. وقال آخرون إنها عراقية. وعلى ساحات الإنترنت وُصفت بقناة "الرافضة".

2

هذا في الجانب العربي. أما الجانب الآخر فقد شنت بعض الأقلام الإسرائيلية هجوما لا يقل شراسة عن الأقلام العربية حيث نشرت صحيفة ذي جيروسالم بوست THE JERUSALEM POST مقالا للكاتب "دان وليمز" يحذر فيه من أن قناة الجزيرة أصبحت تشكل خطرا كبيرا على أمن إسرائيل بسبب ما تنقله من أحداث ومشاهد من الانتفاضة إضافة إلى نقلها الحي لسقوط بعض الضحايا من الكبار والصغار ومنها مشهد سقوط الطفل محمد الدرة.

وتكمن الخطورة، في رأي الكاتب، أن هذه القناة تثير الرأي العام العربي وتزيد من نقمته على إسرائيل. وهذا التحذير أو الهجوم اليهودي يأتي ضمن السياق الإعلامي الإسرائيلي ضد كل من يفضح ممارساتهم وانتهاكاتهم. كما بعثت مؤخرا الخارجية الأميركية بمذكرة احتجاج للحكومة القطرية على أسلوب تناول قناة الجزيرة وتغطيتها لأحداث 11 ايلول/سبتمبر في نيويورك وواشنطن بشكل يعطي الانطباع لدى الرأي العام على أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط هي المسبب الحقيقي لتلك الهجمات إضافة إلى عرض اللقاء الكامل مع المتهم الرئيس عند الأميركان، وهو أسامة بن لادن، بطريقة تعتقد الولايات المتحدة أنها تزيد من شعبيته عند الجماهير الإسلامية.

أما الاتهامات العربية فلكل جهة أسباب وأهداف تختلف عن غيرها، ومن ضمنها ما أورده الصحفي "جمال إسماعيل"، المراسل السابق لقناة الجزيرة في باكستان، من معلومات خطيرة واتهامات للقناة بالعمالة وابتزاز بعض الأنظمة العربية. وربما تصدق تلك الاتهامات وربما لا تصدق، وسواء صدقنا أنها قناة موجهة لمنطقة الخليج أو أنها مفروضة على دولة المقر أو أن لها أهداف خفية أم لم نصدق فنحن ألان لسنا في مقام نفيها أو تأكيدها لأننا لا نعلم مدى صحتها وعلى أي أساس أطلقت. كما أنها ليست مشكلتنا وربما من الافضل أن لا نضعها ضمن مشاكلنا الكثيرة أصلا، بل يجب أن نسأل أنفسنا ومن حولنا السؤال الطبيعي والبديهي: لماذا لا تكون لدينا قناة فضائية «محترمة» لا أقول تشابه قناة الجزيرة بل تتفوق عليها بكل المقاييس لنستغني بها عن غيرها ، لماذا نحن نتكلم اكثر مما نعمل كل الشعوب تخطط وتؤسس لمستقبلها ونحن ما زلنا نتبادل الاتهامات والشتائم.

إن مشكلتنا الحقيقية ليست في الوسيلة الإعلامية بل المشكلة، كما أراها ويراها كثيرون، في أسلوب التعامل معها وفي طريقة التعاطي مع المتغيرات بشكل عام. فلا بد من زيادة آفاقنا الثقافية بشكل عام والإعلامية على وجه الخصوص لأننا نعيش في عصر العولمة وثورة المعلومات حيث تنعدم الخصوصية وتتقارب المصادر. مشكلتنا مع قناة الجزيرة تكمن في غرابة هذا الأسلوب الإعلامي المباشر والصريح على منطقتنا وإعلامنا فلم نكن نتوقع ظهور مثل هذه المؤسسة الإعلامية وبهذا الشكل.

3

الطرح المفاجئ بين مؤسسات إعلامية كلاسيكية تقليدية اضطر بعضها إلى مسايرتها أو محاكاتها وان كانت بخطوات بطيئة في محاولة للتطوير ومسايرة الواقع الجديد.

إن اشكاليتنا المعاصرة تكمن في نمطية التعامل وضحالة التفكير حيث منتهى القبول للفضائيات "عدمية" المنطلق مجمل رسالتها في "المدح والردح" ومنتهى الرفض للفضائيات الجادة أو حتى البرامج التي تهز عقولنا وقلوبنا نحو التفكير والتأمل في واقعنا لنتمكن من الإصلاح الذاتي ومن ثم التخطيط الاستراتيجي لمستقبلنا بعيدا عن الانفعالات.

إعلامنا، للأسف، لم يبدأ الطريق حتى ألان ولم يقم بدوره الحقيقي في مجال الإعلام وما زال رهينة الماضي. كما انه يفتقد للمبادرة، والصافرة دائما في يد غيره، يجيد ردة الفعل، وتنقصه الجراءة والابتكار.

إن المفاهيم المعلبة والأساليب المعممة والردود الجاهزة لم تعد مقنعة للناس. فلقد كثرت النوافذ وتعددت المصادر وتفتحت العقول؛ نحن بحاجة ماسة إلى العقلانية وإلى تغيير أسلوب التعاطي مع مشاكلنا وتطوير مؤسساتنا الإعلامية بما يتلاءم مع عصر الإنترنت والفورة المعلوماتية، وبحاجة إلى معرفة الحقوق والواجبات بعد تحديد الألوان.

لابد من المراجعة والمكاشفة الصادقة لتطوير أهدافنا والارتقاء بوسائلنا ومخاطبة الواقع، ولن يضيرنا بعد ذلك إن تعددت الآراء أو الاتجاهات المعاكسة.

* كاتب سعودي

ص ب 19073 جدة

21435

المملكة العربية السعودية